ملخص
فوجئ متابعو وسائل التواصل الاجتماعي والمهتمون بالشأن السوري بل والحكومة نفسها السبت الماضي، ببيان مصور من شيخ العقل، الهرم عمرياً، حمود الحناوي يلقي فيه خطاباً لم يكن مألوفاً عليه طوال سنوات الثورة وما بعدها.
لم يكن خلاف المرجعيات الدينية الروحية الثلاث في السويداء مرتبطاً فقط بمرحلة ما بعد سقوط النظام، بل كانت بوادره قد ظهرت قبل ذلك بكثير وتمثلت بشرخ واضح لا يمكن لأحد تجاهله، ولكن هذا الشقاق تبلور أكثر حيال رؤية كل طرف لمسار الأمور بعد سقوط نظام الأسد ووصول الإدارة الجديدة، ومن بين مشايخ العقل الثلاثة، برز الشيخ حكمت الهجري بموقفه الحاد والصلب والرافض للحكومة الجديدة مانعاً أرتالها وقواتها من دخول محافظة السويداء معقل الدروز جنوب سوريا، قبل أن تتخذ تصريحاته منحى تصعيدياً في وقت لاحق، واصفاً تلك الحكومة بغير الشرعية والإرهابية والمطلوبة دولياً، قائلاً "لا وفاق ولا توافق معها"، فيما احتفظ الشيخان الآخران يوسف جربوع وحمود الحناوي بمواقف معتدلة وأكثر ميلاً للسلطة، إلى أن انفجرت الأحداث الدموية في الجنوب أواسط يوليو (تموز) الماضي واندلعت مواجهات عسكرية أسفرت عن سقوط أكثر من 1500 قتيل و500 مفقود بحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان، ليعود الشيخ الهجري للظهور كقائد شعبي للمرحلة، يدير خيوط اللعبة السياسية والعسكرية والاجتماعية والأمنية في المحافظة، مبقياً على علاقات متينة في الداخل والخارج مع أطراف متعددة، مطالباً ومركزاً في كل بيان وخطاب على ضرورة الحماية الدولية مع التشديد المتكرر على رفضه "سلطة الأمر الواقع".
في الأثناء وعلى وقع المجازر كانت هالة الهجري الشعبية تزداد، وشخصيته تتبلور، وقوته تتضح، فيما ابتعد الشيخان الآخران عن قدرة تحريك الشارع أو التأثير به تحت وطأة المجازر وعنفها مع احتفاظهما بخطابهما البراغماتي المناهض لخطاب الهجري نفسه، حتى إنهما راحا أبعد من ذلك في تبني مصالحة وخطة طريق مع الدولة وإبرام اتفاقات هدنة ووقف إطلاق نار ومصالحة سياسية وانكفاء في حضنها ولكن ذلك أدى لمزيد من التراجع في شعبيتهما، لذا كان يمكن تلخيص الموقف بوضوح تحت ضراوة الحدث، الهجري يصارع، والحناوي وجربوع يتفقان مع الحكومة، لكن فجأة انقلبت أدوار اللعبة وحصل ما لم يكن متوقعاً فجأة ومن دون سابق إنذار، فما الذي تغير؟
الموقف غير المتوقع
فوجئ متابعو وسائل التواصل الاجتماعي والمهتمون بالشأن السوري بل والحكومة نفسها أول من أمس السبت، ببيان مصور من شيخ العقل، الهرم عمرياً، حمود الحناوي يلقي فيه خطاباً لم يكن مألوفاً عليه طوال سنوات الثورة وما بعدها، شيخ العقل الذي ينحدر من قرية سهوة البلاطة جنوب السويداء التي شهدت أحداثاً دموية بدورها قال مباغتاً اتفاقات سابقة كان موافقاً عليها "لقد ابتلينا بسلطة ومن معها لا عهد لهم ولا ذمة، سلطة باعت الوطن في سوق المساومات، فطعنت أهله قبل أن تطعن حدوده، حتى غدت في وجداننا حكومة الغدر، التي نقضت المواثيق، وانقلبت على القيم، وارتضت أن تكون سيفاً مسلولاً على رقاب الأبرياء، بفتاوى فكرها الظلامي الجهادي المتطرف، المستبيح للدماء والأعراض والمقدسات والحقوق".
