Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضحايا الإيجار القديم في مصر... ليس لهم إلا الذكريات

مصريون يروون حكاية المكان والزمان بمساكنهم التي عاشوا فيها عقوداً وكبار السن للحكومة: اتركونا حتى تنتهي حياتنا

نحو مليون و800 ألف وحدة إيجار قديم في مصر غالبيتها سكنية (رويترز)

ملخص

"كل ما نطلبه البقاء حتى تنتهي حياتنا، ثم يأخذ الملاك ما يريدون. لماذا ندفع ثمن قرارات لم نتسبب بها؟". ضحايا قانون الإيجار القديم في مصر... ينتظرون الرحيل صبراً وحزناً

"عشت في هذا المنزل أكثر من 45 عاماً، تحملت آثار زلزال 1992 الذي صدع المبنى، وتحملنا نفقات ترميمه وإصلاحه. تعرضت لحريق دمر محتويات شقتي ولم أغادر المكان، بينما بجرة قلم يطلب مني إخلاء المنزل خلال سبعة أعوام". بهذه العبارة تشكو السيدة السبعينية هانم درويش المقيمة في شقة بنظام الإيجار القديم داخل حي السيدة زينب، عدم استثناء كبار السن من التعديلات الجديدة على الإيجار القديم في مصر.

تضيف هانم التي تعيش على معاش 4500 جنيه (93 دولاراً أميركياً)، "استأجرت الشقة من مالكها الأصلي، ودفعـت 7 آلاف جنيه (145 دولاراً أميركياً) خلو رجل (مبلغ مالي يدفعه المستأجر الجديد للمستأجر القديم مقابل التنازل عن حقه في الانتفاع بالعقار) حين كان سعر غرام الذهب 30 جنيهاً، وجهزتها للسكن على نفقتي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصدق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على القانون رقم 164 لعام 2025 المعروف بتعديلات "الإيجار القديم"، الذي أعاد تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. ويمنح القانون مهلة انتقالية قبل الإخلاء النهائي، مع زيادات فورية في القيمة الإيجارية، وتوفير بدائل سكنية من الدولة للراغبين. وتنص المادة الثانية على إنهاء عقود الإيجار القديم خلال سبعة أعوام للوحدات السكنية وخمسة أعوام للوحدات غير السكنية اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون.

لماذا نجبر على الانتقال إلى مكان لا يناسبنا؟

توجد في مصر نحو مليون و800 ألف وحدة إيجار قديم، غالبيتها سكنية، وبينما حددت الحكومة المصرية الأول من أكتوبر (تشرين الثاني) موعداً لبدء تلقي طلبات المستأجرين المتأثرين بالقانون، تبدي درويش رفضها الانتقال إلى بيئة جديدة، "اعتمد على مساعدة الجيران عند الحاجة، ولا أستطيع الانتقال إلى مكان آخر في هذا العمر. القانون الجديد جعل عائلتي بلا مأوى، فجميع أفرادها يسكنون بعقود إيجار قديمة"، متسائلة "لماذا نجبر على الانتقال إلى مكان لا يناسبنا؟ وكيف يرفع الإيجار تدريجاً ثم يطرد الناس بعد انتهاء المهلة؟"، مختتمة "لا نعرف الخطوة التالية، لكن هذه الإجراءات أشعلت فتيل الفتنة بين المستأجرين والملاك".

وفي حين شهدت منصات التواصل احتفاءً واسعاً من الملاك بتلك الإجراءات التي تنصفهم على حساب المستأجرين، تبدي كرستين ميلاد (64 سنة) المقيمة في منطقة الزاوية قلقها من المستقبل الذي ينتظرها. تقول لـ"اندبندنت عربية"، "المكان الذي أسكنه يمثل لي كل شيء، لا يمكنني مغادرته. المنزل الذي استأجرته قريب من الكنيسة التي أخدم فيها، وحياتي مرتبطة بهذا المكان"، مضيفة "نجتمع هناك بانتظام، وحتى إذا توافر سكن بديل سيكون بعيداً من منطقتي. أبنائي يسكنون في شبرا، وبدأوا يبحثون لي عن شقة في محيطي، حتى لو اضطررنا للتخلي عن المنزل الذي قضيت فيه حياتي".

 

وبينما يسود القلق بين آلاف المستأجرين، يقول رئيس رابطة المستأجرين شريف الجعار لـ"اندبندنت عربية" إن الرابطة ستطعن بعدم دستورية القانون لمخالفته الدستور، وتسعى لجمع 100 ألف توكيل لتحويله إلى قضية رأي عام. مضيفاً "لا نقبل إلا البقاء في أماكننا، وإذا أجبرنا على المغادرة فهذا تهجير قسري. لدينا عقود تمنحنا أحقية البقاء لأبناء الجيل الأول، ونطالب بالتعامل ضمن إطار دولة القانون والمؤسسات".

وتنص رخصة البناء، بحسب الجعار، على أن الوحدات السكنية أقيمت لغرض التأجير لا التمليك، وحصل المالك على "خلو رجل" وقروض ميسرة بسبب هذا العقار، وإلا لماذا قبل التأجير بهذه الشروط. مشدداً على أن "هذه قوانين دولة، ولا يجوز الانقلاب عليها".

ويتابع الجعار، الذي يسكن في شقة إيجار قديم داخل مدينة المحلة الكبرى مع والدته (77 سنة)، "أين أذهب بها؟ كيف تتحمل مغادرة منزل يحمل ذكرياتها؟ ولمصلحة من تجرى هذه التعديلات؟".

هل أصبح الفقراء غير مرحب بهم؟

وانضمت الفنانة المصرية نادية رشاد (82 سنة) المقيمة داخل شقة إيجار قديم منذ ما يقارب نصف قرن، إلى قائمة معارضي التعديلات الجديدة على القانون. تقول "المستأجرون لهم حق البقاء في منازلهم حتى انقضاء حياتهم. لم نخترع نظام الإيجار القديم".

وفي حين يرفض الملاك تسلم إيجارات من المستأجرين لحين اتضاح الصورة، تضيف رشاد لـ"اندبندنت عربية"، "سنطعن على الإجراءات الجديدة. من غير المعقول أن يُطلب منا إخلاء منازلنا ليحل محلنا من يملك قدرة مالية أكبر. هل أصبح الفقراء غير مرحب بهم؟".

وخلال اجتماع مجلس الوزراء المصري أول من أمس الثلاثاء جرى اعتماد آليات تشكيل اللجان المنصوص عليها في القانون، لتصنيف المباني في مختلف المناطق. وتعتمد هذه اللجان على تقسيم الوحدات السكنية وغير السكنية إلى ثلاث فئات، "متميزة" و"متوسطة" و"اقتصادية". وتشمل ضوابط تقسيم المناطق مجموعة من المعايير، مثل الموقع الجغرافي وطبيعة المنطقة والشارع الذي يقع فيه العقار، إلى جانب مستوى البناء ونوعية المواد المستخدمة في الإنشاء، ومتوسط مساحات الوحدات، إضافة إلى المرافق المتصلة بالعقارات.

تضيف رشاد "حين حصلت على الشقة كان راتبي ثمانية جنيهات في القطاع العام، كنت أدفع أضعافه إيجاراً. لم يكن التمليك خياراً مطروحاً. الشقة كانت متهالكة، وأصلحتها على نفقتي. كان الإيجار القديم أحد عناصر منظومة متكاملة في الدولة، ومع التضخم الحالي أصبح تعديل القيمة إلى أسعار السوق أمراً صعباً. لسنا مسؤولين عن التضخم أو تراجع العملة".

 

وتتابع "كل ما نطلبه البقاء حتى تنتهي حياتنا، ثم يأخذ الملاك ما يريدون. لماذا ندفع ثمن قرارات لم نتسبب بها؟ الإيجار الأصلي كان 55 جنيهاً. اخترت الشقة لقربها من عملي في ماسبيرو، ولأن مساحتها تناسب أسرتي. قبل أعوام، وبسبب التضخم، بدأت أدفع 500 جنيه تقديراً للمالك، دون إيصالات. لكن الإخلاء القسري غير مقبول. دخول لاجئين من دول عدة رفع أسعار الإيجار، ونحن لا نملك القدرة على منافستهم".

وتختم رشاد شهادتها "قضيت أعواماً في إصلاح المنزل وتحسينه، والآن لا أستطيع تحمل ظروف العمل الصعبة، وأعيش على معاش وزارة الثقافة بعد 40 عاماً من الخدمة. سنلجأ إلى القانون، وسنلتزم بما يحكم به".

واعتباراً من سبتمبر (أيلول) المقبل، ستبدأ لجان متخصصة في إعادة تسعير الإيجارات السكنية القديمة، إذ تضاعف القيم الحالية بنسب تصل إلى 20 مرة، بحسب تصنيف المنطقة. تبدأ الزيادة من 250 جنيهاً، وقد تبلغ 1000 جنيه في الأحياء الأعلى تصنيفاً.

وشدد ممثل المستأجرين في الحوار الوطني بمجلس النواب ميشيل حليم على أن القانون الجديد يخالف مبادئ المحكمة الدستورية في نقاط عدة، أبرزها الامتداد القانوني للإيجارات، متطرقاً إلى وجود دعاوى منظورة أمام محكمة الموضوع في قضايا الإيجارات، ومؤكداً "سنقدم طلباً لإحالتها إلى المحكمة الدستورية للفصل فيها".

وبحسب ما يستند إليه حليم، فإن التعويض المالي من الحقوق المكتسبة للمستأجرين يشمل حق "خلو الرجل" الذي فرضه بعض الملاك، مستغلين حاجة المستأجرين، وغالباً دون توثيق في العقود. وأضاف أن العرف القانوني يثبت أن بعض وحدات الإيجار القديم تسلمها المستأجرون في حال سيئة، وجهزوها على نفقتهم الخاصة باعتبارها سكناً دائماً لهم ولعائلاتهم.

بينما لفت حليم إلى صعوبة نقل أصحاب الإعاقة وكبار السن وأصحاب المعاشات والمستفيدين من برنامج "تكافل وكرامة"، نظراً إلى استقرار حياتهم على أوضاعهم الحالية. معتبراً أن القانون تجاهل هذه الحالات الاجتماعية والظروف الاقتصادية الصعبة مثل التضخم، وأهمل شريحة المستأجرين الأصليين من كبار السن ممن لا يزالون على قيد الحياة.

لولا الإيجار القديم لما تحملنا الإصلاح الاقتصادي

التجربة نفسها يعيشها أحمد مجدي المقيم داخل شارع السودان في حي المهندسين، يقول "وقعنا عقداً تحت مظلة القانون. حين يلغى هذا العقد بهذه البساطة، نفقد الثقة في توقيع أي عقد جديد". مضيفاً "لا يصح بجرة قلم أن تُنقل من مكان إلى آخر. وعلى رغم سكني في المهندسين، لا أملك القدرة على توفير بديل داخل منطقة شعبية في ظل ارتفاع الأسعار. والدي دفع خلو رجل، وهو من بنى الطابق الأخير الذي أسكن فيه. بعدها رتبت السكن بمالي الخاص، ودخلت جمعيات حتى أتمكن من الزواج فيه".

"تحملت غلاء الأسعار وتراجع المستوى الاجتماعي. وأطفئ الأنوار لتوفير الكهرباء، وأتحمل فواتير المياه والغاز، وأشد الحزام (يقصد التقشف في المعيشة). وليس معنى سكني داخل منطقة راقية أنني في مستوى اجتماعي جيد. كيف يقنن وضع اليد ويطرد المستأجرون بالإيجار القديم؟ ولولا الإيجار القديم لما تمكنا من تحمل الإصلاح الاقتصادي. المبالغ التي كنت سأدفعها في الإيجار الجديد نضعها في بنود أخرى زادت أسعارها. سنتخذ جميع الإجراءات القانونية لاستعادة حقنا".

 

ولا يختلف حال الشاب الثلاثيني سعيد حامد الذي يسكن منطقة السلام عن أقرانه، يقول بأسى "أسكن مع والدتي في شقتها التي استأجرتها بإيجار قديم. اضطررت للزواج فيها والإقامة معها لعدم امتلاكي سكناً آخر. وافق مالك العقار على قيمة الإيجار حين وقعت والدتي العقود، ومع التضخم لا نعارض زيادة الإيجار بصورة مناسبة، لكن بعقلانية".

وأضاف "والدتي تخطت الـ60 سنة، والشقة تملكها منذ صغرها. من المفترض أن تنتقل إليَّ لاحقاً لأني ابنها الوحيد. لا أعرف ماذا أفعل لاستعادة حقي، ولا أين سأذهب. والدتي تعارض توفير سكن بديل لارتباطنا بالمنطقة، مثل أي شخص مرتبط بالمكان الذي اعتاد عليه".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات