ملخص
ابتدأ القرن الـ21 بزلزال ولاية غوجارات عام 2001 في الهند وانتهى بالزلزال "الأسوأ في المنطقة منذ 20 عاماً" في تركيا وسوريا.
منذ بداية القرن الـ21 تسببت سلسلة من الكوارث الطبيعية في خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات الأميركية لكن أكثرها دماراً حدث عام 2004 بالمحيط الهندي الذي تسبب في تسونامي آسيا إلى حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات، واختتم الربع الأول من القرن الجاري بزلزالين في تركيا وسوريا اللذين يعتبران "الأسوأ في المنطقة منذ 20 عاماً"، وفق وصف الأمم المتحدة.
ووفقاً للأمم المتحدة قتل ما لا يقل عن 53537 في تركيا وما لا يقل عن 5954 في سوريا.
وبعد كل كارثة طبيعية تتبعها كوارث اقتصادية وصحية وسياسية، أثبتت هذه الكوارث أن آثار المناخ لا تقتصر على البيئة فحسب، بل تمس الاقتصاد والأمن الغذائي والصحي، وتسببت في تعطيل قطاعات رئيسة مثل الزراعة والسياحة والصناعة والبنية التحتية ودمرت أصولاً رأس مالية ضخمة، وتتضرر منها الدول النامية قبل الدول الصناعية الكبرى ذات المسؤولية الكبرى في هذه الكوارث.
أصبحت اختباراً للشرعية السياسية، فارتبطت فاعلية الاستجابات الحكومية بمشروعية الأنظمة، في حين استفاد البعض من إدارة الكوارث لتعزيز موقعهم أو دعم التضامن المجتمعي وأظهرت الأحداث الكبرى أن الإخفاق في الاستجابة يمكن أن يصعد من حدة الأزمات السياسية والاجتماعية.
بدأ الاهتمام السياسي الدولي بقضية التغير المناخي منذ قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992 التي أسفرت عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، لكن التحول الحقيقي نحو جعلها أولوية حكومية جاء بعد عام 2015 مع توقيع اتفاقية باريس للمناخ، حين التزمت الدول للمرة الأولى أهدافاً محددة لتقليل الانبعاثات.
تسونامي نقطة تحول عالمية
منذ بداية الألفية الجديدة شهد العالم كوارث طبيعية ابتداء من زلزال غوجارات عام 2001 في إحدى الولايات الهندية إلى موجات الحرارة الأوروبية التي بدأت صيف 2003، إلا أن تسونامي 2004 كان نقطة تحول عالمية.
في صباح الـ26 من ديسمبر (كانون الأول) لم يكن هناك صفارات إنذار مبكر لهذه الكارثة التي غيرت موازين العالم، عندها ضرب تسونامي المحيط الهندي بقوة غير مسبوقة وشهد العالم في ذلك العام واحدة من أكثر الكوارث تدميراً في التاريخ المعاصر، أسفرت عن مقتل نحو 230 ألف شخص وإحداث دمار في 14 بلداً وكانت إندونيسيا وسريلانكا والهند وتايلاند الأكثر تضرراً، وقدرت الخسائر المادية الإجمالية بنحو 10 مليارات دولار، وذلك وفقاً لبيانات الأمم المتحدة.
كانت أرقام القتلى والخسائر المادية بمثابة إنذار دفع المجتمع الدولي إلى الاجتماع في كوبي، هيوغو باليابان لمناقشة سبل الحد من الكوارث الطبيعية، واعتمدت الحكومات إطار عمل هيوغو لمدة 10 أعوام، وهو أول اتفاق عالمي شامل في شأن الحد من أخطار الكوارث.
وأنشأوا أيضاً نظام المحيط الهندي للتحذير والتخفيف من التسونامي، إذ يضم العشرات من محطات الرصد وتسجيل الزلازل ومستوى سطح البحر ونشر التنبيهات إلى مراكز معلومات التسونامي الوطنية.
وبحسب منظمة الرؤية العالمية، تشير التقديرات إلى أن زلزال سومطرة-أندامان هو ما تسبب في حدوث التسونامي ويذكر أنه قد أطلق طاقة تعادل 23 ألف قنبلة ذرية من النوع الذي تم إلقاؤه على هيروشيما.
اختبار للحكومات
لم تعد الكوارث الطبيعية مجرد حدث بيئي، بل أصبحت اختباراً للحكومات لقياس مدى كفاءتها وسرعة الاستجابة والشفافية وصدق المعلومات والوعود المقدمة قبل وقوع الحادثة وهي الاختبار الأكبر لقياس كفاءة البنية التحتية، أصبحت أخبار الكوارث أو أي حدث بيئي يتبع إعلانها أنها "تختبر قدرة الحكومة على الاستجابة".
كان إعصار كاترينا أول اختبار للولايات المتحدة في بداية القرن الـ21، عام 2005، فشلت البلاد في هذا الاختبار وسجلت الحادثة بالأكثر تدميراً في التاريخ الأميركي، إذ دمر 90 ألف ميل مربع من الأراضي، وهي مساحة تعادل مساحة المملكة المتحدة.
في ولاية مسيسيبي ارتفعت نسبة الفقر ولقي أكثر من 1500 شخص حتفهم وفقاً لتقرير نشرة الكونغرس 2006، نتج من هذه الكارثة اتهامات للحكومة بالتمييز العنصري لأن الأحياء الفقيرة والسوداء كانت الأكثر تضرراً، وانخفاض حاد في شعبية الرئيس جورج بوش.
أما بالنسبة إلى الصين فواجهت احتجاجات واتهامات بالفساد وذلك بعد زلزال سيشوان عام 2008، ارتبط بـ"فضيحة فساد مدارس سيتشوان" كان أعنف زلزال شهدته الصين منذ زلزال تانغشان عام 1976، إذ بلغ عدد القتلى الرسمي ما يقارب 70 ألف شخص، وآلاف الجرحى والمفقودين، كشف الزلزال عن مشكلات خطرة، لا سيما سوء معايير البناء للمباني العامة، وبخاصة المدارس، حين انهارت آلاف المباني المدرسية وراح ضحيتها آلاف الوفيات من الطلاب، وبلغ الدمار بمدينة بيتشوان حداً جعلها مهجورة في نهاية المطاف، وحفظت كموقع تذكاري.
كشفت هذه الكارثة حساسية الحكومة تجاه النقد الإعلامي، وأشار تقرير نشرته "نيويورك تايمز" إلى أن إدارة الدعاية المركزية للحزب أصدرت توجيهاً يمنع وسائل الإعلام من إرسال مراسلين إلى مناطق الكارثة، ويأمرها بنشر تقارير من محطة التلفزيون المركزية ووكالة الأنباء فقط.
كان لكارثة طبيعية في اليابان أن تغير قطاع الطاقة النووية ونهجها في مجال السلامة بصورة جذرية، بعدما ألحق زلزال بقوة 9.0 درجة، أعقبه تسونامي بارتفاع 45 قدماً أضراراً بالغة بمفاعلات الطاقة النووية في منشأة فوكوشيما دايتشي اليابانية. في أعقاب هذه الكارثة طلبت الهيئة التنظيمية النووية الأميركية تحسينات كبيرة لمحطات الطاقة النووية التجارية الأميركية، واجهت الحكومة اليابانية ضغوطاً نتيجة ضحايا المفاعلات النووية ولتقديم معلومات سريعة عن التسرب الإشعاعي.
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي حمود الرويس كل كارثة فرصة للحكومات لتعزيز أو تقويض شرعيتها السياسية، وذلك من طريق الاستجابة الفورية للكارثة وتوفير الحماية للمواطنين، لأن الشعوب تقيم أداء الحكومات بناءً على كيفية إدارتها للكوارث مثل سرعة وصول فرق الإنقاذ، وكفاءة تقديم المساعدة، وخطط إعادة الإعمار. هذه القدرة على الاستجابة الفعالة أو قصورها يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في شعبية الحكومة وثقة المواطنين بها.
إعادة التفكير في معنى الأمن
يقول كبير مسؤولي التأثير العالمي في منظمة "بلانت" أندرو زولي "إن الأمن القومي والأمن الطبيعي مرتبطان بصورة لا تنفصل، ونحن في حاجة إلى إعادة التفكير في معنى الأمن بالنسبة إلى مستقبل الكوكب وشعبه".
يرى الرويس بأن قضية المناخ جزء من الأمن القومي، لأن آثارها تتجاوز القضايا البيئية فتصبح تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار، إذ تسهم في تفاقم النزاعات والصراعات، وتزعزع الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتخلق أزمات إنسانية مثل نقص الغذاء والمياه والهجرة القسرية، إضافة إلى ذلك فإن تغير المناخ يؤثر في البنية التحتية والموارد الطبيعية والقدرات العسكرية، مما يفرض على الدول التعامل معه كمسألة أمنية عليا تستدعي استجابات طارئة واستثنائية.
أصبحت أزمة التغير المناخي تطرح بصورة مستمرة في الساحات الدولية والإقليمية، هنا يشير المحلل السياسي إلى أن القضية تشغل اهتمام القادة السياسيين بصورة وسعى على الصعد الدولية والإقليمية والوطنية، وذلك لما تشكله من أخطار وتهديدات على الدول والمجتمعات، وفي ظل المتطلبات الدولية فالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) تؤكد ضرورة تحقيق خفوضات جذرية وسريعة ومستدامة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في جميع القطاعات.
قسم الرويس دول العالم من ناحية التعامل مع أزمة المناخ إلى فئات: الفئة الأولى وضعت الاستراتيجيات المناسبة لخفض التلوث المناخي، وبدأت في تنفيذ هذه الخطط فعلياً ومنها السعودية التي وضعت الحياد الكربوني كهدف استراتيجي وطني وبدأت تنفيذ مشروعي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر.
والفئة الثانية دول وضعت استراتيجية وطنية قد تكون خططاً على الورق أكثر منها أهدافاً استراتيجية تنفذ على الأرض وذلك لتفادي الإحراج أمام المنظمات الدولية، والفئة الثالثة دول لم تكترث لملف التغير المناخي، وتأتي على رأس هذه الدول أميركا ويأتي ذلك عندما انسحب ترمب من اتفاقية باريس للمناخ .
العالم يواجه معادلة غير عادلة
الكوارث الطبيعية لا تتوقف عند حدوثها، بل يمتد أثرها في مجالات عدة، كما يشير المحلل المالي حسين العطاس، فهي تطاول الأمن الغذائي والمائي، مسببة الجفاف ونقص المحاصيل وتهديد مصادر المياه، ينتج منها الهجرة والنزوح وذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو غرق المناطق الساحلية.
أما من جانب العدالة البيئية فالعالم يواجه معادلة غير عادلة، بحسب رأي العطاس، الدول الصناعية الكبرى هي المسؤولة عن معظم الانبعاثات، بينما الدول النامية التي لم تسهم كثيراً في التلوث هي الأكثر تضرراً من تبعاته، لذا أصبحت العدالة المناخية قضية مركزية في النقاشات العالمية، خصوصاً مع مطالبات الجنوب العالمي بتمويل الخسائر والأضرار.
ويشير إلى مجموعة من الدول تصنف ضمن "الأكثر هشاشة مناخياً"، منها بنغلاديش والفيليبين بسبب الأعاصير والفيضانات، وباكستان بسبب الفيضانات المتكررة وذوبان الجليد في جبال الهيمالايا، ودول جزر المحيط الهادئ مثل فيجي وكيريباتي التي تواجه خطر الاختفاء تحت البحر نتيجة ارتفاع منسوب المياه، هذه الدول تعاني ضعف البنية التحتية وصعوبة التمويل للتأقلم مع الأخطار المناخية.
أما بالنسبة إلى التحديات البيئية التي تواجهها اقتصادات الدول، فأشار العطاس إلى أن العالم يعتمد بصورة كبيرة على الوقود الأحفوري وذلك مقابل بطء التحول للطاقة النظيفة، وتأثير شح المياه والجفاف في المناطق الزراعية، وارتفاع درجات الحرارة والتصحر في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، كذلك فإن الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر باهظ الثمن بخاصة للدول النامية.
خسائر الكوارث الطبيعية ترتفع 3 أضعاف وقابلة للزيادة
يرى الأستاذ المشارك بقسم الأمن الوطني بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية عبدالله اللحيدان بأن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية تزايدت على مدى العقود القليلة الماضية، إذ زاد عدد الكوارث الطبيعية التي تسببت في خسائر كبيرة بمقدار ثلاثة أضعاف منذ تسعينيات القرن الـ20.
مشيراً إلى أن السكان والنمو الاقتصادي هما المحركان الرئيسان للخسائر المتزايدة، ولكن تغير المناخ الناتج من أنشطة الإنسان قد يزيد من وتيرة و/أو شدة الأحداث الجوية المتطرفة في المستقبل، ويعزى ذلك إلى النمو السكاني والاقتصادي في المناطق المعرضة للكوارث، ومن المتوقع أن تزداد خسائر الكوارث الطبيعية في المستقبل نتيجة للزيادة المستمرة في التعرض الاقتصادي وتغير المناخ.
يتفاوت الضرر الاقتصادي الناجم عن الكوارث، وتشمل الخسائر الأصول الرأسمالية والبنى التحتية مثل المساكن والمدارس والمصانع والمعدات والطرق والسدود والجسور، وتقضي الكوارث على جزء مهم من رأس المال البشري بسبب الخسائر في الأرواح وفقدان العمال المهرة والدمار الذي يلحق بالمنشآت التعليمية مما يعطل الدراسة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ملف المناخ يتصدر أولويات التنمية
في السياق نفسة أشار عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية سليمان العقيلي إلى أن الكوارث الطبيعية منذ بداية القرن الـ21 حتى اليوم شكلت قوة شديدة التأثير في اقتصادات وسياسات الدول، بحيث غيرت من أولويات التنمية وأعادت صياغة السياسات العامة وعرضت البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للاختبار بصورة عميقة .
دفعت الكوارث الطبيعية بعض الاقتصادات الناشئة أعواماً إلى الوراء، والتأثير يمتد أيضاً ليشمل ارتفاع كلف التأمين وتزايد التحديات في الاستثمار بالمناطق المعرضة للمخاطر، وعمقت هشاشة الدول النامية ودفعتها إلى أزمات دين سيادي أو خفض التصنيف الائتماني، مما ضاعف عوائق الصمود والتنمية.
يذكر أن الاهتمام السياسي الدولي بقضية التغير المناخي بدأ منذ قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992 التي أسفرت عن "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ"، لكن التحول الحقيقي نحو جعلها أولوية حكومية جاء بعد عام 2015 مع توقيع اتفاقية باريس للمناخ، إذ التزمت الدول للمرة الأولى أهدافاً محددة لتقليل الانبعاثات.