Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما لا يقوله اللاجئون عن مآسيهم في ظل الاضهاد المزدوج  

 كتاب سوسيو- ثقافي بالفرنسية عن قضايا النازحين قسرا وطالبي اللجوء 

إمرأة وطفل في مهب المجهول (رويترز)

ملخص

 يتحدث كتاب رئيسة منظمة "فرنسا أرض اللجوء" ووزيرة التربية السابقة نجاة فالو بلقاسم والخبير الاقتصادي بنجامان ميشاليه المتخصص في حركات النزوح القسري الموسوم "لاجئون، ما لا يقولون لنا" ( منشورات ستوك، 2025) عن الهجرة وعن الاختيار أو الرغبة في تحقيق مشروع، وكذلك عن الهروب اليائس تحت جنح الظلام المثقل بالألم لأعداد هائلة من الناس الذين اضطروا إلى الفرار من منازلهم وترك ممتلكاتهم والفراق عن أحبائهم وأراضيهم والخروج فجأة من حياتهم اليومية إلى المجهول، بلا أي استعداد مسبق وتعرضهم للخطر، بسبب عرقهم أو دينهم أو جنسيتهم أو انتمائهم إلى جماعة اجتماعية معينة أو آرائهم السياسية أو النزاعات المسلحة الداخلية أو الدولية.

يتناول الكتاب قضية أولئك الناس الذين تطلق عليهم لطفاً تسمية "النازحين قسراً"، أو "طالبي اللجوء" الذين دفعهم العنف والاضطهاد والرعب إلى التخلي عن كل شيء حفاظاً على حياتهم والذين تعتبر قضيتهم قضية إنسانية تطرح بثقلها على النقاشات السياسية في فرنسا وأوروبا وعدد من بلدان العالم.

ينطلق الكتاب من مسلمة تؤكد تجنب كثير من السياسيين الفرنسيين طرح هذه القضية المعقدة باعتبارها قضية أوروبية، متحدثاً عن تدابير مناهضة للنازحين والمنفيين كسياسة الامتناع عن مدّ يد العون وتفويض اللجوء إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي والترويج لقناعة مفادها بأن العالم سيكون أفضل بلا نزوح ولا هجرة، ومتناولاً أيضاً مواقف الذين يندفعون لجعل صورة النازح دواء وسمّاً، عدواً مثالياً، والذي من دونه ستتحسن الأحوال. فاللاجئ هو، بعرف بعضهم، المسؤول عن كل المصائب التي تتخبط فيها البلاد. والحديث عنه يمنح بعض الزعماء رصيداً سياسياً يكاد يكون سحرياً. لكن قضايا هذا النازح، على ما نقرأ في مقدمة الكتاب، هي قبل كل شيء وسيلة لتحويل الأنظار عن الفشل في مواجهة الانقسامات الحقيقية والخلل البنيوي الذي بدأ يضرب المجتمع الفرنسي، وعجز السلطة عن إدارة شؤون الدولة وتفشي الفقر والكوارث المناخية وسيطرة الخوارزميات وشبكات المخدرات. ويبدو أن "وصفة" الحديث عن اللاجئين الحقيقيين باتت مربحة لدرجة أن عدداً متزايداً من المسؤولين السياسيين الفرنسيين يميلون إلى استخدامها.

لكن كيف التمييز بين اللجوء الحقيقي وتدفقات الهجرة غير الشرعية، إذ يختلط المهاجرون الاقتصاديون الباحثون عن ظروف معيشية أفضل بالنازحين قسراً؟ تقول نجاة فالو بلقاسم إن المواطنين الأوروبيين، كما غيرهم في بعض بلدان العالم، في حال من الحيرة التامة بسبب الواقع أحياناً وبسبب السردية التي تدمج غالباً وبلا تمييز كل أنواع التحركات السكانية.

وفي هذا السياق، يدعو الكتاب إلى وقفة تأمل بغية إعادة ضبط وتصويب المسألة، انطلاقاً من فكرة أن كل المهاجرين ليسوا كتلة واحدة، مميزاً بين أنواع عدة من المهاجرين كالطلاب والفنانين أو النازحين الاقتصاديين الذي جاؤوا إلى أوروبا بحثاً عن عمل أو للاستفادة من التقديمات الاجتماعية، وطالبي اللجوء الحقيقيين، وهم قلة ضئيلة جداً لا تتعدى نسبتها في فرنسا سبعة في المئة والتي تختزل في الخيال الجمعي بصورة اللاجئ السياسي والمعارض المتمسك بقيم الحرية والذي يستقبل في دولة ديمقراطية لأن حياته باتت مهددة بالخطر. أما بعيداً من هذه الصورة المثالية، فتختصر صورة النازحين قسراً في آلاف الفقراء الذين ينطلقون من بلدانهم بحثاً عن حياة أفضل.

الأخوة الإنسانية

وإذ يعترف المؤلفان بحق الدولة في وضع قواعد تنظم قبول الهجرة الاقتصادية أو الدراسية أو الثقافية بما يتوافق مع حاجاتها، فإنه يركز على طالبي اللجوء الحقيقيين الذين يخاطبون الأخوّة الإنسانية، لكنهم يحصدون أحياناً اللامبالاة. ويعرج الكتاب كذلك على مسألة "النازحين المحتالين" الذين يستفيدون من الظروف ومن التباسات بعض النصوص والقوانين والمعاهدات الدولية، متطرقاً في الوقت عينه إلى مخاوف المجتمعات المستقبلة.

ونقرأ في الكتاب أن مأزق النزوح الذي تعيشه اليوم دول أوروبية عدة بحاجة إلى مواجهة جريئة، كتلك التي دعا إليها رينيه كاسان بعيد كوارث الحربين العالميتين، عندما نادى بحقوق الإنسان التي تسمو على سيادة الدول، ذلك أن كل الناس، أياً تكن أصولهم، أو جنسيتهم، أو ثقافتهم، متساوون في الكرامة الإنسانية.

 لكن شعار احترام كرامة الإنسان على ما يقول المؤلفان لم يوقف الحروب والإبادات والهروب الجماعي من الفظائع. وبينما تختفي اليوم أصوات ضحايا النازية، لا تزال الحروب تشتعل في القرن الـ21 في أوروبا والشرق الأوسط كالحرب الروسية الأوكرانية والحرب على غزة والصراعات في سوريا وفي الساحل الأفريقي وميانمار، ولا تزال تسمع أصوات المآسي الإنسانية المتكررة كتلك التي وثقتها الكاميرات في سجون بشار الأسد وغرف التعذيب والإعدامات الميدانية والمقابر الجماعية، ولم يعُد بإمكان أحد أن يقول إنه لا يعرف لماذا يندفع بعض الناس على طرق المنفى طوال عقد من الزمن.

وتدعو نجاة فالو بلقاسم وبانجمان ميشاليه إلى سحب موضوع اللجوء والهجرة من أيدي الشعبويين، انطلاقاً من فكرة أن حق اللجوء مسألة مواطنية وديمقراطية بامتياز، لا أحد في مأمن من أن يحتاج هو نفسه إلى هذا الحق يوماً ما في رفض للتنازل عن الإنسانية.

مفهوم النزوح القسري

وتكمن أهمية الكتاب في تحديده لمفهوم "النازحين قسراً" ومواجهة التباساته، مستنداً إلى الاتفاقات الدولية وإحصاءات الأمم المتحدة التي تحدثت عن 117 مليون شخص على مستوى العالم، مع زيادة شهدها عام 2024 والنصف الأول من عام 2025. فبعض هؤلاء الأشخاص ينزحون داخل بلدانهم، بينما تستضيف دول ذات دخل منخفض إلى متوسط 75 في المئة منهم. وخمس دول وحدها تستضيف ثلث هؤلاء النازحين كالأردن ولبنان وتركيا وألمانيا وسواها، علماً أن بعض الدول المستضيفة لديها الآليات الدولية في المحافظة على السلام والأمن لمواطنيها، بينما تفتقدها دول أخرى. ومع ذلك، ليس كل النازحين قسراً لاجئين، وليس كل مهاجر هارباً من صراع مسلح أو أزمة سياسية.

ويتطرق الكتاب كذلك، فضلاً عن تعريفات اللجوء، إلى قضية القدرة على الاندماج في بلد الاستقبال والمهارات اللغوية والفرص المهنية، معترفاً بأن استقبال اللاجئين التزام مكرس في الدستور الفرنسي، وهو إرث تاريخي حملته عالياً الثورة الفرنسية. لكن استقبال الأجانب الذين لا يندرجون ضمن حق اللجوء، فهو موضوع نقاشات وإجراءات أخرى أخلاقية وإنسانية وسياسية واقتصادية واجتماعية ترتبط بسياسة الهجرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويذكرنا الكتاب بأن اللجوء ليس الهجرة وأن لكل دولة سيادتها في وضع سياسة هجرة تبنى على معايير قبول تستند إلى مصالحها الخاصة، كحاجتها إلى اليد العاملة الماهرة، أو المستثمرين، أو انفتاح نظامها التعليمي على الطلبة الأجانب، أو إمكان لمّ الشمل العائلي، ولا سيما الهروب من العنف القائم على النوع الاجتماعي كالزواج القسري أو المبكر، أو العنف المنزلي. ففي مثل هذه الحالات، يكون سبب اللجوء هو الانتماء إلى "فئة اجتماعية معينة"، وغالباً لا تكون هناك أية نزاعات عسكرية جارية في وطن اللاجئين، إنما تعجز الدولة بكل بساطة عن توفير الحماية لهؤلاء الأشخاص كما هي حال بعض مهاجري بلدان غرب أفريقيا مثل غينيا وساحل العاج ومالي والسنغال ونيجيريا.

في هذا السياق، يبحث المؤلفان أيضاً في قضية اللجوء الأوكراني ويرويان قصصاً عن الطرق الخطرة والمكلفة التي يسلكها النازحون والمهاجرون من سوريا وأفغانستان وإريتريا والصومال وتشاد ومالي وبوركينا فاسو، إلخ.، إذ يقدر متوسط كلفة الرحلة بنحو 7 آلاف دولار للنازحين الذين خاضوا تجربة المنفى بطرق غير شرعية بين الأعوام 2013 و2015، فضلاً عن تعرض بعضهم للاعتقال أو للغرق، من دون نسيان مافيات شبكات الاتجار بالبشر.

ويشكك كتاب الوزيرة الفرنسية السابقة نجاة فالو بلقاسم والخبير الاقتصادي بنجامان ميشاليه في الأفكار المسبقة حول اللاجئين ويدحض الفكرة السائدة التي تقول إن فرنسا تستقبل بؤساء العالم، إذ إن فرنسا لم تستقبل سوى 0.1 في المئة من النازحين قسراً حول العالم، وما زالت بعيدة من جيرانها الأوروبيين. ولعله ضمن مقاربته لهذا الموضوع الشائك، يدعو أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً إلى العمل لدعم السلام والاستقرار وحقوق الإنسان في العالم وعدم التخلي عن سياسات المساعدة التنموية، وهي مفاتيح رئيسة لإنهاء قضية الهجرة واللجوء والنزوح القسري.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب