Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"القمر الدموي"... ظاهرة فلكية تداهم الشرق بأساطير الغرب

الروايات والمعتقدات القديمة تتحدث عن السحر والقرابين بينما العلم يتحدث عن تفاعل حركة الشمس مع الغلاف الجوي

ملخص

الجامع بين الأساطير المتعلقة بالقمر الدموي وكسوفه، على رغم اختلافها، أن القمر لم ينظر إليه كجسم سماوي صامت بل ككائن حي يشارك البشر مصيرهم، حين يحمر وجهه كانوا يعتقدون أنه يتألم أو يصرخ أو يهاجم، مما يدفع الناس إلى إقامة طقوس وتقديم القرابين والعودة إلى إيماناتهم وكأنهم يشاركون في طقس كوني أوسع وأقوى منهم.

ظاهرة فلكية نادرة تحدث مساء الأحد السابع من سبتمبر (أيلول) 2025، إذ ستكون معظم دول منطقة الشرق الأوسط وسكانها على موعد مع عرض سماوي نادر يجمع بين اكتمال البدر وحدوث كسوف قمري كلي يجعل لونه أحمر قاتماً، وهي الظاهرة التي يطلق عليها اسم "البدر الدموي".

يقع هذا الحدث عند الساعة 09:08 مساء بتوقيت بيروت (18:08 بتوقيت غرينتش) حين يكتمل القمر بدراً ثم يبدأ تدريجاً بالانزلاق إلى قلب ظل الأرض فيفقد تدريجاً نوره الساطع لمصلحة ظاهرة الكسوف الكلي التي ستحول لونه إلى الأحمر الداكن.

هذا المشهد النادر يحدث عندما تصطف الشمس والأرض والقمر في خط واحد، وتكون الأرض في المنتصف لتحجب أشعة الشمس عن القمر، ولا يصل إليه سوى ضوء الشمس الأحمر المصفى عبر غلافنا الجوي، وهو ما يبدي القمر وكأنه مضرج بالدماء ليستحق اسمه المهيب أي "البدر الدموي".

وسيكون سكان العاصمة اللبنانية بيروت والعاصمة السورية دمشق ومعظم مناطق شرق المتوسط قادرين على متابعة الكسوف بكامل مراحله إذا ما كان الجو صافياً والسماء غير ملبدة بالغيوم، وصولاً إلى ختام العرض حين ينسحب الظل تدريجاً ويستعيد القمر نوره الأبيض الفضي.

لو كانت مدارات الأرض والقمر مثالية تماماً، لاصطفت الأرض بين الشمس والقمر في كل شهر ولشهدنا كسوفاً قمرياً مع كل بدر، لكن ميل مدار القمر بدرجتين عن مدار الأرض حول الشمس يجعل الظاهرة أقل تكراراً.

أما التحول إلى اللون الأحمر فليس من قبيل السحر بل هو نتيجة مباشرة لطبيعة غلافنا الجوي، فأشعة الشمس، حين تعبر غلاف الأرض، تتشتت بفعل الغبار والجزيئات، فيتبعثر الضوء الأزرق والأخضر بينما تمر الموجات الأطول، الحمراء والبرتقالية، هذه الموجات المنكسرة هي ما يصل إلى سطح القمر، فيعكسها إلينا بلون أشبه بالنحاس المتوهج أو المائل إلى الحمرة، إنها اللحظة التي تجعل من القمر مرآة للون غلافنا الجوي نفسه.

ويعرف هذا البدر في تقويم المزارعين الأميركيين باسم "بدر الحصاد" أو (Harvest Moon)، لأنه يتزامن مع مواسم جمع المحاصيل، وهو ما يجعل المناسبة ذات رمزية مهمة لدى هؤلاء المزارعين أصحاب القصص والمعتقدات الكثيرة حول علاقة هذا البدر بالذرة وحصاده.

واعتاد المزارعون في أميركا الشمالية وأوروبا ربط هذا البدر بموسم جني المحاصيل، لأنه يشرق باكراً بعد غروب الشمس ويضيء السماء لليال متتالية، مانحاً الفلاحين ساعات عمل إضافية تحت نوره.

منجمون معاصرون

قبل أن نتطرق إلى العلم والأساطير القديمة، سنجد أن البدر الدموي أخذ حيزاً واسعاً في توقعات المنجمين وكتاب الأبراج في العالم العربي ونصائحهم، فأصحاب كتب الأبراج لا يكتفون بوصف الظاهرة الفلكية، بل يضيفون على ظهوره خلال وقت معين مع اقترانه بكواكب أخرى أبعاداً شخصية تمس حياة الأفراد.

يقول بعضهم إن هذه الظاهرة هي محطة لصاحب هذا البرج أو ذاك تتشابك فيها الطاقات الكونية، وينصح بعضهم متابعيه بالهدوء وتجنب القرارات المصيرية خلال تلك الليلة وما يليها، وآخرون يقولون إن مواليد هذا البرج قد يواجهون توتراً عاطفياً، أما مواليد ذاك البرج فقد يشهدون تحولاً مفاجئاً في العمل أو العلاقات العاطفية، واللغة التي يستخدمونها تميل إلى التحذير أكثر مما تميل إلى الطمأنة، مثل النصح بالحذر "من الاندفاع" أو "تجنب المواجهة" أو "تأجيل التوقيع على العقود"، وبعضهم يتحدثون عن "طاقة التحرر" التي يحملها اللون الأحمر للقمر، ويشجعون على كتابة النيات أو ممارسة طقوس شخصية للتخلص من أثقال الماضي.

وبالطبع، فإن لدى هؤلاء المنجمين المعاصرين الذين باتوا يستخدمون كل وسائل الاتصال في الفضاء الرقمي لجذب متابعيهم، جمهوراً واسعاً ممن ينتظرون ما سيدلون به حول التحولات التي ستطرأ على حياتهم خلال وقت مرور القمر الدموي وكسوفه، وهذا الجمهور التواق لمعرفة مستقبله يتسع ويزداد عدد، وهكذا يظل القمر، حتى في زمن التكنولوجيا مادة للتأويل والخيال، يتنقل بين المختبر والتنجيم كما كان يتنقل في الماضي بين المعابد والأساطير وعلوم الفلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يزال كثر، عام 2025، يتعاملون مع ظواهر كـ"البدر الدموي" بوصفها أكثر من مشهد فلكي، فبين من يراها "إشارة كونية" تمس حيوات الأفراد ومن يربطها بدلالات جماعية أو دينية، تتشكل اليوم فسيفساء من المواقف لا تختفي على رغم تقدم العلم، ولو أردنا مقياساً سريعاً، ففي استطلاع حديث لمؤسسة "بيو" الأميركية أظهر أن 27 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة يقولون إنهم يؤمنون بتأثير مواقع الكواكب والنجوم في حياتهم، فيما بيَّن استطلاع لمؤسسة "إيفوب" في فرنسا أن الإيمان بالتنجيم (Astrologie) بلغ 41 في المئة عام 2020، وأن الميل إلى العلوم الميتافيزيقية بات منتشراً بين الشباب.

ولأننا نعيش في زمن "نزع السحر عن العالم" كما يقول عالم الاجتماع ماكس فيبر، فإن الإنسان يحتاج إلى شرارة تعيد وصل الواقع بالعالم الماورائي، و"القمر الدموي" يلعب هذا الدور كنافذة على إحساس قديم بالرهبة، يهدئ القلق المعرفي والتوتر بين العلم والدهشة مما يعد مناقضاً للعلم.

القمر الأحمر والمعتقدات القديمة

لم يكن القمر الأحمر مجرد ظاهرة سماوية عند الشعوب القديمة بل كان بوابة لأساطير تمزج بين الخوف والقداسة، ففي مصر القديمة ظن كهنة معابد إله الشمس "آمون" أن القمر حين يخفت ضوؤه ويتحول إلى الأحمر الدموي تكون هناك أفعى سماوية تحاول ابتلاعه، وكان على الإله "رع" أو حراسه من الآلهة أن يتدخلوا لإنقاذه فيعاد النور إلى وجهه، هكذا صار هذا النوع من الكسوف جزءاً من معتقدات صراع النور والظلام لدى المصريين القدماء.

وعند البابليين والآشوريين، ارتبط القمر بإله القمر "سين"، فإذا غطاه الظل وصار وجهه أحمر فذلك يكون دليلاً على أن الآلهة غاضبة أو أن الخطايا المرتكبة على الأرض صارت كثيرة وثقيلة، لذلك كان الكهنة يقيمون الطقوس ويقدمون القرابين، وكان الناس يدخلون في استنفار جماعي إيماني لدرء الكارثة المحيطة بالقمر وأمه الأرض والمخلوقات التي تعيش فوقها.

لدى حضارات "الأزتيك" و"المايا" الخاصة بشعوب أميركا القديمة كان للقمر الدموي تفسير أشد قسوة، إذ إن احمراره دل عندهم على طلب الآلهة للدماء والقرابين البشرية لدرء الحروب والأمراض ونزف الدماء عنهم وليحافظ الكون على توازنه، وكانوا يرون في هذه الظاهرة إنذاراً بضرورة إرضاء الآلهة بالدماء حتى لا ينقلب النظام الكوني، ولهذا عرفت هذه الشعوب بأنواع من الطقوس الدموية في معابدهم، وصور الممثل والمخرج العالمي ميل غيبسون بعض هذه التقديمات للقرابين البشرية في حال الكسوف القمري في فيلمه "أبوكاليبتو".

وفي المعتقدات الهندية الغنية والكثيفة احتلت أسطورة القمر الدموي والمترافق مع الكسوف مكانتها الخاصة، إذ صورت على أن الشيطان "راهـو" خدع حين حاول شرب مياه الخلود فقطعت رأسه، ولهذا راح يطارد الشمس والقمر انتقاماً، وكان كلما ابتلع القمر حدث الكسوف الكلي فيحمر وجهه، لكنه لا يلبث أن يلفظه مجدداً لأنه مجرد رأس بلا جسد.

أما في أوروبا فالقمر الدموي كان علامة على نهاية الزمن، وفي العهد الجديد وردت آية تتناول هذه التحولات مفادها أن "الشمس تتحول إلى ظلام والقمر إلى دم"، فصار الكسوف الأحمر يُقرأ كإشارة إلى يوم الحساب، ولذا فإن شعوب القرون الوسطى كانت ترى في "القمر الدموي" دليلاً على أن الله يذكر البشر بقرب النهاية، فيخرجون إلى الساحات بخوف ويهرعون إلى الكنائس للصلاة.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم