Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدن مصر الذكية... ملامح رقمية لم تتشكل

يعتبر البعض أن مصطلح "المدينة الذكية" يستخدم في مصر بصورة تسويقية أكثر من كونه توصيفاً علمياً دقيقاً في ظل غياب البنية الفنية والتقنية اللازمة

تعتمد المدن الذكية على تكنولوجيا متكاملة لمراقبة وإدارة كل ما يحدث داخلها (رويترز)

ملخص

يطرح متخصصون في التخطيط العمراني وتكنولوجيا المعلومات تساؤلات حول مدى تطابق هذه مشروعات المدن الجديدة في مصر مع المفهوم العالمي للمدن الذكية التي تقوم على بنية تحتية رقمية متكاملة وأنظمة مؤتمتة وتحليل لحظي للبيانات وربط فعلي بين مختلف المرافق والخدمات عبر تكنولوجيا موحدة

بينما تتسارع في مصر وتيرة إنشاء مدن جديدة تحت تسميات مثل "مدن الجيل الرابع" و"المدن الذكية" ضمن استراتيجية دمج التكنولوجيا في البنية العمرانية وتحسين جودة الخدمات تبقى فاعلية هذا التحول محل نقاش واسع في الأوساط المتخصصة. وتشمل هذه المدن العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وحدائق أكتوبر وغيرها من المشروعات التي يروج لها باعتبارها تمثل انتقالاً نحو نمط عمراني قائم على الحلول الرقمية.

وبحسب تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري في أكتوبر (تشرين الثاني) 2023، يشير مصطلح "المدن الذكية" إلى التجمعات العمرانية المبتكرة التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بهدف تعزيز كفاءة الخدمات الحضرية، وتحسين جودة حياة السكان، وتلبية حاجات الأجيال الحالية والمقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعرف التقرير المدينة الذكية بأنها قائمة على ثلاث ركائز أساسية: تقنية واجتماعية وبيئية، مما يجعلها تضم في بنيتها مدينة معلوماتية ومعرفية وثالثة بيئية. وترتكز على ثلاثة عناصر رئيسة: المعلومات والأفراد والبيئة.

فيما يطرح متخصصون في التخطيط العمراني وتكنولوجيا المعلومات تساؤلات حول مدى تطابق هذه المشروعات مع المفهوم العالمي للمدن الذكية التي تقوم على بنية تحتية رقمية متكاملة وأنظمة مؤتمتة وتحليل لحظي للبيانات وربط فعلي بين مختلف المرافق والخدمات عبر تكنولوجيا موحدة.

هل المدن الجديدة ذكية؟ 

وبحسب الأستاذ المساعد بكلية تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحاسب بجامعة النيل إسلام ثروت يستخدم مصطلح "المدينة الذكية" في مصر بصورة تسويقية أكثر من كونه توصيفاً علمياً دقيقاً. فالمدينة الذكية، كما يوضح، تعتمد على تكنولوجيا متكاملة لمراقبة وإدارة كل ما يحدث داخلها، بداية من النقل الذكي، مروراً بإدارة النفايات والخدمات الحكومية، وصولاً إلى البنية التحتية الذكية، والاعتماد على المركبات الذاتية القيادة.

ويفند المتخصص تكنولوجيا المعلومات رؤيته بالقول إن ما ينفذ في مصر هو إنشاء مدن جديدة تحمل بعض الملامح الرقمية المحدودة، لكنها لا ترقى إلى مستوى المدن الذكية الحقيقية في ظل وجود مشكلات في البنية التحتية وضعف في شبكات الاتصال وغياب نظم المراقبة الذكية، إلى جانب عدم التزام قواعد المرور وانتشار المخلفات في الشوارع والانقطاعات المتكررة في خدمة الإنترنت، فضلاً عن ازدحامات مرورية مستمرة ومناطق داخل المدن تفتقر إلى التنظيم، وهي ليست ملامح مدينة ذكية، بحسب تعبيره.

