Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يشهد العالم ولادة نماذج اقتصادية هجينة؟

يمكن للمنطقة العربية الانتقال من دور "الممر التجاري" إلى "المحرك الاقتصادي" والإسهام بفاعلية في تشكيل النظام الدولي الجديد

الموقع الجغرافي للعالم العربي، خصوصاً موانئ الخليج، يمنح المنطقة فرصة نادرة لتصبح لاعباً رئيساً في سلاسل الإمداد. (أ ف ب)

ملخص

الوضع الاستثنائي الذي يعيشه العالم يتطلب التحوط وتأمين حصانة تشغيلية عبر تحديد مكامن خطر انقطاع سلاسل التوريد، وتنويع النشاط الاقتصادي جغرافياً على نطاق عالمي جديد.

ربما كانت جائحة "كوفيد-19" أبرز من سلط الضوء على العولمة، سواء بإيجابياتها أو سلبياتها، إذ كان من المذهل رؤية تكيف شبكة التجارة العالمية مع اضطراب عالمي غير مسبوق، ونقل السلع إلى وجهاتها المطلوبة بحد أدنى من الانقطاع (في سياق جائحة عالمية)، ومع ذلك كشفت الجائحة أيضاً عن مواطن ضعف مفرطة أعاقت فعالية النظام التجاري في مواجهة الصدمات.

أثارت كورونا والاضطرابات الأخيرة والتحولات السياسية المفاجئة تساؤلات حول قدرة العولمة والفوائد المرتبطة بها على الاستمرار، واليوم هناك اتجاه قوي يشير إلى ظهور نماذج اقتصادية هجينة تجمع بين العولمة والإقليمية، مبتعدة عن العولمة الصرفة التي لا تعرف الحدود. وتتميز هذه النماذج بتحولات في ديناميكيات القوة الجيوسياسية، وصعود تكتلات اقتصادية غير غربية مثل مجموعة "بريكس"، وتطور نماذج مالية بديلة تتحدى الأنظمة القائمة الذي يهيمن عليه الغرب. وتسعى هذه النماذج الهجينة إلى الاستفادة من الترابط العالمي، مع التركيز في الوقت نفسه على نقاط القوة الإقليمية، ومرونة سلاسل التوريد، والمصالح الاقتصادية الوطنية بالدرجة الأولى.

جائحة كورونا لم تكن وحدها من وجهت ضربة لنظام العولمة القائم، فالرسوم الجمركية الشرسة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على معظم بلدان العالم رفعت معدلات الحمائية التجارية، مع استمرار تأثر الأسواق التجارية والمالية العالمية بهذه الرسوم.

التاريخ يزخر بالأدلة على أن الرسوم الجمركية تعرقل الأداء الاقتصادي ولا تحقق الأهداف المرجوة، فنظريات كل من آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" (1776) وقانون الميزة النسبية لديفيد ريكاردو (1817) تدحض عقيدة الميركانتيلية (نظام اقتصادي تجاري ساد في أوروبا من القرن الـ16 إلى القرن الـ18، يهدف إلى تعزيز قوة الدولة وثروتها عبر زيادة الصادرات وتقليل الواردات) وفكرة أن العالم لعبة ذات مجموع صفري، وتهدف إلى تعظيم فائض الميزان التجاري.

وعلى رغم الضغوط التي تعرضت لها التجارة العالمية، لا يزال كبير استراتيجيي السوق والاقتصاد في مجموعة "زيورخ للتأمين"، العضو في مجتمع كبار الاقتصاديين في المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، جاي ميلر، متفائلاً بمستقبل التجارة العالمية في ظل نظام العولمة القائم، ففي مقال له نشر على موقع المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس"، أكد ميلر أن التجارة العالمية ستظل في قلب دفع الازدهار، لكنها ستتخذ أشكالاً جديدة. وأشار إلى أن النمو في التجارة العالمية أصبح أقل سرعة مقارنة بالعقود الماضية، إذ أسهمت العوامل مثل سقوط جدار برلين، وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، والاستهلاك الأميركي المفرط، في نمو التجارة بصورة كبيرة.

تقليل الاعتماد على مصدر واحد

ويرى ميلر أن هذه التغيرات قد تكون إيجابية، إذ ستؤدي إلى عولمة أكثر توازناً ومرونة، وأضاف أن الشركات بدأت في تنويع سلاسل التوريد لتقليل الاعتماد على مصدر واحد، وهو ما يعرف بمبدأ "الصين +1".

