ملخص
نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن محللين إسرائيليين قولهم إن "درور 1" قد يستخدم في مهام تتجاوز الاتصالات، مثل رصد الأنشطة المعادية أو تحليل البيانات الاستخباراتية، من دون أن يصنف رسمياً كقمر للتجسس. كما عوده نقلة نوعية ونقطة تحول في برنامج الفضاء الإسرائيلي، الذي بدأ منذ إطلاق "أفق 1" في الثمانينيات.
فيما تحملق عيون العالم في قطاع غزة وما يعانيه من مجاعة أكدتها هيئة تابعة للأمم المتحدة مسؤولة عن مراقبة الأمن الغذائي، تطلق إسرائيل عيناً جديدة لها في الفضاء. وإلى جانب تعزيز ترسانتها العسكرية ومواصلة الابتكارات الأمنية وصناعات التكنولوجيا وتأهيل القدرات والكوادر واحتضان الأدمغة وتطوير القدرات الهندسية والتكنولوجية بالجامعات ومراكز الأبحاث لدعم متطلبات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نحو "الحسم العسكري الشامل" في قطاع غزة، لم تغفل تل أبيب عن حاجتها لإثبات حضورها أكثر في مجال الفضاء الخارجي، إذ إن الأقمار الاصطناعية المتعددة المجالات والاستعمالات والأهداف، ناهيك بتوظيفها للبحث العلمي، تسهم في دعم وجاهزية الوحدات الإلكترونية العسكرية، خصوصاً مع تنامي التحديات والمتغيرات الإقليمية والصراع في الشرق الأوسط، الذي تواجهه إسرائيل بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وبعيداً من الاحتجاجات الصاخبة التي تشهدها الساحة الداخلية الإسرائيلية والتظاهرات المليونية التي تطالب بوقف الحرب وتحرير الأسرى، أعلنت إسرائيل عن نجاح إطلاق القمر الاصطناعي الجديد "درور 1" إلى الفضاء في مهمة تمتد لـ15 عاماً، وهو أول قمر اتصالات مملوك بالكامل لإسرائيل ويهدف إلى دعم الاتصالات الخاصة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بما يضع حداً للاعتماد على خدمات تجارية خارجية، إذ تم تطويره وتصنيعه وتشغيله داخل إسرائيل، ويدار من قبل جهات حكومية، مما يجعله، بحسب صحيفة "معاريف" الإسرائيلية "رمزاً للاستقلال الفضائي الإسرائيلي في مجال الاتصالات بعد عقود من الاعتماد على شراكات خارجية".
وذكرت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، أن الإطلاق تم بالتعاون مع شركة "سبيس إكس" من قاعدة "كيب كانافيرال" في فلوريدا بالولايات المتحدة، باستخدام صاروخ "فالكون 9". وبحسب ما كشفته القناة "12" الإسرائيلية، فقد بلغت كلفة تطوير "درور 1" منذ عام 2018 نحو 200 مليون دولار.
أبحاث معمقة
بهدف وضع البنية الأساسية لبرنامج فضائي إسرائيلي متكامل، بادر أول رئيس وزراء في إسرائيل ديفيد بن غوريون عام 1960 بإنشاء "اللجنة القومية لأبحاث الفضاء"، وشجع العلماء الإسرائيليين حينها على إجراء أبحاث معمقة في هذا المجال، وإقامة علاقات أكاديمية مع نظرائهم في مختلف دول العالم للبدء ببناء برنامج فضائي متقدم يرتكز على حيازة صواريخ قادرة على وضع الأقمار الاصطناعية في مداراتها، وسرعان ما نجحوا في منتصف عام 1961 بإطلاق صاروخ كان يحمل بعض المعدات الخاصة بالأرصاد الجوية، ووصل إلى ارتفاع 80 كيلومتراً فحسب، مما دفع الحكومة الإسرائيلية آنذاك إلى تخصيص مبلغ 200 مليون دولار لمدة 20 عاماً لإنتاج الأقمار الاصطناعية، وتشكيل فريق من العلماء للمساندة في الأبحاث التي تجريها المؤسسة العسكرية، إلى أن قررت عام 1983 توحيد كل الأنشطة الفضائية تحت قيادة واحدة، وإنشاء "وكالة الفضاء الإسرائيلية" المعروفة اختصاراً بـ"ISA"، ليس فقط لتطوير برنامج الفضاء الإسرائيلي، بل ولرفع مستوى التعاون والتنسيق مع وكالة الفضاء الأميركية "NASA"، والأوروبية "ESA"، والفرنسية "CNES"، والألمانية "DARA"، والاستفادة من خبراتها التي مكنت إسرائيل عام 1988 من إطلاق أول قمر اصطناعي حمل اسم "أفق 1" بواسطة صاروخ من نوع "شافيت" يكمل دورة كاملة حول الأرض في 98 دقيقة، ويبلغ وزنه 156 كيلوغراماً، ويحافظ على اتزانه في المدار من طريق الدوران حول محوره بمعدل دورة واحدة في الثانية.
بعد عامين فحسب، تم إطلاق "أفق 2" المزود بخلايا شمسية خاصة بتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لاستمرار عمله، وفي عام 1995 سارعت إسرائيل بإطلاق قمر "أفق 3" الذي كان مزوداً بأجهزة تصوير "كهربصرية" تعمل في مجال الرؤية العادية، وفي نطاق الأشعة فوق البنفسجية، وبقدرة عالية على تصوير الأهداف الكبيرة فقط ورصد التغيرات التي تحدث فيها بين الحين والآخر، حيث كان يغطي المنطقة العربية بكاملها، إضافة إلى باكستان وأفغانستان وإيران وجزء كبير من تركيا.
في عام 1996 تميزت إسرائيل بفئة أقمار الاتصالات الخفيفة، وأنتجت "عاموس 1" المخصص للاتصالات الهاتفية والتلكس والتلفاكس، إضافة إلى البث التلفزيوني، وقد بلغت نفقات إنتاجه حينها 350 مليون دولار، ونظراً إلى بعد المدار وثقل وزن القمر البالغ 961 كيلوغراماً، مقارنة بأقمار الاستطلاع من نوع "أفق"، فقد أتم إطلاقه بواسطة الصاروخ الفرنسي "آريان 4".
إخفاقات وتجارب
ما إن بدأت إسرائيل تخط ناجحات نوعية في مجال الأقمار الاصطناعية، وهمت بإطلاق "أفق 4" عام 1998 ليكون بديلاً من القمر "أفق 3" الذي انتهت خدمته. حتى واجهت إخفاقاً كبيراً بسبب فشل الصاروخ الناقل للقمر في تجاوز مرحلة الإطلاق الثانية، مما أدى إلى سقوط "أفق 4" في البحر. وبعد عام واحد فقط نجحت إسرائيل بالشراكة مع وكالة الفضاء الألمانية في إطلاق القمر "ديفيد" الخفيف الوزن للاستشعار من بعد، ويحوي 120 قناة تلفزيونية ملونة. وإلى جانب القمر الاصطناعي "تيفوكس" الذي يتكون من ثلاثة تلسكوبات تعمـل بالأشعـة فوق البنفسجيـة وتستخـدم لإجراء تجارب علمية فضائيـة مشتركة بين إسرائيل وروسيا والدنمارك، تم إطلاق القمر الاصطناعي "تيكسات 1"، الذي تم تصميمه بواسطة الأساتذة والطلبة في كلية الهندسة الفضائية التابعة للمعهد الإسرائيلي للتكنولوجيا (التخنيون) بوزن لا يتجاوز 52 كيلوغراماً ليحمل أجهزة قياس الأشعة السينية والمجال المغناطيسي ودراسة طبقة الأوزون ومعدات الاتصال وأجهزة الاستشعار المختلفة وكاميرات التصوير. وبلغت نفقات إنتاجه 3 ملايين ونصف المليون دولار، وجرى إطلاقه بواسطة الصاروخ الروسي "SS-25".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الصحافة الإسرائيلية وصف القمر "أفق 13" الذي أطلق من قاعدة "بلماخيم" الجوية بواسطة صاروخ "شافيت" عام 2023 بأنه باكورة ما أبدعته إسرائيل في صناعة الأقمار الاصطناعية من طراز "أفق"، فهو إلى جانب اعتماده على نظام الرادار، مخصص للتصوير الفوتوغرافي والتجسس، ولديه القدرة على إرسال إشارة تصل إلى الأرض ثم تعود إليه خلال وقت قصير وسريع، خصوصاً أن صوره لا تتأثر بالظروف الجوية وتخترق الغيوم، وخلافاً للأقمار الاصطناعية الإسرائيلية الأخرى يتميز "أفق 13" بقدرته على البقاء والتحليق في الفضاء لعقود، والعمل على الرصد والتوثيق والرؤية ليلاً ونهاراً.
تدهور كبير
على رغم أهمية تلك الأقمار، فإنها تعد بالنسبة إلى إسرائيل غير كافية، بالنظر إلى حاجاتها المتزايدة في مجال المراقبة الفضائية من قطاع غزة إلى إيران، ومن سوريا إلى اليمن. وكشف تقرير من Intelligence Online أن الجيش الإسرائيلي يعاني منذ الصيف الماضي تدهوراً كبيراً في قدراته على المراقبة الفضائية، خصوصاً بعد فقدان قمرين اصطناعيين حديثين بشكل متتابع هما "أوفيك 11" أحد أقمار الجيل الثالث، و"أوفيك 10" وهو من الأقمار الاصطناعية المزودة بتقنية الرادار (SAR). إذ ارتفعت الحاجة إلى الصور الجغرافية الدقيقة للمباني والمناطق المجاورة.
وبين التقرير أن "أوفيك 7" الذي تم إطلاقه عام 2007، و"أوفيك 9" في 2010، وهما غير متناسبين مع المتطلبات الحديثة، جعلا الجيش الإسرائيلي يعتمد فقط على "أوفيك 16" الذي أطلق في 2020 للمراقبة البصرية، و"أوفيك 13" الذي يوفر تغطية رادارية (SAR) منذ 2023، إضافة إلى القمر الاصطناعي التابع لمشغل الأقمار التجارية "إيميج سات إنترناشيونال" Eros C3-1، الذي أطلق عام 2022، ويقدم أداء قريباً من "أوفيك 11".
وأورد التقرير أن القوات الإسرائيلية بفضل عقد سري بقيمة 150 مليون دولار، تتلقى صوراً من شركة "بلاك سكاي" التي توفر صوراً يومية في المنطقة حصراً لـ"البنتاغون" والجيش الإسرائيلي، إضافة إلى صور من شركة "ماكسار" بوساطة من البنتاغون.
"درور 1"
ووفقاً لما نشر على موقع وكالة الفضاء الإسرائيلية (ISA)، يمثل القمر الاصطناعي "درور 1"، الذي تم تطويره وتصنيعه بالكامل من قبل صناعات الفضاء الإسرائيلية، تقدماً تكنولوجياً في مجال الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن محللين إسرائيليين قولهم إن "درور 1" قد يستخدم في مهام تتجاوز الاتصالات، مثل رصد الأنشطة المعادية أو تحليل البيانات الاستخباراتية، من دون أن يصنف رسمياً كقمر للتجسس. كما عدوه نقلة نوعية ونقطة تحول في برنامج الفضاء الإسرائيلي، الذي بدأ منذ إطلاق "أفق 1" في الثمانينيات، وبديلاً لسلسلة الأقمار "عاموس"، بخاصة بعد فشل إطلاق "عاموس 6" عام 2023.
وأكدت هيئة البث الإسرائيلية وصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن "درور1" يخدم جهات أمنية حساسة، مما يفتح الباب أمام استخدامات استخباراتية غير معلنة، ويوفر بنية تحتية مستقلة وآمنة لنقل المعلومات الحساسة. خصوصاً أنه يحمل تقنيات اتصالات رقمية متقدمة وقدرات "الهاتف الذكي في الفضاء" التي تمكنه من مرونة استثنائية في الاتصالات طوال سنوات تشغيله.
وفي إطار المشروع الذي بدأ منذ عام 2018، بالتعاون الوثيق بين صناعات الفضاء الإسرائيلية، ووكالة الفضاء الإسرائيلية، ووزارة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا، نفذت وكالة الفضاء تطوير حاسوب أقمار الاتصالات باستثمار بلغ 29.5 مليون شيكل خلال الأعوام 2017- 2022. وقالت وزيرة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية جيلا جملئيل، إن "إطلاق درور1 يشكل إنجازاً تكنولوجياً وطنياً حقيقياً يعبر عن التميز العلمي والابتكار الإسرائيلي". معتبرة أنه "خطوة حاسمة في الحفاظ على الريادة التكنولوجية لإسرائيل وتعزيز استقلالها التكنولوجي المتقدم لعقود قادمة". ويرى مدير وكالة الفضاء الإسرائيلية أوري أورون، أن "درور1" يدلل على أن إسرائيل لا تزال رائدة في مجال التكنولوجيا العالمية.
تجدر الإشارة إلى أن "درور1 " هو الأول من نحو 10 أقمار اصطناعية "درور" من المقرر إطلاقها في المستقبل كجزء من الاستراتيجية الوطنية الإسرائيلية للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية المستقلة.