وفي تقرير آخر أعدته مساعد أول رئيس مجلس الوزراء لشؤون المتابعة راندة المنشاوي بعنوان "مدن الجيل الرابع ومستقبل التنمية العمرانية المستدامة في مصر"، ونشر في إصدار "آفاق مستقبلية" التابعة للمجلس تضمن أن مصر تضم 37 مدينة من مدن الجيل الرابع، من بينها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والجلالة وحدائق أكتوبر وملوي الجديدة وتوسعات مدينة الشيخ زايد، ووصفت بأنها مدن متكاملة ومستدامة.

 

وعلى الجانب الآخر من تلك الصورة يشتكي سكان مدن مصنفة ضمن هذا الجيل مثل حدائق أكتوبر وأكتوبر الجديدة من ضعف مستوى الخدمات مقارنة بمدن أخرى من التصنيف ذاته، مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة. وتتباين الآراء حول مدى تحقق المعايير الدولية في هذه المدن، إذ يرى بعض المتخصصين أن ملامح تقنية بدأت تتشكل، بينما يعتبر آخرون أن الواقع لا يتعدى مراحل أولية يغلب عليها الطابع الإعلامي، في ظل غياب البنية الفنية والتقنية اللازمة.

واعتبر ثروت أن تصنيفات مثل "مدن الجيل الرابع" أو "جامعات الجيل الرابع" مجرد تسميات لا تدعمها تطبيقات حقيقية، بينما المدينة الذكية تتطلب التزاماً صارماً بالمعايير التقنية والإدارية، ولا يكفي إطلاق الأسماء دون مضمون، مشيراً إلى أن وسائل النقل في عديد من المدن الذكية حول العالم دقيقة ومنظمة، إذ تصل المركبات في مواعيدها، بينما في المدن المصرية الجديدة لا تزال الإجراءات الحكومية تعاني البيروقراطية والزحام والتأخير على رغم بعض التحسن النسبي مقارنة بالماضي.

"المدن الذكية تعتمد على أنظمة مترابطة ومراقبة شاملة وتحليل بيانات ضخم وتوظيف الذكاء الاصطناعي لاستخلاص معلومات دقيقة تستخدم في تحسين حياة السكان". وضرب ثروت مثالاً على ذلك بغرف المراقبة في المرور، متسائلاً: "هل يمكن لأفراد أن يراقبوا جميع الشوارع عبر الشاشات دون استخدام أدوات ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات؟"، مشدداً على أن الاعتماد على الأفراد فقط دون تقنيات تحليل تلقائية غير عملي لمراقبة جميع المناطق وليست الشوارع الرئيسة فقط.

وبسؤاله عن أوجه القصور في بعض المدن المصنفة ضمن الجيل الرابع أشار إلى أن المدن الذكية تقوم في جوهرها على تكنولوجيات ناشئة، مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات بهدف تمكين المواطنين من اتخاذ قرارات فعالة بناءً على معلومات فورية، معتبراً أن البنية التحتية الضرورية لتحقيق ذلك لا تزال غائبة، إذ لا تتوفر شبكات متصلة، ولا مراكز تحكم ذكية، ولا أنظمة مراقبة آنية تغطي مختلف الخدمات.

وختم قائلاً "هناك دول أفريقية تعتمد على الزراعة الذكية لزيادة إنتاجها على رغم محدودية الموارد"، متسائلاً "هل نملك نحن أنظمة زراعة ذكية؟ هل نمتلك منظومة نقل ذكية أو إدارة نفايات تعتمد على أدوات تحليل وقياس؟".

أين مدن الجيل الأول والثاني والثالث؟

يتفق العميد السابق لكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة سامح العلايلي مع الطرح السابق، معتبراً أن تصنيفات مثل "مدن الجيل الرابع" لا تستند إلى أساس علمي. وتساءل، "إذا كنا ننشئ مدناً من الجيل الرابع، فأين هي مدن الجيل الأول والثاني والثالث؟ وما الفروق الحقيقية بينها؟"، موضحاً أن المعيار الأساس لأي مدينة يجب أن يكون التوازن بين الكتلة السكنية والخدمات والمرافق، مضيفاً "إذا كانت هناك سياسات لإزالة الأشجار والمناطق الخضراء، فلا يمكن وصف المدينة بأنها ذكية بأي حال".

وأشار أستاذ التخطيط العمراني الرافض وصف مدن ذكية إلى أن تصنيف أي مدينة باعتبارها متكاملة يفترض احترام التوازنات الحضرية، في وقت تعاني فيه المدن القائمة فوضى عمرانية وتكدساً سكانياً، مقابل مدن جديدة تكاد تكون مهجورة، متسائلاً، "كم تبلغ نسبة الإشغال في هذه المدن؟ وكيف يمكن اعتبارها ذكية؟".

 

اعتبر العلايلي أن عدداً من المدن في العالم تعتمد التكنولوجيا في إدارة خدماتها، من دون أن تصف نفسها بأنها "ذكية"، لأن الهدف هو تحقيق التوازن، وتوفر مساحات خضراء مفتوحة مجاناً للمواطنين، لا تحويل الحدائق العامة إلى مصادر ربح.

وحول مدى الاعتماد على التكنولوجيا في المدن الجديدة قال إن وتيرة التطور بطيئة، منتقلاً إلى ضعف سرعة الإنترنت مثالاً على التأخر الرقمي، مضيفاً "نحتاج إلى استثمارات ضخمة لإدخال التكنولوجيا في مختلف المرافق، لكن الواقع أن المدن الجديدة لا تختلف كثيراً عن القديمة. الشكل تغير، لكن المضمون بقي على حاله".

وأوضح أن أي مدينة لا تمتلك قاعدة اقتصادية، سواء كانت زراعية أو صناعية أو حرفية، تعد مدينة فاشلة. وأضاف، "الأنشطة الاقتصادية هي التي تجذب السكان وتضمن الاستقرار. أما البنية التحتية فيجب أن تبنى وفق خصوصية المدينة، وأن تتوفر فيها الخدمات الأساسية، ويكون لوجودها سبب منطقي وواضح".

"إنترنت الأشياء"... من هنا تبدأ المدينة الذكية

في المقابل يرى كبير خبراء الأمم المتحدة في إدارة المشروعات والمياه والزراعة أحمد فوزي دياب أن التخطيط في المدن الجديدة في مصر يراعي أن تكون مدناً ذكية، واعتمادها على أسس عمرانية منظمة يسهل دمج التكنولوجيا الحديثة فيها، مما يفتح المجال لتحولها مستقبلاً إلى مدن ذكية متكاملة،

لكن فوزي يقول إن غالبية المناطق العمرانية الجديدة لا تعد مناطق خضراء. في حين بعض المناطق المصنفة بأنها جيل رابع تواجه زحفاً عمرانياً غير منظم، بخاصة في الأجزاء القريبة من الكتل السكنية القائمة، وينجذب إليها مجتمع بسلوكيات غير منضبطة، وثقافة لا تتناسب مع طبيعة البيئة الجديدة. وأشار إلى أن التعامل مع هذه الظواهر يتطلب إعادة تأهيل قبل الانتقال إلى تلك المناطق، معتبراً أن العاصمة الإدارية نموذج مختلف، حيث تدار وفق منظومة إدارة ذكية تعتمد على البنية التحتية التقنية والتنظيم الإداري الرقمي.

 

ويؤكد المتخصص في تكنولوجيا المعلومات يسري زكي أن من أهم خصائص المدن الذكية اعتمادها على "إنترنت الأشياء"، إذ تكون الخدمات متصلة بالإنترنت، وتعتمد على التكنولوجيا بصورة كاملة، شارحاً أن الهدف هو تحويل العناصر غير الحية إلى أنظمة متفاعلة، كأنها قادرة على التفكير، من خلال تزويدها بتقنيات تجعلها تعمل من دون تدخل بشري مباشر.

ويؤكد زكي أن المدينة تعد ذكية إذا توفرت فيها هذه العناصر مجتمعة، حيث تستخدم التكنولوجيا لتحقيق الرفاهية، وتقليل الاعتماد على العنصر البشري، وتوفير بيانات دقيقة وإحصاءات آنية عن كل ما يجري داخلها. وأنهى حديثه مشدداً على أن التسميات مثل "مدن الجيل الرابع" ليست هي المعيار، بل الأهم هو وجود الخصائص الفعلية التي تقوم عليها المدن الذكية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات