Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤتمر الدولتين وتحدياته الكبرى

ربما يتحول الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية إلى نكبة جديدة عبر قرار الحكومة الإسرائيلية ضم الضفة الغربية نهائياً

جهود عربية ودولية كبيرة من أجل تطبيق حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي (غيتي) 

ملخص

المؤتمر الدولي محطة مفصلية في تاريخ الصراع تكشف مدى استعداد العالم عبر أممه المتحدة للسير فعلياً في الالتزام بقرارات اتخذتها منذ أربعينيات القرن الماضي، ولا تزال تنتظر من يطبقها في ظروف باتت أعقد وأخطر بما لا يُقاس.

لم تكن الدولة الفلسطينية واردة يوماً في العقل الإسرائيلي لكن الفلسطينيين اقتربوا من احتمال تحققها على أرض الواقع مرتين، الأولى نهاية الثمانينيات إثر الانتفاضة الأولى المعروفة باسم "انتفاضة الحجارة"، والثانية هي ما يؤمل السير نحوه مع الجهد العربي والدولي الذي تقوده السعودية وفرنسا من أجل حل الدولتين، والذي سيتوج مبدئياً في الاجتماع العالمي داخل مقر الامم المتحدة بنيويورك في الـ 22 من الشهر الجاري.

في المرة الأولى صنعت الانتفاضة الفلسطينية الشعبية في الضفة وغزة الفارق الأساس، فلم تكن "منظمة التحرير الفلسطينية" التي أنهكها اجتياح لبنان وطردها منه الجيش الإسرائيلي، في أحسن حالاتها، لكنها بقيت الممثل الشرعي الوحيد لشعبها، فأسهمت في قيادة انتفاضته وتطويرها والدفع نحو تثميرها سياسياً في المشروع الوطني الفلسطيني، قبل استحضار حركة "حماس" التي ظهرت في تلك الأيام الحافلة، لتشكل عنصر انقسام سيبرز دوره لاحقاً في إضعاف المنظمة والموقف الفلسطيني الموحد، وهو ما استفادت منه إسرائيل على مرّ الأعوام وصولاً إلى اليوم، لنسف مشروع الدولة أرضاً وسكاناً عبر حروب القتل والتهجير والاستيطان في غزة والضفة الغربية.

هذه المرة يلوح مشروع الدولة من خارج سياق الصراع التقليدي بين إسرائيل والفلسطينيين، فمعركة "حماس" التي فتحت الباب أمام حرب تدميرية تقترب من إنهاء عامها الثاني عززت النهج الإسرائيلي التقليدي التوسعي ورفضه البحث في أية حقوق للشعب الفلسطيني، وبدلاً من الطروحات التي سادت نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي حول ضرورة التسوية السلمية التي تضمن حقوق الأطراف، وكان لأميركا دور بارز في إدارتها بدءاً من "مؤتمر مدريد"، أُخليت الساحة للمعارك العسكرية التي تتفوق فيها إسرائيل بدعم هائل من الولايات المتحدة، وتغتنم إسرائيل هذا الواقع لترفض أي دور للسلطة الوطنية الفلسطينية، فتنسف "اتفاقات أوسلو" وتقفل الباب أمام المطالبة بتنفيذ تلك الاتفاقات التي اعتبرت في حينه خطوة على طريق قيام الدولة المستقلة.

لقد أضعفت الحرب المفتوحة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الفلسطينيين لكنها لم تتمكن من كسر إرادتهم في التمسك بأرضهم، وبقدر ما أثار "طوفان الأقصى" من اعتراضات واستنكارات حول العالم، بقدر ما دفعت الوحشية الإسرائيلية شعوب الغرب إلى التحرك تضامناً مع الشعب الفلسطيني، مما يوفر أساساً لتحرك دولي جديد دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين ومن أجل سلام عادل في الشرق الأوسط.

التقى الموقف الدولي المتبلور في سياق الحرب المفتوحة مع موقف سياسي عربي ثابت تعبر عنه السعودية منذ ما قبل اندلاع الحرب، خصوصاً في محادثاتها مع الأميركيين عشية الحرب الراهنة، قوامه ألا تسويات على حساب الشعب الفلسطيني، وأن أي حل يجب أن ينطلق من القرارات الدولية والمبادرة العربية ويتوج بإقامة دولة فلسطينية على الأرض التي احتلتها إسرائيل صيف عام 1967.

بهذه الروحية تحركت فرنسا والسعودية لتنظيم مؤتمر حل الدولتين في يوليو (تموز) الماضي، وهذا الأسبوع قررت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" استئناف أعمال ذلك المؤتمر في الـ 22 من الشهر الجاري بناء على اقتراح قدمته السعودية، مما يتيح حضور ومشاركة أكبر عدد من قادة العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انطلقت التحضيرات الأولى للمؤتمر من اجتماع استضافه وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو نهاية مايو (أيار) الماضي ضم وزراء خارجية السعودية ومصر والأردن، واقترحت فرنسا أن يجري الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال المؤتمر، وهو ما رفضته إسرائيل على الفور، فيما عارضت الولايات المتحدة أي اعتراف أحادي بدولة فلسطينية، وقالت إن الدول التي ستقوم بذلك سينظر إليها كدول معادية للمصالح الأميركية، ويمكن أن تواجه عواقب.

لم تُعِر الولايات المتحدة وإسرائيل اهتماماً لموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رسالته المعلنة في الـ 10 من يونيو (حزيران) الماضي، وفيها يدين سلوك "حماس" في "طوفان الأقصى" ويؤيد نزع سلاحها ويتعهد بإصلاح السلطة وإجراء انتخابات تشريعية خلال عام، ويؤيد اتفاقاً مع إسرائيل يسفر عن إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح .

كانت تلك خطوة من عباس لتسهيل الاندفاعة الدولية الداعمة لحل الدولتين ودعم قيام الدولة الفلسطينية التي تحظى حتى الآن باعتراف ثلاثة أرباع الدول الأعضاء في المنظمة الأممية، لكن الحرب على المؤتمر الدولي استمرت بعد دورته الأولى في يوليو الماضي مثلما تواصلت الحرب في فلسطين، والتي بلورت خلالها إسرائيل مزيداً من الخطط لاحتلال قطاع غزة وضم الضفة الغربية بعد توسيع أعمال الاستيطان فيها.

في هذه الظروف الصعبة حيث تختل موازين القوى كلياً، يكتسب المؤتمر المذكور أهمية قصوى، فهو من جهة تعويض عن ذلك الخلل في الموازين، ومن جهة ثانية تعبير عن إرادة دولية تزداد صلابة ووزناً مع انضمام دول أوروبية أساس إلى مسار دولي بات يلمس لمس اليد مدى الحاجة إلى سلام حقيقي في منطقة انهكتها الحروب على مدى 80 عاماً.

يحتاج المؤتمر الدولي المقرر في الـ 22 من الشهر الجاري إلى إثبات صدقيته وبلورة خطوات تنفيذية عملية تفرض على الأطراف، خصوصاً إسرائيل، الدخول في عملية سلام فعلي تستند إلى المرجعية الشرعية الدولية والعربية، وتتيح تحولاً في السياسة الأميركية بعيداً من الدعم اللامشروط الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى إسرائيل، بما يلتقي مع الأهداف الكبرى الذي يتحدث عنها الرئيس دونالد ترمب والخاصة بتحقيق السلام في العالم .

على أنه وقبل الوصول إلى هذه الأهداف الكبرى فإن المؤتمر يحتاج إلى اتخاذ خطوة إجرائية ذات بعد سياسي أساس، ففلسطين العضو المراقب في الأمم المتحدة لا يجب أن تغيب عن مؤتمر يعقد من أجلها ويتصدى لمهمات "اليوم التالي" بعد حرب غزة، ولذلك فإن رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات دخول إلى نيويورك للرئيس الفلسطيني وأعضاء وفده قد يفرض على أعضاء الجمعية العامة اتخاذ قرار مماثل للقرار الذي اتخذته عام 1988 عندما انتقلت الجمعية إلى جنيف للاستماع إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد منعه من السفر إلى الولايات المتحدة .

هذا من الناحية السياسية الإجرائية، أما المهمة الأكبر والأخطر أمام المؤتمر ومشاركيه الدوليين والعرب فستكون خطرة وتاريخية، ذلك أن الرد الإسرائيلي عليه ربما يذهب إلى خطوات أخطر من الوضع الحالي، فيتحول الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية إلى نكبة جديدة عبر قرار الحكومة الإسرائيلية ضم الضفة الغربية نهائياً، وعندها هل يبقى المجتمع الدولي واقفاً على حدود بياناته؟ وما التدابير الفعلية التي سيتخذها صوناً وتنفيذاً لقراراته؟

في الواقع استعدت إسرائيل لهذا الأمر وبحثته في اجتماعات عقد آخرها في الأول من الشهر الجاري، وجرى فيه عرض مراحل الضم في وقت يراهن اليمين الإسرائيلي على عدم ممانعة ترمب من اتخاذ قرار كهذا، ومن هنا سيكون المؤتمر الدولي محطة مفصلية في تاريخ الصراع تكشف مدى استعداد العالم عبر أممه المتحدة للسير فعلياً في الالتزام بقرارات اتخذتها منذ أربعينيات القرن الماضي، ولا تزال تنتظر من يطبقها في ظروف باتت أعقد وأخطر بما لا يُقاس.

المزيد من آراء