Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفاقم العنف السياسي في أميركا وسبل احتوائه

تشهد الولايات المتحدة الأميركية أعنف موجة من العنف السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي، بحسب ما تظهره البيانات

ارتفعت وتيرة العنف السياسي منذ عام 2016، ما أثار قلق المراقبين الذين يحذرون من أن مثل هذه الهجمات غالباً ما تولد مزيداً من العنف (غيتي)

ملخص

موجة اغتيالات ومحاولات قتل طاولت شخصيات سياسية أميركية بارزة، من تشارلي كيرك إلى دونالد ترمب، تكشف أن العنف السياسي بلغ أسوأ مستوياته منذ الستينيات. تفاقم التحزب الحاد، انتشار نظريات المؤامرة، تصاعد دور الميليشيات المسلحة، وتراجع الرقابة على خطاب الكراهية، كلها عوامل تؤجج مناخاً متفجراً يهدد الديمقراطية الأميركية.

أثار مقتل الناشط اليميني تشارلي كيرك أثناء إلقائه خطاباً في إحدى جامعات ولاية يوتاه الأميركية الأربعاء صدمة وإدانات واسعة في الأوساط السياسية، في الوقت الذي حذر فيه متخصصون من أن هذا الاغتيال هو الأحدث في سلسلة مقلقة للغاية من أعمال العنف السياسي التي تشهدها الولايات المتحدة في عهد ترمب.

وتقول الرئيسة التنفيذية للمشروع العالمي لمكافحة الكراهية والتطرف ويندي فيا لـ"اندبندنت"، "من الواضح أننا شهدنا بعض حوادث العنف السياسي الكبيرة في السنوات القليلة الماضية، وكانت أكبر مما كنا نتوقعه، بخاصة منذ ستينيات القرن الماضي". وتضيف: "العنف السياسي موجود منذ أن وجدت السياسة، لكنني أعتقد أن السنوات القليلة الماضية كانت مختلفة".

العنف في أسوأ مستوياته منذ أواخر ستينيات القرن الماضي

تشكل هذه الحوادث جزءاً من توجه مقلق، إذ تحول التحزب الحاد إلى عنف حزبي مباشر في الولايات المتحدة. فبين أحداث السادس من يناير (كانون الثاني) في مبنى الكابيتول والانتخابات الأميركية عام 2024، سجل ما لا يقل عن 300 حالة عنف سياسي، وفقاً لتحليل أجرته وكالة رويترز عام 2024، وهو أكبر ارتفاع في مثل هذه الهجمات منذ سبعينيات القرن الماضي. ومنذ عام 2016، وقع ما يقارب ثلاثة أضعاف الهجمات والمخططات ذات الدوافع الحزبية مقارنة بما سجل في الولايات المتحدة خلال ربع القرن السابق، بحسب تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الصادر عام 2023.

في الأجواء المشحونة التي أعقبت مقتل كيرك سارع البعض إلى تحميل تيار اليسار المسؤولية عن هذا المنحى، لكن طبيعة المشكلة أكثر تعقيداً بكثير، وفق ما يقول الكاتب والصحافي المتخصص في الفاشية والحركات السياسية اليمينية شاين بيرلي.

ويشير بيرلي إلى مجموعة متنوعة من "التحولات الاجتماعية العميقة" التي غذت هذا التصاعد، وتشمل تعمق التحزب السياسي، واتساع الحرمان الاقتصادي، وتزايد العزلة الأيديولوجية والجغرافية، وانتشار نظريات المؤامرة المتطرفة عبر الإنترنت، وهشاشة منظومة الرعاية بالصحة النفسية، وتفكك الهياكل الاجتماعية التقليدية مثل النقابات.

وشهدت الولايات المتحدة إدخال العنف بصورة متزايدة إلى قلب الممارسة السياسية نفسها، سواء عبر إرسال إدارة ترمب عملاء ملثمين من وكالة الهجرة والجمارك والحرس الوطني إلى مدن يغلب عليها الطابع الديمقراطي، أو من خلال التزايد المستمر لوجود الميليشيات المسلحة في الاحتجاجات.

وقال بيرلي لـ"اندبندنت": "يدخل الناس في العنف عندما لا يكونون جزءاً من نظام اجتماعي مستقر". وأضاف، "إن العنف المسلح في الواقع هو انعكاس لمشكلة اجتماعية أعمق يجب التعامل معها بصورة شاملة، وهذا مؤسف حقاً لأننا ما زلنا بعيدين جداً من القدرة على معالجة هذه المشكلات بطريقة شاملة".

"لقد رأينا ذلك على كلا الطرفين"

ويضيف بيرلي: "تصاعد العنف، ورأيناه على كلا الطرفين".

ومع ذلك تظهر أبحاث واسعة أن اليمين المتطرف قتل عدداً أكبر من الأشخاص مقارنة بأي تيار سياسي آخر في الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر، على رغم أن عديداً من الحوادث العنيفة لا يمكن ربطها بسهولة بأيديولوجية سياسية محددة، خصوصاً في ظل تكرار حالات الأزمات النفسية بين منفذي تلك الأفعال.

ترمب في دائرة الاستهداف

 

كان الأمر الأبرز عام 2024، حين وقعت محاولتان فاشلتان لاغتيال دونالد ترمب.

وقعت المحاولة الأولى خلال تجمع انتخابي في يوليو (تموز) في ولاية بنسلفانيا، إذ أصابت رصاصة أطلقها مسلح أذن المرشح الجمهوري آنذاك إصابة سطحية قبل أن يرديه عناصر جهاز الخدمة السرية قتيلاً.

وبعد شهرين حاول المسلح رايان روث اغتيال ترمب بينما كان يلعب الغولف في ناديه في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا. وقد أنكر روث التهم الموجهة إليه، وبدأت محاكمته الخميس.

هجمات مسلحة بدوافع سياسية

 

تواصل العنف هذا العام، إذ واجهت شخصيات سياسية مرتبطة بقضايا مختلفة هجمات قاتلة بالرصاص وبإضرام الحرائق.

في مايو (أيار) الماضي تعرض اثنان من موظفي السفارة الإسرائيلية لدى واشنطن لإطلاق نار أمام "متحف العاصمة اليهودي". ووجهت إلى المشتبه فيه إلياس رودريغيز تهم قتل فيدرالية وجرائم كراهية. ووقعت الجريمة بعد شهر من قيام رجل بإشعال النار عمداً في منزل حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو معترفاً بأنه يكرهه بسبب ديانته اليهودية واختلافه مع مواقفه في شأن فلسطين.

 

في الشهر التالي أقدم شخص محافظ مناهض للإجهاض على إطلاق النار، فقتل نائبة ديمقراطية في ولاية مينيسوتا وزوجها، وأصاب مشرعاً آخر وزوجته بجروح، في أسوأ حادثة اغتيال سياسي في تاريخ الولاية.

مزيد من الهجمات في أغسطس (آب)

لم يتوقف العنف السياسي عند هذا الحد.

 

ففي الشهر الماضي أطلق المسلح باتريك جوزيف وايت وابلاً من الرصاص على مقر "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" في أتلانتا، مما أسفر عن مقتل شرطي قبل أن يوجه السلاح إلى نفسه وينتحر.

وكشفت عمليات التفتيش في منزله عن أدلة تظهر أنه كان يعبر عن "سخطه من لقاحات (كوفيد-19)"، وفق ما أفادت به أجهزة إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الأحداث الأخيرة في سياق سلسلة من الوقائع خلال الإدارات الجمهورية والديمقراطية على السواء، من بينها الولاية الأولى لترمب التي شهدت إطلاق النار على النائب الجمهوري ستيف سكاليس، وقيام أحد النازيين الجدد على دهس امرأة بسيارته حتى الموت خلال احتجاج ضد مسيرة للقوميين البيض في شارلوتسفيل، إضافة إلى مؤامرة لاختطاف حاكمة ميشيغان الديمقراطية غريتشن ويتمر، والتمرد الذي بلغ ذروته باقتحام مبنى الكابيتول في محاولة لقلب نتائج انتخابات 2020.

وخلال عهد الرئيس جو بايدن تعرض كل من قاضي المحكمة العليا بريت كافانو، المعين من قبل ترمب، ورئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي لمحاولات اقتحام خطرة لمنازلهم، فيما تحولت احتجاجات مناهضة للعنصرية عام 2020 في بعض المدن إلى أعمال شغب ونهب عنيفة.

لا "حل سحرياً" لوقف العنف

قالت المتخصصة في شؤون التطرف ويندي فيا إنه لا يوجد "حل سحري" لوقف هذه الهجمات، لكنها أوصت الشخصيات السياسية بخفض مستوى الخطاب التحريضي، وانتقدت شركات وسائل التواصل الاجتماعي لتراجعها عن سياسات مراقبة المحتوى خلال عهد ترمب، التي كانت تهدف إلى احتواء انتشار المحتوى التآمري وخطاب الكراهية والعنف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابعت فيا: "أعتقد أنه من الواضح أن علينا خفض حدة الخطاب السياسي. فلا يمكننا تأجيج غضب الأميركيين في كل مرة يظهر فيها أحد على شاشة التلفزيون أو يلقي خطاباً... وعندما نتحدث عن الخطاب التحريضي، فإنني أحمل شركات التكنولوجيا قدراً كبيراً من المسؤولية".

كاثرين شويت، العميلة السابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ومؤلفة كتاب "أوقفوا القتل: كيف ننهي أزمة إطلاق النار الجماعي وكيف نتحدث عن الأسلحة مع أي شخص"، وصفت الولايات المتحدة بأنها تدخل مرحلة شبيهة بأواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وهي فترة من عدم الاستقرار السياسي واغتيالات طاولت قادة بارزين، وأظهرت كيف أن "العنف السياسي لا يولد إلا مزيداً من العنف السياسي".

وقالت شويت لـ"اندبندنت": "لقد فقدنا اثنين من آل كينيدي، ومالكولم إكس، ومارتن لوثر كينغ، خلال سنوات قليلة للغاية". وأضافت: "أعتقد أن تلك النزعة، وتلك الشهية للعنف السياسي التي أعقبت اغتيالات الستينيات والسبعينيات، قد تراجعت لأن الناس أدركوا أن العنف لا يولد إلا عنفاً، وبدأوا يتجهون إلى ما نحتاج إليه بالفعل، وهو الخلاف السلمي، لأنه الأساس الذي تقوم عليه ديمقراطيتنا".

أسهم أليكس وودوارد في إعداد هذا التقرير

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير