Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضياء العزاوي من ملحمية العنف البشري إلى تراجيديا الأنقاض

مراث وسرديات توثق ذاكرة الضحايا وخرائب المدن في معرضه البيروتي  "شهود الزور"

من معرض ضياء العزاوي: جدارية أرضية ضخمة عن الخراب وجداريات معلقة (خدمة املعرض)

ملخص

من أرض الرافدين إلى أبعد حدود الغربة، يقف الفنان ضياء العزاوي (مواليد بغداد عام 1939) شاهداً على عتبة الأزمنة، أزمنة الشر السائل والوحشية والقتل والمجازر والعنف، من خلال معرض ضخم يقام لأعماله الفنية المنجزة ما بين عامي 2019- 2025، في غاليري صالح بركات (كليمنصو - شارع جوستينيان - حتى آخر أكتوبر / تشرين الأول).

يوثق ضياء العزاوي شهادات الضحايا والأحداث الدموية الراهنة، ويقاوم بالفن المحو الحضاري للذاكرة والأمكنة والتراث الإنساني، يجول بين المدن والملاحم والأساطير، ويقلب بين يديه صفحات الأحلام الملونة بشموس ماضية وبصمات انتماء لا تمحى. وبيروت تحتفي بقدوم ضياء العزاوي، من خلال  هذا المعرض الضخم لأعماله الفنية المنجزة ما بين عامي 2019 و2025، بالتوازي مع إطلالته المميزة في "مجموعة فناني دلول" (DAC) من خلال المنسوجة الجدارية الكبيرة التي تجسد "مجازر صبرا وشاتيلا" ضمن المعرض الجماعي المقام تحت عنوان "شواهد النار".

ثيراً ما شعر العزاوي بعلاقة عميقة بلبنان، منذ أن أقام معرضه الفردي الأول خارج العراق في غاليري وان - بيروت عام 1966، وهو لم ينقطع منذ ذلك الحين عن التردد إليه والارتباط بقضاياه والتواصل مع أصدقائه الكثر، حتى أن عدداً من الأعمال الجدارية التي أنجزها عام 2017، نفذها في مرسمه المشترك مع الفنان العراقي محمود عبيدي، ضمن مجمع "متحف نابو"، الهري شمال لبنان.

الضخامة المشهدية هي الصفة الملازمة لأعمال العزاوي (المقيم منذ عام 1976 في لندن)، كأنها للدلالة ليس على مفاهيم جمالية معاصرة فحسب، بل لكي تعبر عن الصفة الملحمية في تصوير اتساع رقعة الخراب والعنف ومشهديات القتل والتدمير، التي يضيق بها الأفق، ويعجز عنها الوصف، لأنها أقرب إلى التخييل الرمزي في غرائبيته. وقد أتخذت غالبية الأعمال المعروضة، شكل لوحات جدارية مؤلفة  من ثلاثيات تبحث، في سردياتها وطواطمها ورؤاها ومراثيها المأتمية، عن إحياء ذكرى القتلى والثائرين والحالمين بالحرية على أرض الصراعات، حيث يسقط الشهداء بمئات، كأرقام يجري تدوالها بوصفها معلومات إحصائية مجردة من الإنسانية. في زمن الطغيان وضياع الأرض والهيمنة والاستسلام، لا يملك العزاوي سوى الفن أداة لمقاومة النسيان، بروح شاعر متألم يقول "أنا الصرخة، أي حنجرة تعزفني"، القول الذي جعله عنواناً لمعرضه الاستعادي الذي احتضنه "المتحف العربي للفن الحديث" و"غاليري متاحف قطر - الرواق" في الدوحة (قطر)، عام 2017.

عرض بصري بطابع احتفالي

ضياء العزاوي الذي كثيراً ما غمس خبزه بماء الشعر، وراح يستلهمه، ومن نوافذه ينظر إلى عراقه المفجوع، تطارده روح المتمردين الكبار، اختار من قصيدة "ألم يكن ممكناً؟" للشاعر العراقي يوسف الصايغ قوله :"أنا لا أنظر من ثقب الباب إلى وطني / لكني أنظر من قلب مثقوب /... وطني لم يشهد زوراً يوماً / لكن شهدوا بالزور عليه". من هذا القول استمد العزاوي عنوان معرضه الحالي "شهود الزور"، الذي ضم عملاً تجهيزياً كبيراً ومجموعة من اللوحات والمنسوجات الجدارية والمنحوتات والرسوم الورقية. يركز القسم الرئيس من الأعمال على ثورة تشرين (2019 - 2020) التي تقاطعت ما بين العراق وبيروت، ومن ثم تدمير الموصل (2014 - 2017) وحلب (2012 - 2016)، وعلى الانقسامات الطائفية التي أعادت تشكيل بغداد بعد عام 2003. إلى جانب هذه الأعمال، يقدم الفنان رسومات فحمية من سلسلة «ليلة الإبادة» (2023)، أنجزها مع بداية الإبادة الجماعية في غزة، وكذلك دفتر فني جديد بعنوان «غزة: الألم الذي فتح عيني ابنتي» (2025) وتمثال "حنظلة" تكريماً لصديقه الراحل رسام الكاريكاتور ناجي العلي. من خلال هذه الإضافات، يدرج العزاوي النضال الفلسطيني ضمن سردية أوسع للعنف والمقاومة والفقد.  

في شهاداته على العصر يذهب ضياء العزاوي إلى أبعد التحديات في تمثيل مجريات الواقع العربي ومراراته، بأسلوبه الخاص في العرض البصري، الذي يأخذ طابعاً احتفالياً ومأسوياً في آن واحد، إذ يدمج فيه ثقافته الواسعة ومخزونه الجمالي المتجذر في حضارة الرافدين، لا سيما الفنون الأشورية بحكم دراسته الطويلة لفنون لآثار، وماضيه الفني المتشابك الخيوط مع تجريد مدرسة باريس، وطريقته في توليف لغة الأشكال ضمن سردية تعبر عن الحدث الآني بارتجالية فواره. هذا الارتجال يبدو أساسياً في اندفاعات الأشكال بخطوطها الأولية، كرسوم لا تلبث أن تجد طريقها لاحقاً على خامات ومحامل متنوعة. وهو فنان شمولي متعدد الوسائط وصاحب قضية ومبادئ في تعريف قيمة الفن، على أنه "مقاومة للموت بالنحت في الذاكرة" كما يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وتجربة العزاوي تضع فنه في موقع مقاومة الخراب لا مجرد تصويره، وكأن لوحاته ومنحوتاته تحاول انتشال الضحايا من النسيان وإعادتهم للوجود الرمزي عبر الفن.

وردة أكتوبر

تبدو كل لوحة لديه كأنها ملخص رمزي للفكرة التي يكونها الفنان عن العالم، وهذه الفكرة تبتكر طرائقها في التعبير اللوني والخطوطي. نلمح في "جنة المنسيين"، وهي القطعة المركزية الضخمة في المعرض، مشهداً تأبينياً جماعياً، مرسوماً بالأسود - كخيال الظل - على خلفية حمراء بلون الدم، يعبر عن شهداء الانتفاضة من المتظاهرين العراقيين الشباب الذين نظموا احتجاجات سلمية ضد القوى الحاكمة، لكنهم قوبلوا بالعنف والاضطهاد. يتوسط اللوحة تمثال من راتنج البوليستر بالحجم الطبيعي، يمثل رمزياً أحد المتظاهرين الذين اغتيلوا، وهم في عمرالمراهقة، يقف في نقطة محورية، ويداه ممدودتان نحو من حوله، كأنه يرحب بزملائه شهداء الانتفاضة وعائلاتهم في الجنة. فيما يقبع 12 طائراً خزفياً أبيض عند قدميه. تبدو الشخصيات مبهمة بلا وجوه يلفها الظلام، غير أن الفنان دون أسماء جميع المتظاهرين المتوفين البالغ عددهم 704، على ظهر اللوحة كي تبقى ذكراهم حاضرة في وجه النسيان.

ينعكس أسلوب ضياء العزاوي في النحت البارز من خلال ثلاثة منحوتات موزعة في أنحاء المعرض، تشكل جزءاً من سلسلة مخصصة لهؤلاء الشهداء أنفسهم. سلسلة "وردة أكتوبر" تتكون من قطعتين فضيتين وواحدة ذهبية (ستنلس ستيل)، صممت تخليداً لذكرى الموتى الأبرياء الذين تصعد أرواحهم لتتفتح وروداً في عالم السماء. ولا يمنع لمعان الذهب والفضة من معاينة أخاديد الوردة التي تأخذ طابعاً تكعيبياً في تجسيم السطوح بتقاطعاتها النافرة والغائرة. ويعد عمل "شهود الزور" (2019) انعكاساً آخر لواقع ما بعد الحرب في العراق، إذ تظهر بخطوط غرافيكية شخصيات مجهولة الهوية تشهد على الدمار الواسع النطاق بعد انسحاب قوات الاحتلال ومغادرتهم البلاد، وهي فترة يعتبرها العزاوي أكثر تدميراً من الغزو نفسه. ويقابل تلك الجماعة "المصلوب" كرمز للعذاب بل كتمثال تذكاري مطعون بالحراب التي تمزق جسده، مثل "اللبوة الجريحة" في تاريخ الرافدين، التي أضحت رمزاً معاصراً للعراق السليب.

ويتأمل العزاوي في الخرائط التي أعدتها جامعة كولومبيا لبغداد قبل وبعد عام 2003، إذ كانت مدينة بأحياء مختلطة ثم أصبحت منقسمة بحدة على أسس طائفية. على هذا الأساس رسم عملين يجسدان النسيج اللوني المتعدد لبغداد، بين التلاحم والانقسام. وفيهما تستعيد ألوان العزاوي إشراقاتها وتناقضاتها الحارة والقوية، وهي ما برحت تذكر بالرحلة الطويلة للفنان في التعبير الكتلوي والتسطيح اللوني، حيث "العالم المستعاد يوجد في أقصى العالم المفقود، كما أن الواقع يوجد في أقصى التجريد"، على حد تعبير الفنان جان بازين.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

متى يحضر اللون ومتى يغيب لتحل محله حلكة الليل؟ في "أمنيات خفية" (2019)، وهي لوحة جدارية رسمت بعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع انتفاضة أكتوبر في العراق. تجسد هذه القطعة نقداً سياسياً للدولة العراقية وللمرتزقة الذين استؤجروا لقتل شعبهم، وهم يختبئون خلف واجهة الوحدة الوطنية والطائفية متظاهرين بالبراءة. بعيداً من السردية التي تمثلها ثيمة اللوحة، يسيطر مظهر التفكيك والتجميع العضوي. يسيطران على المشهد الذي تختلط فيه الوجوه والقامات والسواعد، في حالة من الاكتظاظ والفوضى والتداخل والتناثر، لكأنها حالة هلع مع اندلاع المواجهات وإطلاق الرصاص.

مشهد كابوسي لخرائب الموصل وحلب

يغيب اللون أيضاً عن إحدى الجداريات الضخمة التي تمثل بانوراما الدمار في الموصل، التي بدأت برسوم حبرية (2017) قبل إنشائها على النسيج كنسخة مطابقة للأصل (2022)، تعد هذه اللوحة جزءاً من مراثي العراق ضمن سلسلة "أرض الظلام" التي بدأت عام 1991 وما زالت مستمرة حتى الآن. وفيها تحل الخيوط محل الخطوط في الرسم، لتنسج ذاكرة منسية، من العنف والقتل والانقسام الطائفي، كأنها ملحمة إنسانية طاحنة تزخر بمشاهد مزدحمة بالتفاصيل واللقطات الحية لرايات وجثث ودراجات أطفال ورؤوس متدحرجة، ورموز باطنة تربط بين الإرهاب والقتل والمال.

يسلط العزاوي الضوء على الدمار المستمر من الموصل إلى حلب في عمل نحتي ضخم  (8 × 6 م)، أنشأه بالطين في محترف "أنكي" في عمان - الأردن، قبل تنفيذه النهائي بمادة البوليستر. يعكس العمل مشهدية الأنقاض واتساع رقعتها التي شملت بالأسى مدينتين من أجمل المدن العربية وأغناها بالمعالم الأثرية. إنها مشهدية كابوسية، في صمتها وغياب ألوانها، كمرثية تكتب نهاية التاريخ.

يدعونا العزاوي إلى التأمل في القوة الخفية والمرعبة الكامنة في الركام والأنقاض، التي بلغت ذروتها الصادمة في مشاهد دمار غزة. فالتصميم البانورامي يذكر بالنسيج المعماري لخرائب المدن التاريخية القديمة العائدة لأزمنة سحيقة. والنظرة من الأعلى تظهر موقعاً قاحلاً وموحشاً: لا بيوت ولا أسواق ولا نخيل ولا أعياد أطفال، بل بقايا أضرحة وقباب وكنائس ومساجد مهدمة. كل شيء يهمس بأن شبح الموت مر من هنا، وتلك المدن العامرة في الماضي صارت مجرد ذكرى وأطلال لأمجاد فانية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة