ملخص
انفجرت الأوضاع اليوم في "مخيم الفرنسيين" بعد توترات أمنية خلال الساعات الـ24 الماضية، على خلفية اتهامات موجهة لـ"عمر أومسين" الذي ينصب نفسه أميراً لـ"فرقة الغرباء"، وهو فرنسي من أصول سنغالية، ويعرف باسم "عمر ديابي"، بخطف طفلة فرنسية ومفاوضة والدتها على إطلاقها مقابل فدية مالية.
لم يعد ليل "حارم" البلدة الواقعة داخل الشمال السوري هادئاً كما اعتاده السكان في أعقاب عملية التحرير من النظام السابق منذ قرابة عام، إذ عادت البلدة إلى أتون المعارك، بعدما لم تنقطع أصوات الاشتباكات بين أفراد كتيبة أو "فرقة الغرباء" الفرنسيين والقوات الحكومية التي أحكمت طوقاً أمنياً لمحاصرة مخيم يطلق عليه اسم "مخيم الفرنسيين".
أجواء ساخنة
انفجرت الأوضاع اليوم الأربعاء بعد توترات أمنية خلال الساعات الـ24 الماضية على خلفية اتهامات موجهة لـ"عمر أومسين" الذي ينصب نفسه أميراً للجماعة القتالية، وهو فرنسي من أصول سنغالية، ويعرف باسم "عمر ديابي"، بخطف طفلة فرنسية ومفاوضة والدتها على إطلاقها مقابل فدية مالية.
وتشي المعلومات الأولية وفق مصادر ميدانية خاصة بعزم القوات الأمنية الحكومية على دخول المخيم ضمن عملية أمنية واسعة تستهدف تفكيك فرقة "الغرباء" واعتقال أومسين، مما يرفع احتمالية سقوط ضحايا مدنيين.
وتحدث شهود عن تحليق طيران مسير تابع للقوات الحكومية يعرف باسم "الشاهين" فوق أجواء المخيم مع استقدام آليات ثقيلة، تمهيداً لاقتحام المخيم حيث يتحصن "عمر أومسين" أهم الشخصيات المقاتلة الأجنبية، ويتخذ من الجبال الوعرة داخل المنطقة مكاناً آمناً له.
ويعود تسمية "مخيم الفرنسيين" نسبة إلى وجود عشرات المقاتلين الأجانب من الجنسية الفرنسية، الذين وفدوا إلى سوريا مع اشتداد الصراع المسلح لإسقاط نظام الأسد.
وكان أومسين الفرنسي انتقل من نيس عام 2013 إلى سوريا للانضمام إلى الجماعات المسلحة وأسس "فرقة الغرباء"، وقادها بعد تجمع عشرات المقاتلين الفرنسيين. ولكثرة التجاوزات المرتكبة من قبله حكمت عليه "هيئة تحرير الشام" أثناء سيطرتها على إدلب بالسجن 17 شهراً قبل إطلاق سراحه. ومعروف عن عمر أنه يدير المخيم بقبضة حديدية، ويعمل على نشر التعاليم المتشددة عبر منهاج تعليمي خاص يستهدف الأطفال الصغار لنشر التشدد.
مخيم يشبه المعتقل
في المقابل، اتهمت "فرقة الغرباء" الدولة السورية بـ"العمالة لجهات خارجية" وفق بيان رسمي صدر عنها، وبث مقاتلون مقاطع مصورة نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت آثار الاشتباكات التي استخدمت خلالها رشاشات ثقيلة من قبل قوات الأمن العام ووزارة الدفاع، بعد محاصرة المخيم حيث يتحصن أومسين.
ويخفي المخيم الواقع في جبل حارم تجاوزات عدة تراكمت عبر الأعوام، حتى تحول من مجرد مأوى لعائلات مقاتلين أجانب إلى كيان مغلق تمارس داخله سلطة موازية خارج إطار القانون.
ويرى الكاتب السياسي عبدالغني العريان أنه "منذ انتقال المخيم من موقعه القديم في منطقة المخيم الأزرق إلى مخيم الفردان داخل ريف إدلب، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على تكوين إدارة داخلية غير خاضعة للرقابة، يقودها أومسين الذي استطاع فرض نظام أشبه بالدولة الصغيرة داخل الدولة، يقوم على محاكم شرعية محلية وشرطة داخلية، وقرارات عقابية مستقلة لا تستند إلى أي تشريع رسمي أو رقابة قضائية". وأضاف أن "تجاوزات خطرة مورست بحق المدنيين المقيمين فيه، شملت الخطف والابتزاز والعقوبات الجسدية، وأخطر تلك الحوادث تمثلت بخطف فتاة من والدتها على يد مجموعة مسلحة يقودها أومسين نفسه، مما أثار موجة استنكار واسعة بين الأهالي ودفعهم إلى تقديم شكاوى متكررة للسلطات المحلية. ولم تكن هذه الحادثة استثناءً بل جاءت ضمن سلسلة انتهاكات تتعلق باحتجاز مدنيين بحجة ’المخالفات الشرعية‘ وفرض غرامات مالية على العائلات، والتضييق على النساء في التعليم والحركة واللباس، ومنع الأطفال من الالتحاق بمدارس خارج المخيم". وتابع العريان "لقد جعل أومسين من المخيم بؤرة مغلقة لتجنيد الناطقين بالفرنسية من المقاتلين، وتوطينهم في معازل خاصة ضمن الجبل، مما أدى بهم إلى عزلة تامة عن المجتمع المحلي، وولَّد حال احتقان بين سكان المنطقة الذين اشتكوا مراراً من السلوكات المتشددة لعناصره، ومن تجاوزات تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي، من بينها مصادرة ممتلكات أو فرض ضرائب محلية تحت مسمى ’دعم الجهاد‘. أما من الناحية الميدانية فيشكل المخيم اليوم بؤرة محتقنة تجمع بين الأبعاد الأمنية والدينية والاجتماعية، مما يجعل التعامل معه معقداً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حوادث متفرقة
في الأثناء، أعلن قائد الأمن الداخلي في إدلب العميد غسان باكير (عين في منصبه خلال مايو/ أيار الماضي) عن تطويق المخيم بالكامل وتثبيت نقاط مراقبة على أطرافه، بعد تلقي شكاوى عن خطف الفتاة على يد مجموعة مسلحة بقيادة أومسين. وأردف "سعت قيادة الأمن الداخلي إلى التفاوض مع المتزعم لتسليم نفسه طوعاً، إلا أنه رفض وتحصن بالمخيم".
ورصد الباحث في العلاقات الدولية محمد حاج عثمان "وجود علاقة بين هذه الأحداث ورفع اسم ’هيئة تحرير الشام‘ التي تزعمها في السابق الرئيس السوري أحمد الشرع على مدى أعوام، وتمكنت من قيادة غرفة عمليات ’ردع العدوان‘ وإسقاط نظام الأسد خلال الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 من قائمة التنظيمات الإرهابية، والتقارب الواسع بين دمشق والاتحاد الأوروبي، واكتساب الحكومة السورية الجديدة صداقات واسعة وصلت إلى القرار النهائي برفع عقوبات قانون قيصر". وأضاف عثمان "دوماً مع اقتراب أي حدث يدفع السوريين إلى الأمام تأتي حوادث فردية أو انتهاكات أو مشكلات تجعل الضجيج الإعلامي واسعاً، ونحن اليوم على أبواب اجتماع مجلس النواب الأميركي لرفع العقوبات، ولا بد من التفكير في أن تحريض المقاتلين الأجانب سيرفع من وتيرة التحديات، فما زال دمجهم بالفرقة 83 غير كافٍ، ولا بد من إعادة ترتيب أوراقهم وحضورهم على الساحة السورية، وبخاصة أنهم السبب المباشر بالانتهاكات التي حدثت في الساحل السوري".
وضج الشارع السوري بأنباء عن اعتقال "أبو دجانة التركستاني" و"أبو إسلام الأوزبكي" منذ شهرين تقريباً، من دون توضيح أسباب توقيفهما أو صدور بيان رسمي يشرح مبررات التطور الجديد بملف أبرز الشخصيات الأجنبية المقاتلة.
في غضون ذلك تربط أوساط متابعة ما يحدث حالياً بانقلاب محتمل يقوده المتشددون والذين لا يقبلون التقارب الحاصل بين دمشق والدول الغربية، إذ تشير المعلومات إلى وقوف جماعات متشددة من الأوزبك إلى جانب "فرقة الغرباء".
واندلعت أخيراً اشتباكات متفرقة بين عناصر من المقاتلين الأوزبك وقوات الأمن العام داخل ريف إدلب الغربي، بعد اعتقال "أبو دجانة" و"أبو إسلام الأوزبكي" مطالبين بالإفراج عنهما.
سيناريوهات محتملة
ويتوقع الكاتب والإعلامي العريان "ثلاثة سيناريوهات لتطور الوضع بحال استمرار الاستعصاء ومحاصرة المخيم، أولها الاحتواء السلمي وهو ما تعمل عليه القوى الأمنية حالياً، عبر إفراغ المخيم من المدنيين وتأمين ممرات إنسانية آمنة لهم واعتقال القيادات المطلوبة دون الدخول في مواجهة مفتوحة، وهذا السيناريو هو الأفضل لتجنب سقوط ضحايا ولمنع تحول القضية إلى صراع أوسع. أما السيناريو الثاني المتمثل بالاستعصاء الطويل في حال استمر عمر ديابي (أومسين) ومجموعته بالرفض، فقد يتحول المخيم إلى بؤرة حصار طويل، شبيه بتجارب ماضية شمال سوريا، حيث يُستخدم المدنيون كورقة ضغط مما سيؤدي إلى أزمة إنسانية خانقة ونقص في الإمدادات، وارتفاع الأصوات المحلية والدولية للمطالبة بإنهاء الطوق، واستمرار الحصار دون حل سياسي أو أمني سريع. في حين أن الانفجار العسكري هو السيناريو الثالث مع خرق خطوط الطوق أو وقوع اشتباك كبير، فقد نشهد تحرك مجموعات نصرة من مناطق مجاورة دعماً للمخيم، مما قد يشعل مواجهة محدودة بين المتشددين والقوات الحكومية، خصوصاً إذا استغلت القضية بخطاب تعبوي حول ’استهداف المجاهدين‘".
ويميل المتحدث ذاته إلى فرضية "الخيار الواقعي أمام السلطات وهو الاستمرار في نهج الحصار الذكي عبر عزل القيادات، وتأمين خروج العائلات وتجنب الانزلاق إلى معركة واسعة"، وأي اندفاع مفرط حسب رأيه "سيخدم فقط دعايات المتشددين ويمنحهم سردية ’الاضطهاد‘، في حين أن معالجة دقيقة تحافظ على المدنيين وتنفذ الاعتقالات النوعية ستوجه رسالة بأن القانون قادر على حماية الناس دون استخدام القوة المفرطة".