ويكمل، "واليوم، وعلى رغم الحصار الجائر الخانق للسويداء في لقمة العيش والدواء والمحروقات ودمار البنية التحتية، بما فيها الماء والكهرباء والاتصالات، فإنها لن تركع إلا لله، وستظل شامخة كالسنديان، صامدة كالصخر في وجه الطغيان. فليعلم الجميع أن معركتنا اليوم لم تعد بنداً في جدول السياسة، ولا ورقة في صفقات المساومة، بل غدت قضية وجود ومصير لكل أبناء الجبل وأهلنا أينما وجدوا، وجود إما أن نصونه بدمائنا وإرادتنا، أو نمحى من صفحات الأرض والتاريخ. ونطالب جميع الدول والمنظمات الدولية والإنسانية بتحمل مسؤولياتها والضغط الفوري لرفع الحصار الجائر المفروض على محافظة السويداء، وفتح الممرات الإنسانية دون قيد أو شرط. ونطالب المجتمع الدولي بالتحقيق ومحاسبة المتورطين بجميع الجرائم الوحشية المرتكبة في حق أبناء طائفتنا ووجودهم".
بدا موقف الشيخ الحناوي بما قاله من كلام صادماً وغير متوقع في دمشق وفق ما تقوله مصادر مطلعة، فالشيخ الذي لعب دوراً في التهدئة وقبول التقرب من السلطة على أسس يعتقد بها من وجهة نظره، ضرب بها عرض الحائط بعدما كاد يمر شهر على الأحداث. التوقيت بحد ذاته غريب، مما يطرح تساؤلات عن تحالفات جديدة نسجت داخل جسد السويداء والمجتمع الدرزي بعدما حصل هناك ولا يزال يحصل من سبل الحصار، وما يقول أهل المدينة إنه تجويع متعمد ومستمر في ظل نقص كل ما يمكن أن يقال إنه أدنى مستلزمات العيش من وقود وخبز وطبابة وبنى تحتية واتصالات وغيرها.
ثقة و"غدر" وندم
آخرون رأوا في بيان الحناوي أنه دليل حاسم لإنهاء سردية "عصابات الهجري المتطرفة" التي يتم الترويج لها بكثرة عبر منصات الإعلام المختلفة، وذلك لأن الحناوي وثق بحكومة دمشق ووعودهم ورفض مقاومة دخولهم بالسلاح بعدما تلقى وعود وضمانات بألا تحصل معارك أو اشتباكات أو مجازر أو أعمال عدائية تمس الأهالي أو الممتلكات، وأن مهامهم محصورة ببسط الأمن، لكن واحداً من أول الأشياء التي فعلها المقاتلون، غير المنظمين في الأقل أو "الفزعات"، كانت الدخول إلى قريته ومقر رئاسته الروحية وقتل كثير من الناس بينهم أقاربه، ولذا وصفهم بـ"حكومة الغدر"، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه خلال بيانه ألقى بعتبه على أهل حوران المجاورة "درعا"، معتبراً إياهم أنهم طعنوهم في ظهورهم.
المتخصص في مجال العلوم السياسية موفق بيشان قال، إن الشيخ الحناوي وهو سليل عائلة تتوارث المشيخة منذ قرون، التزم الصمت طويلاً واختار المهادنة والاتفاقات، لكن بعد رؤيته لما حصل، منحه ذلك دافعاً كبيراً لخروجه ببيان ذي سقف مرتفع، مضيفاً أن "المرجع الروحي الحناوي يعد أنه وطائفته تلقوا طعنات غدر وخيانة، وأن كل ما عمل عليه في سبيل التحالف مع السلطة حتى في أتون المعركة، اتضح في النهاية أنه لا قيمة له على الأرض أمام آلة القتل التي شاهدها وهي تطيح أهله وأناسه، ولذلك جاء موقفه متصلباً وعنيفاً للغاية على رغم بلوغه هذا العمر المتقدم. لا أدري إن كان بدأ الآن للتو بالتنسيق مع الشيخ الهجري، ولكنه بالتأكيد أعطى الهجري الآن شرعية أكبر بكثير من السابق، إذ اتضح بالنسبة إلى الدروز في الأقل أن الهجري كان ينظر من زاوية أبعد، والآن خسرت السلطة من كان في صفها من مشيخة العقل بينما كان يمكن أن تتفادى ذلك وتركز في صراعها على الهجري لا على مجتمع كامل تمثله المرجعيات المحدودة، ومن ثم فإن هذه الخطوة ستعري بعض أصوات المشايخ المتحالفين مع السلطة بشدة بغض النظر عن وزن تمثيلهم الحقيقي كمثل ليث البلعوس وغيره، وكذلك بعض الأصوات السياسية الدرزية اللبنانية التي باتت تبعد سنين ضوئية عن إمكانية إحداث فرق في الموقف الدرزي داخل سوريا".
اصطفاف المرجعيات
بيان الحناوي الذي جاء في الصباح وشغل معه المهتمين تحليلاً وقراءة، ما كادوا ينتهون منه حتى ظهر الشيخ يوسف جربوع، الضلع الثالث في مشيخة عقل الموحدين الدروز، في بيان مساء ذات اليوم. وجربوع من بين الجميع كان الأكثر قرباً وتحالفاً مع السلطة واعتراضاً على قرارات الهجري، لكنه كما الحناوي، خلط الأوراق دفعة واحدة، ليبرز السؤال من جديد عن التوقيت الموحد واحتمالية التنسيق الجماعي بين المرجعيات التي لم تتفق منذ سنوات طويلة. وفي بيانه، اصطف جربوع إلى جانب الحناوي والهجري في مهاجمة الحكومة.
ووصف الشيخ جربوع ما حصل بأنه "هجوم من التتر لارتكاب أعمال قتل طائفية وحشية ترقى إلى التطهير الطائفي الممنهج"، محملاً الحكومة المسؤولية في ذلك. وطالب في بيانه بتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة بأحداث السويداء. كما دعا إلى وقف العمليات القتالية في المحافظة، والإفراج عن جميع المخطوفين والمغيبين، وفتح المعابر الإنسانية من دون قيد أو شرط. وأشار الشيخ إلى أن المحافظة شهدت في الأيام الماضية أحداثاً مؤلمة، حاولت خلالها القوى المحلية بذل الجهود لحقن الدماء وحماية المدنيين. ودعا الدول الضامنة والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ مواقف إنسانية ترفع الظلم عن الأبرياء. واشترك بيانا الشيخين الحناوي وجربوع في التركيز على شكر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، موفق طريف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الدنمارك والسويداء ومجلس الأمن
في الموازاة صاغت الدنمارك مسودة تتناول الوضع السوري أخيراً وقدمته إلى مجلس الأمن على خلفية اندلاع الاشتباكات في البداية بين مقاتلين من القبائل البدوية وجماعات درزية، التي تفاقمت بين 14 و16 يوليو (تموز) الماضي بعد نشر قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الموقتة في المنطقة. لاحقاً، شنت إسرائيل غارات جوية استهدفت قوات الأمن السورية ومباني، بما في ذلك في دمشق.
ووفق المسودة فقد أفاد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أنه تلقى تقارير موثوقة عن إعدامات ميدانية وقتل تعسفي وخطف ونهب في السويداء. ومن بين الجناة المذكورين عناصر من قوات الأمن وأشخاص مرتبطون بالسلطات في دمشق، إضافة إلى "عناصر مسلحة" أخرى، بما في ذلك من المجتمعين الدرزي والبدوي. ووفقاً للأمم المتحدة، تسببت الأعمال العدائية في نزوح قرابة 191 ألف شخص، وأثرت في توفير الخدمات الأساسية في المنطقة، وقيدت إيصال المساعدات.
وبحسب تدوينة للسياسي والإعلامي السوري – الأميركي أيمن عبدالنور فإنه "في 28 يوليو الماضي، وبعد الإحاطة الشهرية للمجلس حول سوريا، عقد أعضاء المجلس مشاورات مغلقة بناءً على طلب الدنمارك. وخلال الاجتماع، أبلغت الدنمارك، بصفتها صاحبة القلم الإنساني في شأن سوريا، الأعضاء بنيتها تقديم مسودة بيان رئاسي في شأن العنف في السويداء، يركز على الجانب الإنساني".
في 29 يوليو، وزعت الدنمارك مسودة أولية (صفرية) للبيان الرئاسي. وبعد جولة أولى من التعليقات، ومسودة منقحة، وجولة ثانية من التعليقات، وضعت المسودة الثانية تحت "إجراء الصمت" في الرابع من أغسطس (آب) الحالي. كسر الصمت لاحقاً من قبل أعضاء "A3 Plus" (الجزائر، سيراليون، الصومال، وغيانا)، وباكستان، وفرنسا. وبعد مناقشات ثنائية مع عدد من الأعضاء، وضعت الدنمارك في السابع من أغسطس نصاً منقحاً ثالثاً تحت الصمت حتى اليوم التالي. واجتاز البيان الصمت بعد ظهر الجمعة (الثامن من أغسطس).
في البيان الرئاسي المتفق عليه، أعرب المجلس عن قلقه العميق إزاء تصاعد العنف في السويداء و"أدان بشدة العنف المرتكب ضد المدنيين". ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بـ"ترتيب وقف إطلاق النار" وضمان حماية المدنيين.
قضية أخرى مثيرة للجدل كانت ما إذا كان يجب ذكر الأعمال العسكرية الإسرائيلية في سوريا بشكل صريح. المسودة الأولى تضمنت إشارتين مباشرتين لإسرائيل: واحدة في سياق وصف التصعيد في السويداء، وأخرى في دعوة الدول لاحترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها. كما تضمن البيان لغة حول تهديد الإرهاب في البلاد، بناء على طلب الصين. وأشار إلى تقرير فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات للجنة عقوبات "داعش" و"القاعدة" الصادر في 24 يوليو. وأعرب عن "قلق بالغ إزاء الخطر الحاد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب". وأكد ضرورة أن تعالج السلطات السورية هذا التهديد.
اجتماع مستعجل
وفي انتظار صدور قرار مجلس الأمن حول الورقة الدنماركية، أفاد مصدر سوري مطلع وآخر أردني لـ"اندبندنت عربية" عن إجراءات مكوكية متسارعة يقودها السفير الأميركي لدى تركيا، المبعوث الخاص إلى سوريا توم براك، لعقد جولة مفاوضات مستعجلة للغاية بين الحكومة السورية وممثلين عن الدروز في العاصمة الأردنية عمان، وذلك بعد تواصل المبعوث مع الجانب السوري ومع نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره التركي، وأطراف عربية أخرى فاعلة، بهدف إتمام مؤتمر مستعجل من شأنه امتصاص الاحتقان والتوصل إلى صيغة تفاهمية مستديمة تحفظ حقوق جميع الأطراف وتوقف نزف الدماء وسط دعم إقليمي ودولي واسع لإنجاح هذا اللقاء المتعلق بالسويداء.
الاتصالات الأولية بين القيادات المعنية اتفقت أن يتم عقد الاجتماع قرابة نهاية الأسبوع المقبل، وسط أجواء من الحذر والتفاؤل، وسعي حثيث ليكون الشيخ الهجري حاضراً شخصياً وسط تلك المفاوضات. مصادر خاصة قالت لـ"اندبندنت عربية" إنه من المستبعد أن يحضر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الاجتماعي لدواع متفق عليها ولا تمس بالسيادة السورية بطبيعة الحال أكثر منها إجراءات سياسية، فيما قد ينوب عنه قادة أمنيون وسياسيون محليون على رأسهم قادة الأمن الداخلي في محافظات الجنوب ومحافظ السويداء، وهو ما يعني أن احتمالية حضور الهجري أيضاً ضئيلة للغاية.
وفي هذا الشأن يقول الباحث السياسي علي عزيز، "إذا كان وزير خارجية سوريا لن يحضر، والهجري لن يحضر، فلمن سيقام المؤتمر إذاً؟ ليحضره الدروز الموالون للحكومة السورية؟ لا أستبعد ذلك، فالمبعوث الأميركي أثبت أنه يجيد الإخفاق في معظم الملفات التي تولاها، وأنه يضرم النار أكثر مما يخمدها، هذه الاجتماعات المصيرية التي تبنى على عجالة لا يمكن أن تقدم أو تؤخر في شيء، الحل واضح ومرئي وطريقه بين، حوار وطني واسع وشامل وجامع لكل المكونات وعلى الأراضي السورية من دون استثناء أو إقصاء لأي طرف. ومن هنا كان على اللبيب أن يفهم بعدما شاهدوا الهجري حاضراً بالفيديو في مؤتمر الأكراد في شرق سوريا قبل أيام، وبأن الطريق نحو الفيدرالية هو أقصر الحلول التي تكفل حفظ الدماء، وهي مطالب مكونات الجنوب السوري، والساحل، والجزيرة حيث الأكراد".