Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العلاقات الأميركية - السورية: مد وجزر وتشابك مصالح جيوسياسية

يوم رحل الأسد الأب وُصف بأنه الرئيس الذي لم تطأ قدماه أرض الولايات المتحدة

الشرع سيزور الولايات المتحدة ليلقي كلمة سوريا أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة (أ ف ب)

ملخص

في عام 1964 تقلد ليونيد بريجنيف زعامة الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي وبقي في المنصب حتى عام 1984، وكان حليفاً وشريكاً موثوقاً لحافظ الأسد في مرحلة كانت تمر فيها سوريا بأسوأ ظروفها الميدانية والسياسية والعسكرية والصراع مع "الإخوان المسلمين"، وظل الأسد متمسكاً بهذا التحالف القوي الذي كان يؤمن له حاجاته الدولية والعسكرية والمالية أحياناً في نزعة واضحة نحو المعسكر الشرقي.

من المتوقع أن يزور رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر (أيلول) الجاري ليلقي كلمة سوريا أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وبذلك يكون الرئيس السوري الأول الذي يلقي كلمة في أميركا عموماً، وأمام هذا المحفل خصوصاً منذ نحو 60 عاماً، بعدما كانت آخر كلمة للرئاسة السورية هناك عام 1967 على لسان رئيس سوريا في حينها نور الدين الأتاسي، وهو الرئيس الائتلافي الذي جاء به تيار صلاح جديد، حافظ الأسد واللجنة العسكرية البعثية عقب الانقلاب الدموي على الرئيس الذي سبقه أمين الحافظ، في ما عرف بت "حركة فبراير (شباط)" عام 1966.

الأتاسي نفسه لم يستمر في حكم سوريا طويلاً، فما إن استتبت الأمور للأسد حتى أعاد الكرة وأطاح من بقي من رفاق درب نضاله ومشروعه السياسي، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الأتاسي والقائد الفذ الجنرال صلاح جديد مدير مكتب شؤون الضباط والأمين القطري لحزب البعث، مودعاً إياهما سجن المزة العسكري في ما عرف بـ"الحركة التصحيحية" في الـ16 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970، ليجيء بعدها الأسد بشخص يدعى أحمد حسن الخطيب مولياً إياه مهمة الرئاسة من دون خلفية عسكرية أو سياسية لمدة ثلاثة أشهر قبل أن يجري استفتاءً لا منافسين فيه، ويفوز به الأسد بنسبة تخطت 99 في المئة عام 1971.

 

الرئيس الذي لم يزُر أميركا

يوم رحل الأسد الأب في يونيو (حزيران) عام 2000 وُصف بأنه الرئيس الذي رحل بعد 30 سنة في الحكم ولم تطأ قدماه أرض أميركا التي حج منها إلى دمشق كبار الرؤساء والمسؤولين لحل القضايا الإشكالية العالقة. وعلى نهج حافظ سار بشار (الرئيس المخلوع بشار الأسد)، ولم تطأ قدماه أرض أميركا.

الأسد الأب صاحب ثورة مارس (آذار) الانقلابية عام 1963 و"التصحيح" عام 1970، كان يحاول، على الدوام، الاستلهام من مثله السياسي في حياته المبكرة فلاديمير لينين (أول رئيس لحكومة روسيا السوفياتية) في ثورته البلشفية عام 1917، وأن يقطف منها ثمار الماركسية، وقد يكون نجح أحياناً، وكذلك حاول أن يكون للعرب خليفة للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، ومثالاً مناظراً لإرنستو تشي غيفارا (الثوري الماركسي الأرجنتيني) وفيديل كاسترو (رئيس كوبا الراحل) وهوغو شافيز (رئيس فنزويلا الراحل)، لكنه فشل أيضاً، وأسباب الفشل هنا كثيرة ولا حصر لها، وحتى حين حاول أن يستلهم عقداً اجتماعياً محمولاً من أفكار جاك جان روسو (فيلسوف فرنسي) والنابليونية الثورية، فبدلاً من تحطيم أسوار "الباستيل" (حصن فرنسي أصبح رمزاً للطغيان خلال الثورة الفرنسية) شرع ببناء أسوار سجن صيدنايا.

ولأجل كل ذلك كان يسعى إلى أن يموت ويقال إن قدميه لم تطأ أرض أميركا، بينما كان من قصره على سفح جبل قاسيون يدير خيوط اللعبة في المنطقة، وتلك كانت حقيقة ناصعة البياض، خلاف ولده بشار الذي لم يكن من الأساس معداً ليكون رئيساً لولا وفاة أخيه الأكبر باسل بحادثة سيارة مفاجئة على طريق مطار دمشق الدولي عام 1994.

 

الخطاب الأخير

اطلعت "اندبندنت عربية" على تسجيل نادر لآخر ظهور لرئيس سوري في الأمم المتحدة، وهو الأتاسي، وكان ذلك في أعقاب هزيمة يونيو عام 1967، وقد قال في كلمته المقتضبة، "هناك غزو إسرائيلي استعماري لأجزاء جديدة من وطننا العربي، ولإدانة هذا العدوان، وإزالة آثاره كاملة من دون قيد أو شرط، إننا هنا لنعبر عن ثقتنا بالضمير العالمي، الذي يتمثل اليوم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كل الشعوب العربية والمحبة للسلام تتطلع إلى هذا الاجتماع". ووصف سياسيون وسفراء لاحقون كلمته بأنها كتبت بالحبر البعثي ذاته الذي سيطر على البلاد عقوداً.

السوفيات

في عام 1964 تقلد ليونيد بريجنيف زعامة الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي، وبقي في المنصب حتى عام 1984، وكان حليفاً وشريكاً موثوقاً لحافظ الأسد في مرحلة كانت تمر فيها سوريا بأسوأ ظروفها الميدانية والسياسية والعسكرية والصراع مع "الإخوان المسلمين"، وظل الأسد متمسكاً بهذا التحالف القوي الذي كان يؤمن له حاجاته الدولية والعسكرية والمالية أحياناً في نزعة واضحة نحو المعسكر الشرقي، وكان يمكن الاستدلال على قوة العلاقة بين الطرفين من كمية الزيارات المتبادلة، فضلاً عن دعم بريجنيف قوى التحرر الوطني، وضمناً سوريا التي دعمها اقتصادياً وطور بناها التحتية بصورة أو بأخرى، وصولاً إلى مبادرة القائد الروسي لتسوية النزاع العربي - الإسرائيلي وفق دعم حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره.

استمرت هذه الصورة من التعاون الوثيق حتى وصل ميخائيل غورباتشوف إلى الحكم في الاتحاد السوفياتي، وهي الفترة التي شهدت انهياره لعوامل عدة منها مشاريع الإصلاح الداخلية والخارجية، والتي أدت لخفض مستوى التعاون لأدنى الحدود مع الحليفة سوريا ونظام حافظ الأسد ضمن ما عُرف بسياسة "الغلاسنوست" (الانفتاح) و"البيريسترويكا" (إعادة الهيكلة)، وتلك السياستان أدتا لانهيار الاتحاد السوفياتي، بالتالي إلحاق ضرر جسيم بمشروع سوريا الاستراتيجي شرقاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرحلة التعقيد

منذ وصول حافظ الأسد إلى حكم سوريا بصورة مباشرة عام 1971 دخلت العلاقات السورية - الأميركية مرحلة من التشابك والتعقيد وثنائية المعايير، وكثيراً ما اصطدمت مصالح البلدين في ملفات حساسة كثيرة على رأسها قضايا صراع الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، والصراع العربي - الإسرائيلي، والحرب الأهلية اللبنانية، والثورة الإيرانية، وحرب الخليج الأولى والثانية، وملف "الإخوان المسلمين"، وأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، والوجود السوري في لبنان، وغزو العراق، والثورة السورية عام 2011.

في عام 1974 قام الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون وزوجته بات ووزير خارجيته هنري كيسنجر بزيارة إلى دمشق بعد قطيعة دامت منذ حرب عام 1967. كان الهدف من تلك الزيارة محاولة إعادة إحياء العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وكادت الأمور أن تسير على ما يرام لولا أن عادت الولايات المتحدة لتفرض عقوبات عام 1979 على سوريا بوصفها دولة داعمة للإرهاب، مما أفضى لمنع بيع الأسلحة والمعدات التقنية المتقدمة لنظام دمشق مع قيود مالية وتجارية.

بعد ذلك وقفت سوريا مع إيران في حربها ضد العراق بخلاف رغبة الأميركيين في الثمانينيات، لكنها حاولت إصلاح موقفها بالوقوف مع الكويت ضد الغزو العراقي في التسعينيات بناءً على رغبة أميركية، لكن ذلك لم يغير شيئاً من الموقف الغربي على رغم مشاركة سوريا برياً في التحالف الدولي منذ عام 1991 في مواجهة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ظلت الأمور كذلك حتى عام 1993 مع وصول بيل كلينتون إلى رئاسة أميركا حتى عام 2001، حيث حاول خلالها دفع عجلة السلام مع الإسرائيليين، ونجح حيناً فيما فشل أحياناً أخرى بسبب تعنت حافظ الأسد على ما تذكره وثائق ترتبط بتلك المرحلة.

وبعد تفجيرات برجي التجارة العالميين في نيويورك عام 2001 فقد تغيرت السياسة الأميركية تماماً في الشرق الأوسط، وعلى رغم محاولة بشار الأسد التواصل استخبارياً مع أميركا، فإن ذلك لم يشفع له على رغم دور أميركا في توريثه الحكم إثر اجتماعه المطول والمغلق مع مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية عقب وفاة والده مباشرة عام 2000.

في مرحلة تداعيات التفجيرات العالمية كان جورج دبليو بوش وصل إلى الحكم في أميركا، وقد اعتبر بشار الأسد ركيزة في "محور الشر" المتطرف، وطوال فترة حكمه التي امتدت، ثماني سنوات، عمل على محاصرة وعزل سوريا عن محيطها تماماً، وكانت ذروة الصدام عشية غزو العراق عام 2003، حيث أمن الأسد معبراً آمناً للإرهابيين من سوريا إلى العراق. وعلى أثر ذلك تلقت سوريا حزمة عقوبات جديدة، وتلت تلك الخطوة عقوبات تتعلق بالوجود السوري في لبنان، ومن ثم اتهام سوريا باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري في فبراير عام 2005.

ومع وصول باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة جرب فتح صفحة جديدة مع سوريا، فأرسل عام 2010 الدبلوماسي المخضرم روبرت فورد ليكون سفيراً لدى سوريا، لكن سرعان ما اندلعت الثورة السورية أواسط مارس 2011، وأدى تعامل قوات النظام المخلوع مع المتظاهرين السلميين لسيل من العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية وغيرها. وطاولت تلك العقوبات روسيا وإيران وكل دولة أو كيان أو مؤسسة أو فرد يتعامل مع الحكومة السورية آنذاك برئاسة الأسد، واستمرت الحال على ما هي عليه حتى وصلت محصلة ما تلقته سوريا أكثر من 2500 عقوبة دولية، إلى أن تمكن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من التدخل، بثقله ووزنه الدولي والإقليمي، لإصلاح ذات البين بين دمشق وواشنطن بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، والرئيس أحمد الشرع إلى الحكم في سوريا مطيحاً نظام الأسد أواخر العام الماضي، بل وعقد لقاء مباشر بينهما في السعودية خلال الشهر الماضي.

عصر جديد

لقاء وُصف بالتاريخي في السعودية بين الرئيسين السوري والأميركي وفي حضور ولي العهد السعودي، والمحطة التالية ستكون في توجه الشرع إلى الأمم المتحدة للإلقاء كلمة تتعلق بالأوضاع المستجدة في سوريا، وأتت هذه التطورات في وقت عين فيه ترمب توم براك سفيره الموثوق والمقرب منه لدى تركيا مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، وفي الوقت نفسه كشف المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية مايكل ميتشل عن رغبة واشنطن في "بدء عصر جديد" في العلاقة مع سوريا، لا سيما بعد اللقاء الذي جمع الشرع بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا في دمشق أخيراً.

وفي تصريحات صحافية قال ميتشل إن "الحدث كان تاريخياً بالفعل، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ينفذ تعهدات الرئيس الأميركي بوتيرة لافتة جداً، وهذه إشارة واضحة من البيت الأبيض إلى أن الإدارة الأميركية تريد أن تبدأ عصراً جديداً في العلاقات مع سوريا بناءً على الشراكة والتعاون الثنائي". وأضاف أن الرئيس ترمب "أدرك أن سوريا كانت تعاني عقوبات اقتصادية لا فائدة منها بعد سقوط بشار الأسد، والشعب السوري كان يفتقر للاستثمارات الضرورية بسبب هذه العقوبات"، مبيناً أن "هذا العصر الجديد سيفتح باب الاستثمارات ويحسن الأمور الاقتصادية، وهذا بدوره سيفيد شعب سوريا والمنطقة ككل".

من جانبه قال براك إن سياسة الولايات المتحدة الحالية تجاه سوريا "لن تشبه السياسات خلال الأعوام الـ100 الماضية، لأن تلك السياسات لم تنجح"، مؤكداً أن بلاده تتجه نحو سياسات مختلفة عما كان متبعاً في العقود الماضية.

المزيد من تحلیل