أشار إلى أن الرسوم الجمركية المرتفعة قد تؤدي إلى زيادة الأسعار وتقليل الخيارات للمستهلكين، مما يؤثر في الاقتصاد بصورة عامة، ومع ذلك يرى أن القوى السوقية ستظل تدفع نحو استمرار التجارة العالمية، على رغم التحديات الحالية.

"اندبندنت عربية" توجهت لمجموعة من أبرز المحللين الاقتصاديين والماليين، لسؤالهم عما إذا كنا نشهد إعادة تعريف لـ"العولمة الاقتصادية" وربما ولادة "عولمة بديلة"، وللوقوف على ما تغير في سلاسل الإمداد منذ أفول الجائحة، وللوقوف على الدور الذي يمكن للعالم العربي لعبه في عملية التحول الاقتصادي الحاصلة.

ما أهمية تفعيل دور الدول العربية والخليجية في صناعة اللوجيستيات؟

قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد للأوراق المالية والاستثمار" في الإمارات، وضاح الطه، إن الحديث عن سلاسل الإمداد برز بقوة خلال جائحة كورونا، وأشار إلى أن تركز الإنتاج والتصنيع في وجهات محددة من العالم، وبخاصة في الصين، أدى إلى انطلاق سلاسل الإمداد منها إلى دول العالم.

ويرى الطه أن التحدي الأكبر في توقيت الأزمات والأخطار يكمن في حدوث تأخر لأي سبب من الأسباب في مركز معين من مراكز الإمداد في العالم، مما يؤثر بصورة متسلسلة ومتوالية على عمليات الإمداد والتجهيز والاستيراد والبيع، ومن ثم الاستهلاك.

وأضاف أن التباطؤ في سلاسل الإمداد يقود إلى تباطؤ في الاستهلاك، وربما يؤدي إلى إيجاد بدائل قد تكون غير مهيأة في السابق، لذا تكون كلفتها عالية، مما يؤدي إلى التأثير في معدلات التضخم.

ويستطرد الطه بالقول إن الموضوع لا يتعلق بالصين فحسب، وإنما يتعلق بالدولة المستوردة، إذ تجب دراسة تنوع مصادر الاستيراد مع الأخذ في الاعتبار كلفة الاستيراد وكذلك القطاعات الاستراتيجية التي تؤثر في عمليات الإمداد، وفي مقدمها الأمن الغذائي والجانب الصحي.

من جانب الأمن الغذائي، حث الطه على ضرورة أن يكون هناك تنوع في مصادر الاستيراد، وأن يكون هناك قدرة على التحكم في مصادر الإنتاج، وقال "كانت هناك محاولات جادة ومهمة للغاية من قبل بعض الدول في سبعينيات القرن الماضي للاستحواذ على مساحات زراعية كبيرة في دول مستهدفة، بخاصة في المنتجات الزراعية التي تستهلك بصورة كبيرة في هذه الدول.

ووجدت هذه البلدان مراكز إنتاج زراعي لمنتجاتها الغذائية، بما فيها الحبوب والمنتجات الأخرى، إما عبر تصنيعها في الدولة نفسها التي استحوذت فيها على قطع أراض زراعية، أو تحويلها إلى الدولة التي تمتلك تلك الأراضي الزراعية وتحويلها إلى تصنيع أو البيع بصورتها الأولى".

ويضيف أن هذا الموضوع مهم للغاية في ما يتعلق بتوفير الكلفة وتحقيق سيطرة أكبر على سلاسل الإمداد، وأن بالإمكان امتلاك أسطول نقل بحري للاستحواذ على السلسلة بالكامل، ومن ثم التقليل إلى حد كبير من احتمالات التأخر.

ماذا عن أهمية تفعيل دور الدول العربية والخليجية؟

ويشير إلى أن هذا ينطبق بصورة خاصة على الدول العربية، إذ لاحظنا التأثير السلبي للحرب الروسية - الأوكرانية، وبخاصة في مجال الحبوب، على بعض البلدان العربية التي يتركز استيرادها لبعض الحبوب من روسيا وأوكرانيا.

وقال الطه "على سبيل المثال، هناك ولا تزال إحدى الشركات الزراعية في أبوظبي تستحوذ على أراض زراعية في شرق أوروبا، وتمتلك مساحات زراعية شاسعة في أكثر من دولة، ومن ثم فهي تتحكم في الإنتاج الزراعي وتوجيهه، وربما تصنيع الإنتاج الزراعي لمنتجات غذائية، مما يقلل من الأخطار".

هناك نموذج آخر من القطاع الخاص السعودي، إذ كانت هناك استحواذات مشابهة على أراض زراعية بمساحات شاسعة في أفريقيا، مثل الاستحواذ على أراض زراعية في إثيوبيا وصناعة الألبان بها.

وأضاف "ربما برز الاهتمام بسلاسل الإمداد في فترة كورونا، لكن على الدول التي لا توجد فيها أراض زراعية كافية، مثل دول المنطقة، أن تعمل على مثل هذه الاستراتيجيات، بما فيها امتلاك أسطول بحري لسلاسل الإمداد. ليس شرطاً أن يكون حكومياً، فقد يكون من القطاع الخاص أو عبر شراكة حكومية مع القطاع الخاص".

وتحدث عن أهمية تفعيل دور الدول العربية والخليجية تحديداً في أن تؤدي دوراً في صناعة اللوجيستيات في النقل والتخزين بصورة خاصة والموانئ، بخاصة أن الموانئ في الخليج في وضعية ممتازة وهي عالية التجهيز، ويقترح أن تكون هناك أساطيل بحرية وأساطيل نقل بري في المنطقة، وأن تكون هناك مراكز صناعية لبعض الصناعات في دول مجاورة محيطة بالمنطقة، بحيث تشكل جزءاً ليس فقط من خريطة اللوجيستيات، إنما في خريطة الإنتاج.

ويقول المتحدث "ليس بالضرورة أن يكون الإنتاج والتصنيع في الدولة نفسها، ولكن على العكس من ذلك، يمكن أن يكون في أكثر من دولة لتعزيز التنافسية. كذلك يمكن للصناديق السيادية، خصوصاً الخليجية، أن تؤدي دوراً مهماً في تشكيل استراتيجية اقتصادية مهمة، أشمل من تلك التي نعتمدها حالياً".

هل يمكن للعالم العربي التحول من دور "الممر " إلى دور "المحرك " للعالم؟

وقال رئيس قسم الشؤون الاقتصادية والدبلوماسية في المنظمة الأوروبية للسياسات، ناصر زهير، إن جائحة كورونا لم تكن مجرد أزمة صحية عابرة، بل كشفت عن خلل عميق في البنية الاقتصادية العالمية، وعرت هشاشة منظومة العولمة التي سادت عقوداً.

وأوضح زهير أن الأزمات التي رافقت الجائحة، من نقص في الكمامات إلى تعطل سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، أثبتت أن الاعتماد المفرط على مراكز إنتاج محددة جعل كثيراً من الدول رهينة لأزمات خارجة عن سيطرتها. وأضاف أن هذه التجربة شكلت نقطة تحول في مفهوم الأمن الاقتصادي، إذ بات الأمن الغذائي والصناعي في صلب استراتيجيات الدول، التي لم تعد تركز فقط على تقليص الكلفة، بل أصبحت تسعى بجدية إلى تنويع مصادر الإنتاج وتعزيز القدرات الإقليمية.

وأشار زهير إلى أن العالم يتجه نحو نموذج جديد من "العولمة البديلة"، لا يلغي الترابط الدولي، بل يعيد صياغته ضمن أطر أكثر واقعية وتوازناً، لافتاً إلى أن الرهان الكامل على مراكز إنتاج موحدة لم يعد خياراً آمناً، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن الاقتصادي والسيادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا السياق، يرى زهير أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للعالم العربي، خصوصاً موانئ الخليج والبحر المتوسط، يمنح المنطقة فرصة نادرة لتصبح لاعباً رئيساً في سلاسل الإمداد الجديدة، بل ومركزاً صناعياً بديلاً قادراً على تلبية حاجات الأسواق الآسيوية والأوروبية في آن واحد.

وشدد على أن العالم العربي، إذا ما أحسن استغلال هذا التحول، يمكنه الانتقال من دور "الممر التجاري" إلى دور "المحرك الاقتصادي"، والمساهمة بفاعلية في تشكيل النظام الاقتصادي العالمي الجديد.

واختتم زهير بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة توزيع لمراكز الإنتاج حول العالم، من خلال نماذج اقتصادية هجينة تمزج بين العولمة والإقليمية، مؤكداً أن من يسارع في الاستثمار بالموانئ والبنية الصناعية المرتبطة بها، سيكون جزءاً من معادلة القوة الاقتصادية المقبلة، في حين أن من يتأخر، سيظل حبيس دور السوق الاستهلاكية الهامشية.

 هل طريق "العولمة البديلة" لا يزال مليئاً بالعقبات التمويلية والتنظيمية؟

قال الرئيس التنفيذي لشركة "أف أتش كابيتال"، طارق قاقيش، إن انهيار سلاسل الإمداد، بخاصة مع بدايات الجائحة في الصين، كشف عن هشاشة النظام الاقتصادي العالمي، مشيراً إلى أن تجارة السلع تراجعت حينها بنسبة 5.3 في المئة، في حين هوت تجارة الخدمات بأكثر من 21 في المئة.

وأوضح قاقيش أن الأزمة أظهرت خطورة تمركز الإنتاج في منطقة واحدة، مما جعل الاقتصاد العالمي مرتهناً للصين، لا سيما في الصناعات الحيوية مثل الكمامات والرقائق الإلكترونية والمواد الأساسية الأخرى التي تدخل في حاجاتنا اليومية. وأضاف "أدركت كثير من الدول هذا التحدي، وبدأت باتخاذ خطوات لتنويع مصادرها وتشجيع الإنتاج المحلي، لكن أعتقد أن الحلول لن تكون سهلة، فمسار الانتقال إلى 'عولمة بديلة' أكثر تنوعاً وإقليمية لا يزال مليئاً بالعقبات التمويلية والتنظيمية". وتابع "نحن في حاجة إلى استراتيجيات طويلة المدى وصبر، وليس إلى حلول سريعة، إذ إن هذه الإجراءات ستكون مكلفة، وقد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، على رغم آثارها الإيجابية في اقتصادات الدول التي تتجه نحو تصنيع بدائل محلية".

وفي سياق متصل، أشار طارق إلى أن ما نشهده اليوم من تغيرات في السياسات التجارية – وعلى رأسها الرسوم الجمركية الأميركية – يعكس تحولاً مماثلاً، إذ فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 100 في المئة على السيارات الكهربائية الصينية، و50 في المئة على واردات الرقائق.

وقال "أجبرت هذه الإجراءات الشركات المتعددة الجنسيات على إعادة النظر في استراتيجياتها، وأدى ذلك إلى تراجع حصة الصين من واردات الولايات المتحدة من 21.6 في المئة عام 2018 إلى 13.4 في المئة في 2024".

واختتم طارق بالقول "على رغم أن هذه الخطوات قد تعزز مناعة المنتج المحلي، وتجعل الشركات الأميركية المستفيد الأكبر، فإنها قد تجعلها أقل تنافسية وابتكاراً. التأثير النهائي سيختلف من دولة إلى أخرى، بحسب عوامل مثل معدلات البطالة والتضخم".

هل يتطلب الوضع الاستثنائي للعالم اليوم التحوط؟

وقال المتخصص في العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الصياد، إن الحياة الاقتصادية الدولية أصبحت، بمقتضى الواقع، حالاً من الشد والجذب، تراوح بين الأخذ والرد، والتقدم والتراجع، والعلو والانخفاض، حتى لم يعد للاستقرار مكان في قاموس الممارسة الاقتصادية الدولية، في الأقل في الأمد القريب، إذ حلت كلمتا "الشد والجذب" مكان الاستقرار، واستبدلت بمواد العلاقات الاقتصادية التقليدية مواد جديدة من قبيل حرب العقوبات، وحرب الرسوم الجمركية، وحرب الاستحواذ على المرافئ، والطرق البحرية التي تسلكها ناقلات وبواخر الشحن العالمية. وأضاف "بضربة واحدة، دق المسمار في نعش إنجازات المفاوضات المتعددة الأطراف التي استمرت ثمانية عقود في إطار مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي (التجاري والنقدي) الذي أسس عقب الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم في تدويل عوامل الإنتاج، من موارد طبيعية ورأسمال وقوى عاملة ومعارف وتقنيات وريادة أعمال، إلا أن الضربة القاضية جاءت من الولايات المتحدة، التي قررت تصفية تلك الإنجازات بلحظة فاصلة، ضامنة ألا تفرق بين صديق أو غير صديق، فأدخلت الجميع في صفقتها الجديدة القائمة على الانقطاع عن الاتفاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية والمتعددة الأطراف".

وأوضح الصياد أن الفوضى أصبحت سيدة الموقف عالمياً، وأن المنطقة العربية (الشرق الأوسط بحسب السردية الاستشراقية) هي الساحة الأكثر سخونة لهذه الفوضى الهجينة، وتعاني الحروب الساخنة المتناثرة سواء داخل المنطقة، مثل حرب الإبادة والتجويع في غزة والحرب الأهلية في السودان والحروب الأهلية المتنقلة في سوريا ما بعد رحيل بشار الأسد، وخارجها الحرب الروسية – الأوكرانية، واستنفار القوى الكبرى بالنسبة إلى تايوان، والتوترات بين إسرائيل وإيران، وبين تايلاند وكمبوديا، وقبلها بين الهند وباكستان.

وقال الصياد إن ما كان يوصف بالجسور المؤكدة في العلاقات الاقتصادية الدولية تحول إلى "مزحة سمجة"، بما في ذلك شبكات الإمداد المهددة بالتوقف في أي لحظة، سواء لأسباب جيوسياسية أو عقوبات اقتصادية ثانوية أو رسوم جمركية فلكية تحيل جهود التصدير إلى خانة الاستحالة، وتحويل ممرات الناقلات وسفن الشحن التجارية العالمية، بسبب اكتظاظ البحار والمحيطات بانتشار واستعراض عسكري غير مسبوق إلى "مصائد أسماك" غير آمنة.

واختتم الصياد بالقول "الرد المنطقي لجميع الدول على هذا الوضع الاستثنائي، الواقع عملياً بين ضفتي اللاحرب واللاسلم الاقتصاديتين، يتمثل في التحوط وتأمين حصانة تشغيلية عبر تحديد مكامن خطر انقطاع سلاسل التوريد، وتنويع النشاط الاقتصادي جغرافياً على نطاق عالمي جديد، حتى وإن تطلب ذلك كلفة إضافية لتقديم مراكز بديلة وتغيير الأسواق والشركاء".

هل سيشهد العالم مزيداً من حروب الرسوم التجارية؟

من جانبه يرى المحلل المالي حسن الريس، أن جائحة "كوفيد-19" كانت بمثابة دروس قاسية ومهمة لكثير من الدول والأفراد على حد سواء، فبينما ركز البعض على مواجهة الجائحة من منظور صحي، استغلت بعض الحكومات هذه الفرصة لاستكشاف سبل جديدة للسيطرة على السكان، من خلال توظيف التكنولوجيا الحيوية والرقمية لمراقبة الأفراد من كثب.

وأضاف الريس أن الجائحة لم تأت من دون كلفة باهظة، إذ شهد العالم ارتفاعاً في معدلات البطالة، وإفلاس كثير من الشركات، وتضررت معظم القطاعات الاقتصادية، بخاصة قطاع السياحة والطيران، كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، لا سيما في قطاع الشحن الجوي، الذي يعد العمود الفقري لحركة البضائع عالمياً.

واستطرد الريس قائلاً "أدركت دول كثيرة أنها لم تكن مستعدة لمثل هذه الأزمات المفاجئة. وعلى رغم أن فكرة ندرة الغذاء ليست جديدة، إذ تمتلك بعض الدول مخزونات استراتيجية من المواد الغذائية طويلة الأجل، فإن الوعي بأهمية الأمن الغذائي تعمق أكثر، سواء على مستوى الحكومات أو الأفراد." وقال "نتيجة لذلك، أصبحت الأراضي الزراعية محل طلب متزايد، سواء من قبل الدول أو حتى الأفراد، لدرجة أن بيل غيتس وجيف بيزوس أضحيا اليوم من أكبر مالكي الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة."

ويعتقد الريس أنه مع تصاعد النزعات الحمائية، يتوقع أن يشهد العالم مزيداً من "حروب الرسوم الجمركية"، إذ قد تستخدم بعض الدول السلع الغذائية الأساسية، مثل الرز والحبوب، كأدوات ضغط أو حتى كأسلحة دفاعية في وجه الأزمات المقبلة.

اقرأ المزيد