Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خرائط تبتلع المشرق: إسرائيل تنفذ والشام ورقة ابتزاز

المنطقة ليست أمام مشروعين قوميين يتصارعان على شكل الحدود، بل أمام مشروع إسرائيلي يعمل بأدواته على الأرض

قال براك إن لبنان قد يعود إلى "بلاد الشام" فيما أكد نتنياهو أنه في "مهمة تاريخية" مرتبطة برؤية "إسرائيل الكبرى" (اندبندنت عربية)

ملخص

تعيش المنطقة اليوم اختباراً مزدوجاً "إسرائيل الكبرى" كمنظومة توسعية وظيفية تترجم إلى قرارات وخرائط ميدانية مقابل "بلاد الشام الكبرى" التي تبقى لغة تحذير وضغط أكثر منها مشروعاً قابلاً للتنفيذ. وإذا لم تتبلور مظلة تسوية ملزمة، أي اعتراف واضح بدولة فلسطين وترتيبات أمنية قابلة للقياس وضمانات حدودية، فسيتقدم المشروع الإسرائيلي الوظيفي افتراضياً لأنه يعمل بمنطق قضم الأرض والوقت، لا بمنطق صفقة نهائية متكاملة.

في لحظة يتقاطع فيها انهيار الصيغ القديمة للسيادة مع اندفاعة خرائط جديدة للأمن والممرات في الإقليم خرج إلى السطح مستويان غير متناظرين من التصريحات، المستوى الأول قد يكون رسمياً مباشراً مدروساً ومقصوداً، مثل خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن "إسرائيل الكبرى"، والمستوى الثاني قد يكون عفوياً أو ارتجالياً أو "زلة لسان"، مثل كلام المبعوث الأميركي إلى المنطقة توم براك "عن بلاد الشام الكبرى". وأحدهما يحمل ثقلاً استراتيجياً، والآخر يحمل بعداً تنفيذياً واضحاً.

فماذا قال الرجلان؟

في يوليو (تموز) الماضي، وخلال حديث إعلامي، قال براك إن لبنان يواجه تهديداً وجودياً، وإذا لم يتحرك فقد يعود إلى "بلاد الشام" مرة أخرى. وحذر من أن "لبنان يواجه خطر الوقوع في قبضة القوى الإقليمية ما لم تتحرك بيروت لمعالجة مسألة سلاح (حزب الله)". واعتبر المبعوث الأميركي أن "لبنان في حاجة إلى حل هذه القضية، وإلا فقد يواجه تهديداً وجوديا"، مضيفاً "لديك إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والآن لديك سوريا التي تتجلى بسرعة كبيرة، لدرجة أنه إذا لم يتحرك لبنان، فسيصبح مرة أخرى ضمن بلاد الشام".

في المقابل أكد بنيامين نتنياهو في مقابلة إعلامية خلال أغسطس (آب) الماضي أنه في "مهمة تاريخية وروحية" مرتبطة برؤية "إسرائيل الكبرى"، متحدثاً عن "الحلم الإسرائيلي" بوصفه "مهمة أجيال" يسلمها جيل إلى جيل، وكيف أنه يشعر بأنه في مهمة "روحية وتاريخية" من أجل الشعب اليهودي. فما كان من المحاور شارون غال، وهو بالمناسبة نائب يميني سابق، أن أهداه علبة بها فيها خريطة "إسرائيل الكبرى"، وقال غال "لا أهديها لك، فلا أريد توريطك (وذلك بسبب قضية الهدايا التي تلاحق نتنياهو)، بل هذه هدية لزوجتك سارة"، وفقاً لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

الهدية... خريطة

سلطت هذه "الهدية الخريطة" الأضواء على معانيها، وكانت محوراً لتحليلات عديدة حول النية والغاية من ورائها، واحتمالات التوسع الإسرائيلي وممر النفوذ الإقليمي.

وبالعودة قليلاً إلى الوراء، وتحديداً في يوليو الماضي، وخلال الاجتماع الذي عقد بمقر إقامة كبار ضيوف الولايات المتحدة، وحضره نتنياهو إلى جانب وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم ووزير الطاقة كريس رايت والسفير مايك هاكابي أعلن رسمياً عن توقيع اتفاقات في مجالي الطاقة والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك ركزت عدسات الكاميرات على الخريطة التي حملت تظليلاً برتقالياً يغطي مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وخطاً أسود يمتد من قطاع غزة حتى مدينة مكة، وإشارات نصية فوق هذه البلدان. وفتح وجود خريطة سياسية بهذه التفاصيل على الطاولة الباب أمام تساؤلات حول الأجندة الحقيقية خلف اللقاء الذي من المفترض أن يكون اقتصادياً وتكنولوجياً وليس سياسياً.

"إسرائيل الكبرى"

أين وُلد المفهوم، وكيف تغير مع الوقت، وكيف يترجم اليوم على الأرض وعلى الخرائط والخطاب؟

من البديهي الإشارة بداية إلى أن المصطلح ليس واحداً وبمعنى واحد، إذ تستعمل في اللغة العبرية عبارة "أرض إسرائيل الكاملة/ المتكاملة" (إرتس يسرائيل هشليماه)، وهو ليس اصطلاحاً جغرافياً، وإنما يشير إلى أرض بني إسرائيل، ويقصد بها عند تيارات يمينية - قومية السيطرة على كامل "أرض إسرائيل" كما تعرفها تلك التيارات. في حين يترجم تعبير" إسرائيل الكبرى" في اللغة السياسية، لوصف تصورات توسعية متفاوتة أكثر منه تسمية قانونية رسمية.

أي يبقى الأمر في ظل "المفهوم"، ولا يعني خريطة واحدة ملزمة للدولة.

خطة آلون عام 1967

تاريخياً، تشابك هذا المفهوم مع الصهيونية التصحيحية، ثم مع حركات ما بعد 1967، وبعد حرب يونيو (حزيران) من هذا العام، أو الحرب العربية - الإسرائيلية الثالثة، نشأت "حركة أرض إسرائيل الكاملة"، وتوسعت المستوطنات كأداة لصناعة وقائع على الأرض.

وبالتوازي طُرحت خطط مثل "خطة آلون" التي قدمها الوزير الإسرائيلي السابق إيغال آلون لتأمين شريط أمني في الأغوار وإحكام السيطرة شرق الضفة الغربية، وهي التي ظلت تلهم هندسة السيطرة حتى اليوم. وقضت الخطة بتقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل والأردن وإقامة دولة درزية في هضبة الجولان جنوب سوريا الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي وإعادة غالبية شبه جزيرة سيناء إلى السيطرة العربية.

وكان الهدف العام للخطة هو ضم معظم غور الأردن من النهر إلى المنحدرات الشرقية لحافة تلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وكتلة "جوش عتصيون" (أكبر التكتلات الاستيطانية في الضفة الغربية) إلى إسرائيل. أما الأجزاء المتبقية من الضفة الغربية التي يقطنها فلسطينيون، فكانت ستصبح أراضي تحت الحكم الذاتي الفلسطيني، أو ستعود إلى الأردن، على أن تتضمن الخطة ممراً من الضفة إلى الأردن من خلال أريحا، لكن الملك الأردني حينها الحسين بن طلال رفضها. وتوفي آلون عام 1980، وفي العام التالي صدقت الحكومة الإسرائيلية على قانون هضبة الجولان، لتضم فعلياً غالبية المحافظة.

خرائط لا تتطابق

بالعودة إلى فكرة "إسرائيل الكبرى" يمكن تفسير ثلاث صيغ لهذا المفهوم:

أولاً، الصيغة الضيقة، وهي الصيغة السياسية، أي تعبير "من البحر إلى النهر"، واعتبار الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة ضمن أرض إسرائيل الخاضعة للسيادة الفعلية أو المرغوبة، وهي التي ظهرت بوضوح في خرائط نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2023، والتي أزالت الكيان الفلسطيني عن الخريطة، وفي خريطة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بباريس في العام ذاته، والتي ضمت الأردن بصفته "إسرائيل التاريخية" بحسب الطرح اليميني المتشدد.

ثانياً، الصيغة الوظيفية، وتعني سيطرة بلا إعلان ضم شامل، أي إدارة المجال الحيوي عبر استيطان مفاصل ومناطق عازلة وممرات وضم وزحف بدلاً من ترسيم حدود نهائية. والمثال الأبرز اليوم هو إقرار مشروع E1 (أغسطس 2025) الذي يقطع تواصل الضفة فعلياً، وممر "نتساريم"، أي الأحزمة داخل غزة، والتي تشطر القطاع وتنشئ منطقة عازلة واسعة.

ثالثاً، الصيغة القصوى، وهي صيغة أقرب إلى الإنشاء، أي عبارة "أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، وتتداول في خطاب ديني - أيديولوجي وإعلام جدلي، أكثر من كونها سياسة دولة معتمدة، كما أن أسطورة خطي علم إسرائيل، النيل والفرات، منفية في المصادر اليهودية والرسمية.

"بلاد الشام الكبرى"

لكن على المقلب الآخر، ماذا تعني عبارة "بلاد الشام الكبرى"؟

عملياً، المصطلح ليس مصطلحاً جديداً في الذاكرة السياسية للمشرق، لكنه اليوم يعود بلباس مختلف وأقرب إلى لغة الضغط والتهويل منها إلى مشروع اندماجي متماسك، فيما نادى مؤسس "الحزب السوري القومي الاجتماعي" أنطون سعادة عام 1932 بـ"الأمة السورية" أو "سوريا الكبرى"، ورفع شعار "سوريا للسوريين، والسوريون أمة تامة".

تاريخياً، ارتبطت "الشام الكبرى" بفكرة وحدة جغرافية - حضارية تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وهي مساحة صاغت هويتها المشتركة عوامل دينية ولغوية وتجارية قبل أن تفصلها حدود "سايكس - بيكو "مطلع القرن الـ20، وهذه الحدود رسمت دولاً حديثة هشة حملت تناقضات طائفية واقتصادية، ووقعت لاحقاً في أسر النزاعات العربية - الإسرائيلية.

لكن في السياق الراهن، عودة التعبير عبر تصريحات توم براك لم تقصد لإحياء مشروع مشرقي وحدوي بقدر ما جاءت كأداة تحذير سياسي، أي التلويح بأن انهيار الدولة اللبنانية وعجزها عن ضبط السلاح غير الشرعي قد يفتحان الباب أمام إعادة هندسة الحدود نفسها، وربطها بإطار فوق - قطري يذكر بمفهوم "الشام الكبرى". بمعنى آخر، إن "الشام الكبرى" هنا ليست حلماً قومياً، بل فزعة جيوسياسية تستثمر في رهاب انهيار "سايكس - بيكو".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل تستمد العبارة زخمها من ثلاثة عناصر متقاطعة:

أولاً، هشاشة الدولة الوطنية، حيث تسود أزمات سيادية عميقة في لبنان وسوريا، ويقع الأردن تحت ضغط جيوسياسي واقتصادي، في حين أن فلسطين تخضع لهندسة إسرائيلية أمنية بطبيعة الحال.

ثانياً، التبدل في خطاب القوى الدولية، بحيث يُوحي الاستخدام الأميركي لتعبير "الشام" بأن البديل عن الترتيبات الأممية (1701 في لبنان) قد يكون إطاراً فوق - قطري، يعيد ترتيب الأمن والاقتصاد.

وثالثاً، وفي البعد السيكولوجي الرمزي، فإن التعبير عابر للذاكرة الجماعية، وعبر استدعاء "بلاد الشام" يعيد إلى الأذهان فكرة وحدة الأرض والمصير، لكن توظيفها اليوم يتم على نحو مغاير، أي كأداة ابتزاز سياسي، وليس مشروعاً نهضوياً.

إذاً، "بلاد الشام الكبرى" في خطاب اليوم ليست برنامجاً قابلاً للتنفيذ، بل ورقة ضغط على الطاولة، وتستخدم للتذكير بأن الدول المشرقية إذا فشلت في صيانة سيادتها، فسيتحول الفراغ إلى مشاريع هندسة حدودية عابرة للدولة الوطنية.

المنطقة بين مشروعين

هل المنطقة فعلاً تتأرجح بين مشروعين، "إسرائيل الكبرى" و"بلاد الشام الكبرى"؟

من الثابت أنه ليست هناك حركة متذبذبة بين مشروعين متكافئين. وما يجري عملياً هو مسار إسرائيلي وظيفي يتقدم بأدوات تنفيذ ميدانية كالاستيطان وأحزمة أمنية وممرات الضبط، والترتيبات التي يحكى عنها عن خطوط تماسٍ جديدة، وهو امتداد عملي لأفكار "أرض إسرائيل الكاملة - الكبرى" منذ ما بعد 1967.

في المقابل تعود "الشام الكبرى" اليوم غالباً كـ"لغة ضغط" أكثر منها مشروع اندماجي جاهز، وتمتلك جذورها الفكرية القديمة من فكرة "سوريا - الشام الكبرى" عند أنطون سعادة المفكر القومي السياسي اللبناني، وتجربة "المملكة العربية السورية" (1918-1920)، لكن بلا رافعات مؤسسية واقعية في الراهن، بالتالي لا تتأرجح المنطقة بين مشروعين متساويين، بل تتجه افتراضياً نحو ترسيم وظيفي تراكمي تقوده إسرائيل، بينما تستخدم "الشام الكبرى" كرافعة خطابية وردعية لإكراه اللاعبين في المنطقة على تنازلات داخل الحدود القائمة.

السيناريوهات المتوقعة

تمتلك إسرائيل أدوات صلبة تتضمن قرارات تخطيطية وأمنية وقدرة على إدارة الحوكمة داخل المناطق التي تسيطر عليها، وهذا ظهر في خطاب نتنياهو و"خريطته" عام 2023، والتي أزالت فلسطين من الصورة تحت عنوان "شرق أوسط جديد" قائم على توسيع التطبيع ومشاريع البنى التحتية الإقليمية.

شرعية القانون الدولي

في المقابل يضع إطار قرارات مجلس الأمن ما بعد عام 1967، وتحديداً القرار رقم 242، ومن القرار رقم 2334 عام 2016، سقفاً قانونياً ضد الضم والاستيطان، ويؤكد "حدوداً آمنة ومعترفاً بها"، عبر التفاوض، لا بفرض الأمر الواقع، لكنه سقف لا يملك آلية تنفيذية، من هنا يصطدم هذا المسار بهذا السقف، من دون أن يتوقف تلقائياً، وبقوة القانون.

فما السيناريوهات المتوقعة وبحسب المعطيات خلال الـ12 والـ18 شهراً المقبلين؟

"الوظيفية الأمنية" الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية

في لبنان يتجه الوضع نحو تشديد الرقابة على السلاح جنوب الليطاني وتوسيع نطاق المراقبة البرية والجوية، كما أن هناك مطلباً أميركياً بضرورة نزع سلاح الميليشيات على كامل الأراضي اللبنانية، وبخاصة سلاح "حزب الله". هذا المسار يؤدي عملياً إلى تقليص قدرة الفعل العسكري للحزب مقابل تمدد تدريجي لترتيبات إسرائيلية – دولية تضبط حركة الأفراد والسلاح، لكن اندلاع جولات القتال المتكررة، وبخاصة ما بعد "حرب الإسناد"، سيفرض واقعاً جديداً يتمثل في منطقة عازلة متغيرة العمق مع إخلاءات مدنية في القرى الحدودية، وهذا يعزز منطق "الوظيفية الأمنية" الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية.

جنوب سوريا (القنيطرة – درعا – السويداء)

في المقابل تبدو المنطقة في الجنوب السوري وكأنها ذاهبة نحو تثبيت وضع قائم منخفض التوتر عبر ضربات إسرائيلية مركزة على أهداف محددة، بهدف تقليص ما تعده تهديداً لأمنها قرب الحدود والإبقاء على الجنوب السوري كـ"منطقة تماس مرنة". وهذا ما أشار إليه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي تعهد بقاء قوات الجيش الإسرائيلي في سوريا للدفاع عن الشمال الإسرائيلي، وكان أشار بصورة واضحة إلى تسعة مواقع ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، ويقع معظمها ضمن المنطقة العازلة التي توجد فيها الأمم المتحدة بين البلدين، وتصل في بعض نقاطها إلى عمق 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية. وتحدثت تقارير إعلامية وأمنية عن الترتيبات الأمنية التي يجري الحديث في شأنها بين البلدين، وحول "نزع السلاح" السوري بصورة كاملة من جنوب دمشق حتى السويداء ذات الغالبية الدرزية. وتحت عنوان "ممر إنساني" يمتد من إسرائيل وصولاً إلى جبل العرب بالسويداء، تسعى إسرائيل إلى الإبقاء على حرية توغلها بين الحين والآخر، واستخدام هذا الممر في دوريات أمن وأعمال استخبارات للتأكد من عدم وجود تهديدات مستقبلية.

كيف ينظر القانون الدولي إلى هذه المسارات؟

الضم الرسمي الإسرائيلي للقدس الشرقية عبر قانون 1980 وقانون الجولان عام 1981، كلاهما غير معترف به دولياً، بحسب قرار مجلس الأمن رقم (497)، وهذه سوابق تبين قابلية توسيع السيادة أحادياً عندما تتوفر نافذة سياسية داخلية، حتى لو بقيت قرارات متنازع عليها دولياً. وفي الترجمة الواقعية الراهنة تثبتت إسرائيل سيطرة أمنية - لوجيستية طويلة الأمد من دون تصريح بحدود نهائية، وذلك عبر دمج الاستيطان بخطط ربط و"أمن دائم" في الضفة (E1) وهندسة الطرق والممرات في غزة وأحزمة تمتد إلى 700–1100 متر، وذلك بحسب تقارير أممية ومنظمات دولية.

لماذا يتقدم مشروع "إسرائيل الكبرى" في المنطقة؟

يقوم المشروع الإسرائيلي على أدوات تنفيذية ملموسة يمكن تسميتها "الوظيفية التوسعية"، في حين أن استعمال مصطلح "بلاد الشام الكبرى" يبقى في إطار التلويح لفرض سلوكيات أمنية داخل الحدود القائمة، كما أن "إسرائيل الكبرى" ليست قانوناً نافذاً ولا خريطة رسمية موحدة، بل هي طيف من التصورات، تبدأ من قراءة دينية متشددة، مروراً ببرنامج سياسي - استيطاني تبلور بعد حرب 1967، وصولاً إلى نموذج راهن يقوم على السيطرة التدريجية بين عامي 2023 و2025. وهذا النموذج يدمج الاستيطان مع الأحزمة والممرات، ويتحكم في حركة السكان والموارد من دون إعلان حدود نهائية. والجديد ليس في الخطاب فحسب، كما ظهر في خرائط نتنياهو وسموتريتش، بل في أدوات التنفيذ، كالقرارات الاستيطانية، والمناطق العازلة في غزة، وتلك التي يحكى عنها على الحدود الجنوبية للبنان وسوريا، والتي تعيد تعريف الحدود كآلية ضبط متحركة، أي إن جوهر النسخة الحالية من "إسرائيل الكبرى" هو توسع بلا إعلان رسمي، يراكم الوقائع على الأرض، ثم يفاوض عليها.

هذه النسخة ليست استدعاءً توراتياً ولا خطة ضم شامل تقليدية، إنها هندسة أمنية - اقتصادية لإدارة المجال الحيوي المحيط بإسرائيل عبر طبقات متداخلة، وممرات تفصل وتتحكم كما في غزة، كتل استيطان، وتقطيع أوصال التواصل، كما في الضفة، وترتيبات تماس شمالاً وجنوباً تحول الحدود من خط سياسي إلى وسيلة ضبط متحركة. وهنا تُستبدل بلغة الخرائط لغة الحدود، وتصبح السيادة درجات متفاوتة، مناطق منزوعة من المدنيين، ومراقبة صارمة للحركة، وسيطرة غير مباشرة على الموارد والطاقة والمعابر.

مشروع إسرائيلي يعمل بأدواته على الأرض

لذا تبرز فرضية هذا التحليل، أي إن المنطقة ليست أمام مشروعين قوميين يتصارعان على شكل المشرق، بل أمام مشروع إسرائيلي يعمل بأدواته على الأرض، في مواجهة إطار لغوي - سياسي يستخدم كرافعة ضغط. الصراع الحقيقي ليس بين "إسرائيل الكبرى" و"الشام الكبرى"، بل بين سيادة كلاسيكية تتآكل ووظيفية عابرة للحدود تتمدد.

ويعزز هذا الاتجاه اجتماع أربعة محركات أساسية هي هشاشة الدول الوطنية في جوار إسرائيل وتحويل الطاقة والممرات إلى قضية أمن قومي وإنهاك الأطر الأممية والقانونية وتفريغها تدريجاً واتساع اقتصاد الحرب والميليشيات بما يفرض خرائط أمن بديلة.

هكذا يميل الميزان لمصلحة المشروع الذي يمتلك أدوات التنفيذ ولو بلا خريطة نهائية، في مواجهة رؤية فوق - قطرية تستخدم كأداة تفاوض وتخويف أكثر منها خطة اندماج مشرقي حقيقية.

في المحصلة، تعيش المنطقة اليوم اختباراً مزدوجاً، "إسرائيل الكبرى" كمنظومة توسعية وظيفية تترجم إلى قرارات وخرائط ميدانية، مقابل "بلاد الشام الكبرى" التي تبقى لغة تحذير وضغط، وإذا لم تتبلور مظلة تسوية ملزمة، أي اعتراف واضح بدولة فلسطين وترتيبات أمنية قابلة للقياس وضمانات حدودية، فسيتقدم المشروع الإسرائيلي الوظيفي لأنه يعمل بمنطق قضم الأرض والوقت، لا بمنطق صفقة نهائية متكاملة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل