Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما وراء مغامرة "رجل المال الأميركي" في الكاريبي

من خلال خطاب محاربة المخدرات والهجرة ربما يكمن الوعي المفاجئ للولايات المتحدة بما حصل خلال عقدين بصمت: تحول الصين إلى الشريك التجاري الأساس في أميركا الجنوبية

هل ما نشهده سيكون تكراراً لعملية "غرنادا" عام 1983؟ (أ ف ب)

ملخص

القوات الأميركية انتشرت منذ أغسطس (آب) 2025 في عرض البحر الكاريبي لاستهداف السفن التي تحمل المخدرات. أسطول يضم 8 سفن حربية بقيادة الأميرال آلفين هولسي، إضافة إلى غواصة هجومية نووية (SNA) وقطع برمائية تحمل 4.500 من عناصر المارينز. هل ما نشهده سيكون تكراراً لعملية "غرنادا" عام 1983؟ وما التحديات أمام دول أميركا اللاتينية؟ وما أهداف ترمب في منطقة الكاريبي؟

تصاعدت حدة المواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الكولومبي غوستافو بترو في الأيام الأخيرة، بخاصة بعد التصريحات التي أدلى بها الأخير خلال الدورة الـ80 للأمم المتحدة التي انعقدت في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، ومشاركته في التظاهرات التي سارت في شوارع نيويورك للمطالبة بوقف الحرب على غزة، ودعوته ضباط وعناصر الجيش الأميركي للعصيان، وإعلان نيته تشكيل جيش عالمي لتحرير فلسطين، وكان من نتيجة ذلك حرمانه من تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة، مما قابله باستدعاء سفير كولومبيا لدى واشنطن، وتطورت الأمور إلى وقف المساعدات التي تقدمها واشنطن إلى بوغوتا في إطار اتفاق محاربة تجارة المخدرات، وهي مساعدة بلغت 740 مليون دولار عام 2023.

كولومبيا التي كانت الحليف الأساس للولايات المتحدة خارج الحلف الأطلسي تحولت خلال عامين إلى بلد يجب تصحيح مساره على غرار كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، ولاحقاً المكسيك وغيرها. فما أبعاد هذه المواجهة بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية التي تحظى بحكومات يسارية، وما الذي يسعى ترمب إلى تحقيقه عبر تسليط ثقله السياسي والعسكري في منطقة الكاريبي؟

ما وراء الكاريبي

القوات الأميركية انتشرت منذ أغسطس (آب) 2025 في عرض البحر الكاريبي لاستهداف السفن التي تحمل المخدرات. أسطول يضم 8 سفن حربية بقيادة الأميرال آلفين هولسي، إضافة إلى غواصة هجومية نووية (SNA) وقطع برمائية تحمل 4.500 من عناصر المارينز. هل ما نشهده سيكون تكراراً لعملية "غرنادا" عام 1983؟ وما التحديات أمام دول أميركا اللاتينية؟ وما أهداف ترمب في منطقة الكاريبي؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصين تحولت إلى أول شريك تجاري في أميركا اللاتينية في العقود الماضية على حساب السوق الأميركية لأسباب هيكلية عديدة، حيث بلغت قيمة المبادلات بين الجانبين 500 مليار دولار العام الماضي، بزيادة قدرها 40 في المئة خلال 100 عام، ويتوقع أن تصل إلى 700 مليار حتى عام 2035.

من خلال ما يجري على الساحة السياسية، وخطاب محاربة تجارة المخدرات (وهو خطاب قديم يعود إلى حقبة نيكسون)، ومحاربة الهجرة، ربما يكمن الوعي المفاجئ للولايات المتحدة بما حصل خلال عقدين بصمت: صعود الصين وتحولها إلى الشريك التجاري الأساس في أميركا الجنوبية. فالتقارب بينهما بدأ مع دخول الصين منظمة التجارة العالمية وعولمة الاقتصاد بدفع من الولايات المتحدة، كما يشير المتخصص في دول أميركا الجنوبية في معهد الدراسات السياسية ورئيس مديرية دول أميركا الجنوبية في وزارة الخارجية الفرنسية آلان روكييه. تجارة كان أساسها حصول الصين على المواد الأولية الخام وإعادة تصديرها مصنعة إلى تلك البلدان. مبادلات ساعدت في نهوض الصين التي اعتمدت على تأمين حصولها على الموارد الأولية.

دونالد ترمب يسعى من خلال سياسته الخارجية، وشعار "أميركا أولاً"، لإزاحة الصين وفرض تفوق فقدته الولايات المتحدة حيالها في مناطق مختلفة حول العالم. وتحقيق هذا التفوق يتم عبر تأمين وتعزيز وإعادة تكوين قدراتها واستقلاليتها في إنتاج الطاقة والتكنولوجيا. ولا ضير إن كان ذلك يتطلب التخلي عن الالتزامات الجيوسياسية التي يعدها ثانوية كحرب أوكرانيا، وأن تخضع سياسات الدول، سواء كانت حليفة أو خصمة، لتطبيق هذه التوقعات.

 سياسة ترمب اللاتينية

لم يعدل ترمب ملامح وأهداف سياسته تجاه أميركا اللاتينية، ولخصها بمحاربة الهجرة وتجارة المخدرات التي "تقضي على حياة كثير من العائلات في الولايات المتحدة"، بحسب تعبيره. وبناء الجدار مع المكسيك كان ضمن هذه الرؤية. وهو لم يُخفِ معاداته للأنظمة اليسارية (كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، ولاحقاً المكسيك والأكوادور، وغيرهما).

فالسياسة الخارجية مع هذه الدول تخضع لمعيار تحقيق الأهداف التجارية، بخاصة مع المكسيك، وإعادة صياغة اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية (نافتا) التي تحولت إلى (USMCA) تندرج في هذا السياق، فهي موضع فخر يرى فيه إنجازاً تجارياً رئيساً في فترة الرئاسة الأولى.

اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) دخلت حيز التنفيذ عام 1992، وانتقدها ترمب بشدة خلال حملته الانتخابية، مؤكداً أنها كانت وراء نقل المصانع والوظائف الأميركية إلى دول أخرى، وبخاصة المكسيك.

 

فور بدء ولايته الثانية، فرض ترمب تعريفات جمركية بنسبة 25 في المئة على كندا والمكسيك بحجة محاربة تهريب المخدرات، مع إعفاء البضائع التي تتوافق مع قواعد اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (USMCA). واعتبرت "وول ستريت جورنال" أن هذا النهج يهدف إلى زيادة النفوذ الأميركي في المفاوضات، وربما تسريع التقدم. وتجدر الإشارة إلى أن 80 في المئة من صادرات المكسيك تتجه إلى الولايات المتحدة.

بالطبع لتحقيق أهداف سياسته، اختار ترمب الوزراء الذين يشاطرونه هذه الرؤية، ومن أبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو من أصول كوبية، ويعد من أبرز المناهضين لأنظمة دول أميركا اللاتينية اليسارية، بخاصة كوبا وفنزويلا، مما يجعل من تشدده حيال المكسيك وكولومبيا أمراً بديهياً، وقد كرر انتقاداته للبرازيل وكولومبيا وتشيلي، حول مواضيع مختلفة، إذ يأخذ على كوبا وفنزويلا أنهما أول من ساندتا الفلسطينيين ضد الحكومة الإسرائيلية، ويتحامل على المكسيك بسبب مسائل الهجرة، فهو مؤيد لحملات الترحيل الجماعية، ومحاربة تجار المخدرات، كما يطالب بوضع كارتيلات المخدرات على لائحة الإرهاب.

يعتبر روبيو أن المكسيك تستغل اتفاق التجارة الحرة بصورة ملتوية بسبب استيرادها المنتجات الصينية وإعادة تصنيعها وبيعها للولايات المتحدة عبر اتفاقية "أوسكما". ومن المقرر أن يعيد عام 2026 صياغة اتفاقية التجارة الحرة  (USMCA) بهدف الحصول على أفضل شروط للشركات الأميركية. بالنسبة إليه كما إلى دونالد ترمب، الصين هي التهديد الاستراتيجي الاقتصادي الرئيس في أميركا اللاتينية، تهديد تجسد بمرفأ "شنكاي" في البيرو شمال العاصمة ليما، وهو الأعظم في المنطقة، والذي تم افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، لذا يجب الحد من توسعها.

حدود الرهان الحالي

إن نشر الولايات المتحدة لقواتها البحرية بغرض محاربة الهجرة والجريمة المنظمة والقضاء على عصابات تهريب المخدرات، الذي استنفرت فيه الوسائل التقليدية السيبرانية والقوات الخاصة الأميركية، بعضهم رأى فيه رسالة ضغط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وإشارات تحالف وتضامن إلى زعماء اليمين واليمين المتطرف في هذه الدول، ليكشف لها عن اهتمام مختلف عما كان عليه الأمر في ولايته الأولى، كما يشير كريستوف فانتورا.

فعمليات تبييض الأموال نجم عنها 15000 مليار دولار منذ عام 2020، وتعقيد الآليات المالية تشكل أحد جوانب النزاع. وهذا يضع بعض الدول في موقع هش. وبالمقارنة مع أزمة الصواريخ في كوبا، حيث كان التحدي يتمحور حول التوازن الدولي بين الشرق والغرب، في حين يتمحور الرهان الحالي حول التحدي المالي الناجم عن تهريب المخدرات، وذلك مع توفر سلطة على مساحة جغرافية تزعزع الاستقرار في بعض الدول التي تبحث عن مساندة دول أخرى، وهذا بالطبع يشكل رهاناً شاملاً، وخير دليل على ذلك أنه عندما استنكرت فنزويلا الوجود العسكري للولايات المتحدة في الكاريبي تلقت دعم الصين، بحسب المتخصص في العلاقات الدولية وأميركا اللاتينية باتريك دروو.

 

ويتابع دروو لـ"اندبندنت عربية" أن "السياسة التجارية تكتسي طابعاً جيوبوليتيكياً، بخاصة إذا ما علمنا أن رؤية ترمب الاقتصادية تعتبر أن الكسب وحرية الأسواق والتبادل والمؤسسات تشكل القاعدة الأساسية في الاقتصاد. لذا فإن كل النشاطات والقرارات الاقتصادية يجب أن تخضع لأوامر سياسية واستراتيجية بهدف الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة تجاه منافسيها، وفي مقدمهم الصين. وبالنسبة إلى الرئيس الأميركي فإن هذا واجب مطلق، لأنه يعتبر أن الصين بنت صعودها من طريق التبادل الحر المعولم على حساب الولايات المتحدة".

ويعول ترمب من خلال هذه الرسائل إلى حلفاء مستقبليين محتملين على إمكان الحصول على دعمهم في ملفات متعددة، من خلال اصطفافها إلى جانب الولايات المتحدة في القطاعات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية، ودعمها سلاسل القيمة الأميركية في مجالات الطاقة وقطاعات الموارد الطبيعية على حساب منافس قوي (الصين وربما روسيا)، وذلك عبر شل منتديات الدمج الإقليمية اللاتينية الأميركية، على غرار مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك)، التي يبرز فيها تأثير الدول التي يحكمها اليسار، والتي يصنفها ترمب بـ"مُوالية للصين".

كذلك يعول على مساعدة بعض هذه الدول ذات النهج اليميني على غرار ميلاي وبولسونارو، للتعاون في سياسة الحد من الهجرة ومحاربة المخدرات، بصورة تجعل هذه الذريعة غطاءً يكسي الوجود العسكري حجة محاربة كارتيلات المخدرات. وهو وجود يساعد الولايات المتحدة على مواجهة الصين في هذه البقعة من العالم.

وفي النهاية، وبسبب علاقات كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا مع الصين، هل يذهب ترمب إلى المواجهة مع هذه الدول؟ أم أنه سيفضل قناة التفاوض كما يوحي بها ريتشارد غرينيل الذي أقيل أخيراً من منصبه وكان موفد الرئيس ترمب للمهام الخاصة ويعكس القناة الدبلوماسية. فهل سيختار ترمب قناة المواجهة أم التفاوض؟

المزيد من تقارير