Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زوبعة "الرئيس البديل" وأثر مناف طلاس

يرى مراقبون أن الجنرال السابق وابن وزير دفاع حافظ الأسد أراد من وراء ظهوره في باريس تثبيت وجوده لكنه ركز على الأقليات ولم يخاطب الغالبية

على عكس توقعات الفريق الموالي للعهد الجديد في سوريا، مد مناف طلاس يده إلى الرئيس السوري أحمد الشرع (الجهة المنظمة للمؤتمر/ اندبندنت عربية)

ملخص

يرى مراقبون للشأن السوري أن بروز مناف طلاس بعد كل هذا الصمت يحمل رسائل متعددة، أبرزها القول "أنا هنا" وتأكيد حضوره في حال حدوث أية عملية تفاوض أو تشكيل جسم سياسي جديد في البلاد، بخاصة مع ما يدور من كلام حول اجتماع معارضين لحكومة الشرع في جسم سياسي معارض، مبررين ذلك باستئثاره بالسلطة.

بعد غياب سنوات طويلة عن الظهور الإعلامي، أطل مناف طلاس أخيراً في محاضرة نظمها معهد العلوم السياسية "سيانس بو" في العاصمة الفرنسية باريس، كشف بها الجنرال السوري المنشق عن نظام الأسد منذ عام 2012 عقب اندلاع الثورة السورية عن مواقفه تجاه السلطات الجديدة، وهيمنة اللون الواحد على إدارة البلاد، وعن أي طموح سياسي مستقبلي له.

مد يد العون

وعلى عكس توقعات الفريق الموالي للعهد الجديد في سوريا "المتوجسة من إطلالته"، فإن مناف (ابن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس) مد يده إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، بل بث تطمينات عن أمله بنجاح السلطات باستيعاب جميع السوريين، وتحقيق المشاركة الحقيقية في السلطة، ولم يخف استعداده للتعاون مع الشرع في وقت لا يوجد حتى الآن أي تواصل بينه وبين الحكومة.
وتبددت مخاوف دمشق في أعقاب محاضرة طلاس، وما خرج عنها من حديث مريح وسط حضور دبلوماسي غربي مهتم بالشأن السوري، في وقت يراهن بعضهم على حصول طلاس على دعم دولي في ظل المخاوف من التيار الديني المتشدد، وما يشكله من اختيار توافقي حول شخصية منشودة، لا سيما بعد الأحداث الدامية التي جرت خلال الأشهر الماضية في أعقاب سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي بين قوات الحكومة وأبناء الطائفة العلوية في الساحل، وبينهم وبين الطائفة الدرزية في السويداء، إضافة إلى فشل الاتفاق مع المكون الكردي في شمال شرقي سوريا. وهذا ما دفع السلطات الفرنسية إلى رفض طلب رسمي قدمته الخارجية السورية لإلغاء المحاضرة في كلية العلوم السياسية في باريس.


رسائل قوة وتذكير

في غضون ذلك، يرى مراقبون أن بروز طلاس بعد كل هذا الصمت يحمل رسائل متعددة، أبرزها القول "أنا هنا" وتأكيد حضوره في حال حدوث أية عملية تفاوض أو تشكيل جسم سياسي جديد في البلاد، بخاصة مع ما يدور من كلام حول اجتماع معارضين لحكومة الشرع في جسم سياسي معارض، مبررين ذلك باستئثاره بالسلطة.
ويرى الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى أن "بعض الشخصيات التي حضرت محاضرة طلاس يمكن أن تلعب دوراً مهماً بديلاً، كما أنه هو يشكل جزءاً من حل وسط بعد وصول التيار الإسلامي المتشدد إلى السلطة، وتأتي المحاضرة ايضاً كاختبار لأفكاره أمام جمهور أكاديمي متنوع".
ويلخص الباحث حاج يحيى "ثلاث رسائل أساسية، الأولى مفادها بأن الدولة مكانها في الأول قبل السلطة، والثانية أن الجيش يجب أن يكون وطنياً علمانياً يضبط السلاح ويحمي المرحلة الانتقالية، والثالثة هي اعتماد المادة 2254 كإطار معدل لوضع دستور وانتخابات وسلطة انتقالية"، وأضاف "يبدو أن لغة خطاب طلاس ركزت على أن الثورة جاءت لبناء الدولة لا لتغيير أشخاص".
وتابع "قراءتي الشخصية بعد ملاحظة شكل التنظيم عبر حلقة خريجي ’سيانس بو‘، ومنع أي نشاط صحافي، يعكس رغبة في تجريب خطاب بعيداً من الضوضاء. وبرز مضمون نقاش يعيد تعريف القوة بالانتقال من سلاح طائفي - فصائلي إلى سلاح وطني"، مؤكداً أن "أية تسوية سياسية لا تنجح بلا مؤسسة عسكرية ضامنة"، وأن "سقوط النظام جاء نتيجة خلل دولي ودور تركي مباشر"، وأن "التطبيع والسلام مع إسرائيل سابق لأوانه، لأنه لا سلام بلا دولة قادرة".

في عرين الأسد

في الأثناء يتنازع الشارع السوري حول قبول مناف طلاس كشخصية حاضرة في بلادهم بعد التحرير، فهو ابن وزير الدفاع السابق وأقرب المقربين من الرئيس السابق حافظ الأسد، وأسهم في تثبيت حكمه. وبفضل تلك العلاقة القوية، كسب مناف صداقة باسل، ابن حافظ الأسد الذي فارق الحياة في حادثة سير مشبوهة في فترة التسعينيات من القرن الماضي، وزادت صداقته مع بقية أفراد العائلة ومنهم بشار، مما مكنه من التدرج إلى رتبة عميد وتسلم اللواء 104 بالحرس الجمهوري، أكثر تشكيل عسكري مقرب من القصر الرئاسي.
في المقابل لا يرى قسم من السوريين مانعاً من وصول الضابط الستيني (ولد في الرستن، ريف حمص عام 1964) إلى السلطة في دمشق، خصوصاً أنه رفض الطريقة التي قمع بها بشار الأسد الحراك الثوري الذي اندلع في عام 2011 وانشق في العام الذي تلاه، إذ أحبط جراء القمع الذي مورس في مناطق دوما وحرستا على أطراف العاصمة، ودخل في مفاوضات مع المعارضين لإجراء مصالحات وطنية مع وجهاء في درعا، وحمص وبلدته الرستن في ريف حمص وسط سوريا، مما أغضب الأسد، وحتم انشقاق طلاس الابن.
إحدى الروايات أشارت إلى أنه كان مراقباً من المخابرات السورية، التي علمت بتواصله مع قادة في المعارضة. وجاء أمر الأسد بوضعه في الإقامة الجبرية، بعد رفضه قيادة وحدة عسكرية لاقتحام حي "باب عمرو" في مدينة حمص، وشوهد قبل أشهر من انشقاقه بملابسه المدنية ومطلقاً لحيته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الطريق إلى باريس

لم يكن صعباً في مرحلة الثورة وصول عسكريين برتب صغيرة أو متوسطة مع المدنيين إلى الحدود التركية منشقين عن جيش الأسد، لكن الأمر كان شبه مستحيل بالنسبة إلى طلاس، الجنرال الوسيم ذو الشعر الذي أكله الشيب، لأنها ستكون أقسى عملية انشقاق عن نظام الأسد. وهناك روايات تحكي عن وضعه تحت الإقامة الجبرية، بعد تحول بلدته الرستن معقلاً للضباط المنشقين، وبعدما ثبت تعاطف عائلة الطلاس المفرط مع الثوار الذين كانوا يقودون حراكاً سلمياً في ذلك الوقت، وبات اعتقاله وشيكاً.

ولعبت شقيقة مناف طلاس ناهد المقيمة في باريس، وهي سيدة فاحشة الثراء، وصديقة مقربة من أسماء الأخرس، زوجة بشار الأسد، دوراً مهماً في تأمين طريقة الانشقاق وانتقال مناف بطريقة سرية، مستفيدة من علاقاتها الواسعة في المجتمع السياسي الفرنسي. وبعد وصوله إلى باريس عن طريق تركيا وإعلان انشقاقه، لم يرحب "الجيش السوري الحر" بذلك، على عكس مجلس السياسيين المعارضين، إذ وصف رئيس "المجلس الوطني السوري" آنذاك عبدالباسط سيدا الانشقاق بـ"الضربة الهائلة لنظام الأسد".

أتى ذلك وسط ترحيب وزيرة الخارجية الأميركية في حينه هيلاري كلينتون، بينما أعلن نظيرها الفرنسي لوران فابيوس أن انشقاق طلاس "يدل على أن حكم الأسد غير قابل للاستمرار".

حضور رمزي ومحدود

من جهته قدم طلاس سردية "الدولة أولاً"، ورسالة طمأنة الداخل، وتسويق مشروع "مجلس عسكري وطني" كضمان لأية عملية انتقال، تحت عباءة الرئيس الشرع.
وجواباً عن احتمال كون طلاس مشروع رئيس بديل لمرحلة انتقالية، رد الباحث حاج يحيى "برأيي، ما جرى في المحاضرة أقرب إلى رسالة سياسية مزدوجة، هو يقول ’أنا موجود‘ ويقدم أوراق اعتماده كرجل دولة في مرحلة انتقالية، وفي الوقت نفسه يمسك عصا الأقليات ليلوح بها بوجه السلطة، قائلاً: إن لم أكن معكم، فقد أكون بديلكم أو زعيماً سنياً معارضاً تدعمه الأقليات والعلمانيون". وأردف "يبقى حضوره محدوداً ورمزياً، بالأخص أمام الشعبية الجارفة للرئيس أحمد الشرع الذي تدعمه الغالبية الساحقة من السوريين. طلاس ركز في محاضرته على الأقليات وعلى رسائل موجهة للخارج، لكنه لم يقدم مشروعاً واضحاً يطمئن السنة في سوريا أو يخاطبهم مباشرة، وهذا خلل جوهري في خطابه، لأنه لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح من دون الغالبية، ولا أن يقتصر على الأقليات أو على التوازنات الدولية. مستقبل طلاس سيظل رهناً بمدى قدرته على تصحيح هذا النقص، وإلا فسيبقى في دائرة الحضور الرمزي لا أكثر".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير