Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استعادة اسئلة الفيلسوف كارل بوبر عن القيم  المهددة

كتاباه "المجتمع المفتوح وأعداؤه" و "سعي لم ينتهِ، سيرة ذاتية" المناهضان للتوتاليتارية في ترجمة فرنسية جديدة

الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر (موقع فلاسفة)

ملخص

يعود اسم الفيلسوف النمساوي- البريطاني كارل بوبر (1902-1994) إلى صدارة النقاش الفلسفي في فرنسا مع صدور ترجمتين فرنسيتين جديدتين وكاملتين لكتابيه الشهيرين "المجتمع المفتوح وأعداؤه" و"سعي لم ينتهِ، سيرة ذاتية فكرية". أنجز ترجمة الكتاب الأول ديدييه دلسار، وقدّمه الفيلسوف وأستاذ الفلسفة السياسية في جامعة السوربون آلان بوييه، فيما تولّت رُنيه بوفريس وميشيل بوين-بودان ترجمة السيرة الفكرية. وقد صدرت الترجمتان في باريس عن دار "لي بيل ليتر" (2025).

لا يستعيد هذان الكتابان المهمان اسم كارل بوبر بقدر ما يستحضران اهتزازات القرن العشرين ويبعثان من جديد أسئلة الحرية والعقل والديمقراطية في زمن باتت فيه هذه القيم مهدّدة، سواء من قبل الأنظمة الاستبدادية أو من داخل المجتمعات الليبرالية نفسها.

 يعرض الكتابان لأفكار بوبر حول الاكتشافات العلمية، ونقده للحتميّة التاريخيّة والمشاريع السياسيّة اليوتوبيّة التي يرى الفيلسوف في طيّاتها بذور التوتاليتاريّة، هو الذي اختُزل فكره في نطاق فلسفة العلوم. فقد كان بوبر، المهتم بالعلم حتى الثمالة، صارماً لا يرحم الخطباء الغامضين، متشدداً تجاه العقائديين وسائر المتنبئين بانهيار العالم، علماً أنه كان شديد الحساسية تجاه بؤس العالم، كما تجاه انحرافات التاريخ. فسيرته الذاتية التي نشرها عام 1976، وصدرت ترجمتها الفرنسية الأولى عام 1981، وترجمت إلى العربية بهمة عمر فتحي ونشرتها دار المدى المصرية عام 2022، والتي تُعيد منشورات "لي بيل ليتر" ترجمتها اليوم، تُظهر بوضوح إلى أي حدّ كانت مسيرته الفكرية والإنسانية مطبوعة بالهمّ السياسي. لعلها تمثل السبيل الوحيد لإدراك كنه فكره المتماهي مع البحث الدؤوب والنقدي عن الحقيقة.

ولد كارل بوبر في فيينا عام 1902 لأسرة مثقفة من أصول يهودية تحوّلت إلى المسيحية اللوثرية. تميّز، منذ شبابه، بروحٍ قلقة، مهمومة بالبحث عن الحقيقة: اهتم أولاً بالموسيقى، ثم توجه إلى دراسة الرياضيات والفيزياء قبل أن يجد في الفلسفة ميدانه الطبيعي. بعد حصوله على الدكتوراه عام 1928، بدأ مساراً أكاديمياً صعباً قاده إلى المنفى في نيوزيلندا عام 1937، هرباً من تصاعد النازية في أوروبا. هناك، وفي عزّ الحرب العالمية الثانية، وضع كتابه الأهم "المجتمع المفتوح وأعداؤه" الذي صدر للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في لندن في جزئين عام 1945، بفضل دعم أصدقاء مثل إرنست غومبريتش وفريدريش هايك.

استقرّ بوبر لاحقاً في بريطانيا التي قضى فيها ثمانية عشر سنةً، مدرّساً الفلسفة ومنهجيات العلوم، مكرّساً نفسه لتأسيس ما أسماه "العقلانية النقدية"، أي الإيمان بالعقل، لا كجهاز معصوم، بل كقوة نقدية تتغذى من الخطأ ومن قابلية المعرفة للتفنيد. توفي بوبر في لندن عام 1994، لكنّ أثره الفكري ظلّ متواصلاً، لا سيما من خلال كتاب "المجتمع المفتوح وأعداؤه" الذي ترجم إلى اللغة العربية وصدر عن دار "التنوير" بتوقيع السيد نفادي، واعتُبر منذ صدوره "بياناً فلسفياً للحرية" في مواجهة النزعات الشمولية.

يُعدّ هذا الكتاب إذاً نصّاً تأسيسياً في الفلسفة السياسية الحديثة. كتبه بوبر في لحظة كان فيها العالم يعيش مأساة الحرب العالمية الثانية وصعود الأنظمة التوتاليتارية في ألمانيا وإيطاليا والاتحاد السوفياتي. كان هدفه الدفاع عن الحرية والعقل والديمقراطية ضدّ كل أشكال الحتمية التاريخية والفكر المغلق الذي يرى في مسار التاريخ قانوناً لا يمكن تغييره.

أعداء المجتمع

رأى بوبر أن أعداء المجتمع المفتوح ليسوا فقط الديكتاتوريين والسياسيين، بل أيضاً بعض كبار الفلاسفة الذين، من حيث لا يدرون، مهّدوا فكرياً للتوتاليتارية في وجوهها النازية والفاشية والشيوعية، وعلى رأسهم ثلاثة "عمالقة" هم على التوالي: أفلاطون وهيغل وماركس. هؤلاء، بحسب بوبر، أسّسوا لذهنية "المجتمع المغلق" القائمة على الإيمان بوجود قوانين ضرورية للتاريخ أو للطبيعة أو للعقل، تُبرّر إخضاع الفرد للجماعة أو للدولة.

في الجزء الأول من هذا الكتاب، قدّم بوبر قراءة نقدية لنصوص أفلاطون، أكد من خلالها أنه أول من نظّر للنظام المغلق الذي تُلغى فيه حرية الفرد لمصلحة الطبقات والتراتبية الصارمة. ففي قراءته "للجمهورية"، رأى الفيلسوف أن أفلاطون انحرف عن إرث سقراط الإنساني. وبدلاً من الدعوة إلى الحوار والنقد الذاتي، أسّس لنظامٍ يقوم على قمع الفرد باسم الخير العام. ذلك أن العدالة عنده ليست مساواة بل انسجام مفروض، يعرف فيه كلّ فرد "مكانه" داخل الهرم الاجتماعي. أما الفيلسوف-الملك، فهو وحده الذي يملك الحقيقة وله أن يخفيها أو يستخدمها كما يشاء.

وقد ذهب بوبر حدّ القول إن هذه الفكرة تشكل نواة الفكر التوتاليتاري الذي تُلغى فيه الحرية، وتُصبح الحقيقة امتيازاً للنخبة ويُختزل الإنسان إلى أداة في يد "العقل الأعلى".

أما في الجزء الثاني من الكتاب المعنون "هيغل وماركس وتداعياتهما"، فحلّل فيه فلسفتيهما بوصفهما صورتين حديثتين للتاريخانية، أي الإيمان بوجود قوانين حتمية تحكم التاريخ، والتي تقود برأيه إلى إنكار حرية الإنسان، ومن ثمّ إلى التوتاليتارية. فقد رأى بوبر في نقده لبعض نصوص الفلسفة الحديثة كما تبدّت في كتابات هيغل وماركس، استمراراً للروح الأفلاطونية القائلة بمجتمع مغلق قائم على السلطة المطلقة للحكماء. فهيغل الذي جعل من التاريخ مسرحاً لتحقيق "الفكرة المطلقة" أو "روح العالم"، حوّل الأحداث إلى تجليات لقوة غامضة لا يمكن للفرد أن يغيّر مسارها. هذا التصور، كما يقول بوبر، برّر الحروب والإمبراطوريات باعتبارها مراحل ضرورية لتحقق الروح المطلق. أما ماركس الذي أعجب بوبر بإنسانيته ودفاعه عن العدالة الاجتماعية، فقد أخطأ برأيه حين قال بالحتمية التاريخية القائمة على صراع الطبقات.

بؤس التاريخانية

قبل هذا الكتاب، كان بوبر قد نشر عام 1936 كتاباً صغيراً بعنوان "بؤس التاريخانية" وضع فيه أسس نقده للفكرة القائلة إن للتاريخ مساراً ضرورياً يمكن التنبؤ به علمياً. فبالنسبة له، إن هذه الفكرة خطيرة جداً، لأنها تُحوّل الفلسفة والسياسة إلى نوع من النبوءة العلمية، مبرّرةً باسمها العنف والقهر. ولعل نظرية "النسبية" التي قال بها أينشتاين، الذي التقاه بوبر في أميركا، كان لها تأثير حاسم في صياغة هذه الفكرة والتي أكدت أن أفضل النظريات العلمية والاجتماعية تقريبيةً وقابلة للتجاوز والدحض. وهذا ما بينه بوبر في كتابه "منطق البحث العلمي" الذي نقله إلى العربية محمد البغدادي وصدر عام 2021 عن مركز دراسات الوحدة العربية. هكذا انبثقت أطروحة بوبر عن "المجتمع المفتوح" الذي يُرجع الفيلسوف ظهورها إلى اليونان القديمة. من هذه الزاوية نفهم استهلاله الطبعة الأولى للكتاب بـ"خطبة" بيريكليس "الجنائزية" التي نقلها ثوسيديديس.

انحصر مشروع بوبر الفلسفي إذاً في الدفاع عن العقلانية النقدية، نافياً إمكانية معرفة المستقبل، معترفاً باحتمال وقوع الخطأ وتصحيح أنفسنا. إذ لا توجد قوانين ضرورية للتاريخ، بل قرارات بشرية قابلة للنقد والتغيير. "المجتمع المفتوح" هو إذاً المجتمع الذي يقبل المراجعة والنقاش والحقّ في الاعتراض.

إن التاريخ بالنسبة لبوبر ليس نتيجة قوانين موضوعية، بل هو محصلة الحريات البشرية المتغيرة. لذلك، ظلّ ماركس بعرفه، على رغم صدقه الإنساني، أسير "النبوءة العلمية" التي تنفي مسؤولية الإنسان الأخلاقية.

عرّج الكتاب كذلك على مشكلات المنطق الحديث، منتقداً كبار الفلاسفة المعاصرين كفيتغنشتاين، مقدّماً مقاربة جديدة وملموسة للمنهج السوسيولوجي، فضلاً عن العديد من الموضوعات الأخرى.

في مقدمة الترجمة الفرنسية الأولى المختصرة لهذا الكتاب التي صدرت عام 1979 عن دار "سوي"، كتب بوبر: "إن هدف هذا الكتاب هو الدفاع عن الحرية والديمقراطية. أعلم تماماً ما يهددهما من صعوبات، ولكنّهما يظلان أملنا الوحيد". هذه الكلمات تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فبعد أكثر من أربعة عقود، تأتي هذه الترجمة الجديدة الصادرة حديثاً عن دار "لي بيل ليتر" لتعيد للنص الواقع في 800 صفحة حيويته الأصلية فضلاً عن المقدمة والحواشي والشروح الدقيقة.

 ليست هذه الترجمة الجديدة للكتابين مجرد عمل لغوي يصحح هنّات وأخطاء الترجمات الأولى، بل هي حدث فلسفي وثقافي يعيد إلى القرّاء الفرنسيين والناطقين باللغة الفرنسية نصّاً مؤسِساً شكّل مرجعاً في الدفاع عن الفكر الليبرالي النقدي ضدّ النزعات المغلقة، سواء كانت دينية أو قومية أو أيديولوجية. ولعل الناشر والمترجمين قد أحسنوا في إشارتهم إلى أن الهدف الكامن وراء هاتين الترجمتين الجديدتين لسيرة بوبر الذاتية ولكتابه الأشهر "المجتمع المفتوح وأعداؤه" تقديمه كمفكّرٍ معاصرٍ، لا كمؤرخٍ للفكر.

في هذا السياق، يصبح استحضار أطروحات الفيلسوف ضرورة فكرية في عالم يعيش اليوم أزمات تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي ألّف فيها كتابيه، عنيت أزمة الهوية وصعود الشعبوية وانهيار الثقة بالعقل وتراجع الإيمان بالعلم والحرية. ولا بدّ من الإشارة إلى أن الجدل حول "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، لم يتوقف منذ صدور الكتاب. ذلك أن العديد من المفكرين اعتبروا قراءة بوبر لأفلاطون وهيغل وماركس جائرة أو متحيزة، كالمفكر الألماني -الأميركي والتر كوفمان الذي وصف قراءة الفيلسوف لهيغل بالمضلِّلة، فيما رأى إريك فوغلين أنها "أيديولوجيا مضادة للأيديولوجيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على رغم هذه الانتقادات والسجالات التي دارت حول أطروحات الكتاب، فقد ظلّ تأثيره واسعاً وأشاد به فلاسفة كبار من أمثال برتراند راسل وسيدني هووك اللذان اعتبراه من أعظم الدفاعات عن الحرية في القرن العشرين. ولئن كان بوبر قد كتب دفاعه عن "المجتمع المفتوح" في مواجهة النازية والستالينية، فإن أهمية أفكاره اليوم لا تزال راهنة. ذلك أن التحديات الجديدة كالشعبوية ونظريات المؤامرة وتآكل الثقة في المؤسسات والنسبية الفكرية المفرطة كلها تهدد فكرة العقل والحقيقة نفسها.

في مواجهة الأزمات المعاصرة، يُعيد كتابا بوبر تذكيرنا أن الحرية لا تُمنح بل تُبنى عبر النقد المستمر، وأنّ العقلانية ليست يقيناً بل تواضعاً أمام الخطأ. بهذا المعنى، لا يقدّم كتاب "المجتمع المفتوح وأعداؤه" نقداً للتوتاليتارية فحسب، بل يؤسس لأخلاقيات الحوار والانفتاح، حيث لا يُقاس التقدّم بالثورات أو الأنظمة، بل بمدى قدرة المجتمع على الإصغاء وعلى تصحيح مساره وعلى احترام تعددية الآراء. وهذا ما يتبدى أيضاً في سيرة الفيلسوف الذاتية التي حكت ليس فقط جوانب من طفولته وشبابه وكهولته، بل عالجت موضوعات فلسفية كنظرية المعرفة ومنطق الاكتشاف العلمي، والواقعية ونظرية الكم، والموضوعية، والفيزياء، والمجتمع المفتوح، وعقم المذهب التاريخي، فضلاً عن نقاشات دارت بين بوبر والفيزيائي إرفين شرودنغر، والتي طرحت إلى جانب الفيزياء مسائل فلسفية كبرى.

تأتي الترجمة الفرنسية الكاملة والجديدة لسيرة كارل بوبر الذاتية ولكتاب "المجتمع المفتوح وأعداؤه" لتذكّر القراء بأن الفلسفة، في جوهرها، ليست بحثاً مجرّداً، بل التزاماً بالعالم وبمستقبل الإنسان. ففي زمنٍ يتراجع فيه الإيمان بالعقل ويزداد فيه العنف الرمزي والمادي، يُعيدنا بوبر إلى فكرة بسيطة وعميقة، قوامها أن الخطأ لا يُهزم بالسلطة، بل بالنقد، وأن الحرية لا تُصان إلا بالوعي بحدود المعرفة. هكذا يستعيد هذان الكتابان المهمان راهنيتهما، لا كوثائق من القرن الماضي، بل كصرخة في وجه كلّ من يريد إعادة غلق أفق المجتمع الإنساني.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب