"وزراء الخارجية العرب" يطالب تركيا بـ"انسحاب غير مشروط" من سوريا

خفض العلاقات الدبلوماسية ووقف التعاون العسكري ومراجعة العلاقات الاقتصادية مع أنقرة... وقطر والصومال يتحفظان

دَانَ مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الهجوم التركي على الأراضي السورية، باعتباره "خرقاً واضحاً" لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى "الحفاظ على وحدة واستقلال سوريا"، خصوصاً القرار رقم 2254.

واعتبر المجلس، في ختام أعمال اجتماعه الطارئ، اليوم السبت بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية برئاسة العراق، الهجوم التركي "تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللأمن والسلم الدوليين"، مؤكداً أن "كل جهد سوري للتصدي إلى هذا الهجوم والدفاع عن الأراضي السورية هو تطبيق للحق الأصيل لمبدأ الدفاع الشرعي عن النفس" وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

انسحاب فوري غير مشروط
وطالب المجلس تركيا بـ"وقف الهجوم والانسحاب الفوري وغير المشروط من كل الأراضي السورية"، مشدداً على أن الهجوم يمثل "الحلقة الأحدث من التدخلات التركية والاعتداءات المتكررة وغير المقبولة على سيادة دول أعضاء في جامعة الدول العربية".

وقرر النظر في اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الهجوم التركي، بما في ذلك "خفض العلاقات الدبلوماسية، ووقف التعاون العسكري، ومراجعة مستوى العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياحية مع تركيا".

وطالب وزراء الخارجية العرب مجلس الأمن الدولي باتخاذ ما يلزم من تدابير لوقف الهجوم التركي والانسحاب من الأراضي السورية بشكل فوري، وحث كل أعضاء المجتمع الدولي على التحرك في هذا السياق، مع العمل على منع تركيا من الحصول على أي دعم عسكري أو معلوماتي يساعدها في عدوانها على الأراضي السورية.

 

كما رفض المجلس، بشكل قاطع، أي محاولة تركية "لفرض تغييرات ديموغرافية في سوريا" عن طريق استخدام القوة في إطار ما يسمى بـ"المنطقة العازلة"، باعتبار أن ذلك يمثل "خرقاً للقانون الدولي، ويدخل في مصاف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تستوجب الملاحقة والمحاسبة القضائية الدولية لمرتكبيها، ويشكّل تهديداً خطيراً لوحدة سوريا واستقلال أراضيها وتماسك نسيجها الاجتماعي".

وطالب الوزراء العرب المجتمع الدولي باتخاذ "الإجراءات الكفيلة لوقف تلك المحاولات، وفرض التزام تركيا بقواعد القانون الدولي الإنساني طالما استمر عدوانها على سوريا، وتحميل المسؤولية في هذا الصدد لكل من يتورّط في انتهاكات أو جرائم ترتكب خلاله".

وحمَّل تركيا "المسؤولية كاملة عن أي تداعيات لعدوانها على تفشي الإرهاب أو عودة التنظيمات الإرهابية، بما فيها داعش، لممارسة نشاطها في المنطقة".

وكلَّف المجلس الأمين العام لجامعة الدول العربية بإجراء اتصالات مع سكرتير عام الأمم المتحدة، لنقل مضمون قرار مجلس الجامعة وتوزيعه على أعضاء الأمم المتحدة كوثيقة رسمية، والنظر في ترتيب زيارة وفد وزاري عربي مفتوح العضوية إلى مجلس الأمن لمتابعة الأمر، والعمل على وقف العدوان التركي على الأراضي السورية.

كما كُلّفت المجموعة العربية في نيويورك أيضاً ببحث سبل التصدي للعدوان التركي داخل مختلف أجهزة الأمم المتحدة، خصوصاً مجلس الأمن، ورفع توصياتها إلى مجلس جامعة الدول العربية في هذا الشأن في أسرع وقت ممكن.

تحفظ قطري وصومالي
وجدد المجلس تأكيده وحدة واستقلال سوريا والتشديد على أهمية البدء الفوري في المفاوضات السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، خصوصاً في إطار اللجنة الدستورية التي أعلن إنشاءها أخيراً، لتطبيق العناصر الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 2254، والتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة السورية وإنهاء معاناة الشعب السوري.

وقرر الموافقة على إدراج بند "التدخلات التركية في الدول العربية" بنداً دائماً على جدول أعمال مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وتشكيل لجنة لمتابعة الأمر.

وطلب من الأمين العام للجامعة متابعة تنفيذ القرار، وتقديم تقرير إلى المجلس في دورته العادية المقبلة بالتنسيق مع الدول الأعضاء.

مصادر دبلوماسية مشاركة بالاجتماع كشفت لـ"اندبندنت عربية"، عن "تحفظ دولتين على مشروع القرار، هما قطر والصومال". 

غزو وعدوان 
الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط قال "العملية العسكرية التي تقوم بها تركيا ليس لها سوى اسم واحد هو الغزو والعدوان"، موضحاً "غزو لأراض دولة عربية، وعدوان على سيادتها".

وشدد أبو الغيط على أن "الغزو مُدان، ولا يُمكن أن يقبل به عربي يعتز بعروبته، ولا يُمكن أن يُقره العالم أو يتماشى معه، فمهما كانت الذرائع التي يُقدمها الغازي، يظل العدوان عدواناً مرفوضاً ومداناً وخارجاً على الشرعية والقانون الدولي".

وأضاف، "أجندات ومصالح أجنبية تصارعت على الأراضي السورية سنوات على خلفية حرب طاحنة مزَّقت نسيج هذا البلد، فالعدوان التركي كما طُرحت خططه وحُددت أهدافه يرمي إلى اقتطاع مساحة من الأراضي السورية بعمق يصل إلى 32 كيلومتراً، وبطول يتجاوز 400 كيلومتر، ويسعى إلى اقتلاع السكان من هذه الأراضي، ثم إحلال آخرين محلهم من اللاجئين لديه، وإن لم يكن هذا احتلالاً وغزواً، فبماذا يُمكن تسميته؟".

 

وتابع أبو الغيط، "شهدت الساعات الأولى للغزو فرار عشرات الآلاف من منازلهم، وقد تصل أعدادهم مع استمرار العمليات، ووفقاً لبعض التقديرات إلى أكثر من 300 ألف، وهناك مخاوف حقيقية من تطهير عرقي محتمل للأكراد في هذه المنطقة، أما عن خطط التغيير الديموغرافي بتسكين الملايين، كما أعلن الجانب التركي، محل من سيتم طردهم، فهو عارٌ أخلاقي وإنساني، فضلاً عن كونه منافياً للقانون الدولي الذي ينص على العودة الطوعية الآمنة والكريمة للاجئين. إن ما سمعناه في الأيام الأخيرة من استخدام اللاجئين كورقة مقايضة في مواجهة الجانب الأوروبي يعكس انحداراً جديداً غير مسبوق، والضغط على العالم بالتلويح بمصير اللاجئين ليس من الأخلاق، وليس من الإنسانية، ولا من الإسلام".

وشدد الأمين العام على أن "الأكراد يظلون جزءاً من نسيج الدولة والمجتمع السوري، بل ونُشيد بما تحمّلوه من تكلفة -بالدم والعرق- من أجل إزاحة كابوس (داعش) من مناطق شرق سوريا. ولا يُمكن أن نُقر أبداً أن يتعرضوا للإبادة أو التطهير العرقي، أو أن يهجّروا من بيوتهم، التي جاءها الكثير منهم نازحاً من مواطن أخرى هاجمتها تركيا في وقت سابق".

وقال أبو الغيط "من الواضح لدينا جميعاً أن هذا العدوان التركي سوف يُفضي إلى أزمات جديدة ولاجئين ونازحين جدد، وعذابات إنسانية بلا حصر، وربما كان الأثر الأخطر متعلقاً بتهديد الإنجازات التي تحققت في الحرب على داعش، هناك 12 ألف عنصر إرهابي محتجزون في 7 سجون، ينتمون إلى داعش في المناطق التي تسعى تركيا إلى احتلالها، من بين هؤلاء 4 آلاف من الأجانب. وندعو المجتمع الدولي إلى تحمُّل مسؤولياته حيال هذا التهديد لأمن العالم".

محمد على الحكيم وزير خارجية العراق ورئيس مجلس الجامعة، قال "التوغل العسكري التركي الذي تتعرض له سوريا، يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها، ويهدد بإشعال المزيد من الصراعات في سوريا والمنطقة، ويقوّض جهود المجتمع الدولي في إيجاد حل سياسي ينهي معاناة الشعب السوري وإيقاف نزيف الدم".

تصعيد خطير 
وأضاف، "التوغل التركي في شمال سوريا يُعد تصعيداً خطيراً سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، ويزيد من معاناة الشعب السوري، ويعزز قدرة الإرهابيين على إعادة تنظيم فلولهم، ويقوّض جهود المجتمع الدولي في محاربة التنظيمات الإرهابية، خصوصاً تنظيم داعش الإرهابي الذي يهدد دول المنطقة والعالم، ويشكّل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، كما لها تداعيات سلبية كبيرة على دول المنطقة، خصوصاً العراق، الذي ما زال يعاني الآثار المدمرة جراء الحرب على تنظيم داعش الإرهابي".

ودعا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته بشأن التوغل التركي، من خلال التحرُّك السريع لوقف الأعمال العسكرية، وإيجاد حل سياسي يُنهي معاناة السوريين بجميع مكوناتهم وضمان حقوقهم.

اعتداء على القانون الدولي
من جانبه قال وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء السعودي عادل بن أحمد الجبير، "العمليات العسكرية التركية تشكّل اعتداءً على قواعد القانون الدولي والإنساني".

وجدد "الجبير" في كلمته إدانة السعودية هذا العدوان الذي "يعد تعدياً سافراً على وحدة واستقلال وسيادة الأراضي السورية"، داعياً المجتمع الدولي إلى "الاضطلاع بمسؤولياته نحو مضاعفة الجهود الهادفة إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية في شمال شرق سوريا، بوصفها تمثل انتهاكاً لسيادة سوريا وتهديداً للأمن والسلم الإقليمي".

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية، "بغض النظر عن الذرائع التي تسوقها تركيا، فإن خطورة هذا العدوان تنعكس سلباً على أمن المنطقة واستقرارها، ومن شأنه تقويض الجهود الدولية القائمة في مكافحة إرهاب تنظيم داعش في تلك المناطق، علاوة على ما يشكله هذا الاعتداء من خطورة على تعميق المآسي الإنسانية للشعب السوري".

 

وشدد على وقوف السعودية إلى جانب الشعب السوري الشقيق، وعلى موقفها الداعي إلى الحفاظ على استقلال وسيادة سوريا، في ظل وحدتها الوطنية وسلامتها الإقليمية، منوّهاً إلى دعم السعودية "الحل السياسي للأزمة السورية"، استناداً إلى إعلان جنيف (1)، وقرار مجلس الأمن رقم (2254)، مع ضرورة تهيئة الأجواء للحل السياسي بما في ذلك "خروج كل الميليشيات المسلحة الأجنبية من سوريا".

وبيّن وزير الدولة للشؤون الخارجية في كلمته "أنه في سياق دعم الحل السياسي للأزمة السورية، رحبت السعودية بإنشاء اللجنة الدستورية في سوريا، وستستمر في دعمها لكل الجهود السياسية الأممية الرامية إلى حل الأزمة السورية سلمياً وفقاً للمبادئ والقرارات المتفق عليها".

وزير الخارجية المصري سامح شكري قال "المنطقة تشهد فصلاً جديداً من فصول عدوان تركيا على سوريا التي تسعى إلى تنفيذ سياسات تنتمي إلى عهد ولّى بلا رجعة، وتحاول الخروج من أزمتها الداخلية عبر العدوان على سوريا".

وأضاف "العدوان التركي على الأراضي السورية يحاول التخفي وراء ستار محاربة الإرهاب، وفي ذلك ما يثير السخرية والاستغراب في ظل الدلائل القاطعة التي تشير إلى مسؤولية تركيا وقيادتها عن دعم المنظمات الإرهابية في المنطقة واحتضانها كيانات وشخصيات ثبت صلتها بالإرهاب وتسهيلها لانتقال مختلف الإرهابيين في أنحاء المنطقة العربية".

وتابع، "من ثمّ فإن الادعاءات التركية التي تحاول تبرير هذا العدوان السافر على سوريا بوصفه موجهاً ضد الإرهاب لا تؤكد أي شيء إلا تهافت منطق النظام التركي الذي يحاول خلط الأوراق ويريد التعمية على احتضانه الإرهاب ورعايته المنظمات الإرهابية ضد دول المنطقة وشعوبها".

تغييرات ديموغرافية 
وأضاف "النظام التركي يحاول الخروج من أزمته الراهنة بالاندفاع في سياسته العدوانية ومحاولة اقتطاع نفوذ في سوريا وإجراء تغييرات ديموغرافية في سوريا، الأمر الذي يرتقي إلى الحرب والجرائم ضد الإنسانية".

وتابع، "ليس خافياً على أحد تبعات هذا العدوان الذي يمكن أن يسفر عنها سواء لجهة تقطيع أواصر الوطن السوري وزيادة الاحتقان الاجتماعي أو محاولة افتعال صدام بين مختلف مكونات الشعب السوري من خلال التغييرات السكانية والديموغرافية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحذّر من أن تبعات هذا العدوان تبديد نتائج الانتصارات على تنظيم داعش الإرهابي بأثمان غالية، وفتح الباب أمامه وسائر التنظيمات الإرهابية الأخرى للعودة والسيطرة على المناطق التي فقدتها.

وقال "تركيا تتحمل المسؤولية كاملة عن أي تداعيات لعدوانها، وبالتالي تفشي الإرهاب مجدداً، وعودة تلك التنظيمات الإرهابية لممارسة أنشطتها في الشرق الأوسط على اتساعه، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤولياته في مواجهة هذا الدعم السافر للإرهاب، وهذا الاستخفاف الفاضح بكل مبادئ القانون الدولي".

وأضاف "يتعين أن نسمي الأشياء بمسمياتها، فما يقوم به النظام التركي هو عدوان ينتهك كل القرارات والمواثيق الدولية، ومن حق جميع السوريين مقاومة هذا العدوان إعمالاً لحق الدفاع الشرعي عن النفس الذي نصّت عليه  ميثاق الأمم المتحدة".

ودعا المجتمع الدولي إلى تحمُّل مسؤولياته واتخاد الإجراءات اللازمة لوقف العدوان التركي والانسحاب الفوري غير المشروط من الأراضي السورية ومحاسبة كل من يتورط من عناصر هذا النظام في جرائم الحرب والتهجير التي تمارس في أراضي سوريا الشقيقة.

المزيد من العالم العربي