ملخص
قبل أيام، أطلقت عائلة قوية داخل غزة النار على عناصر من حركة "حماس"، ودارت اشتباكات مسلحة عنيفة بين الطرفين قرب مرفق طبي كبير، سرعان ما انتقل الصراع إلى ساحة المستشفى وانتهى بأعمال شغب واعتداء على الممتلكات الصحية العامة.
لم تعد العلاقة بين "حماس" وعشائر وعائلات وقبائل غزة مستقرة، بل بات يسودها توتر شديد وتهديدات، فهل يعني ذلك خروج العشائر عن سيطرة الحركة التي تحكم القطاع، أم إن ما يجري مجرد نفور من الوضع الحالي، وقد تعود المياه إلى مجاريها بعد انتهاء القتال؟
قبل أيام، أطلقت عائلة قوية في غزة النار على عناصر من حركة "حماس"، ودارت اشتباكات مسلحة عنيفة بين الطرفين قرب مرفق طبي كبير، سرعان ما انتقل الصراع إلى ساحة المستشفى وانتهى بأعمال شغب واعتداء على الممتلكات الصحية العامة.
"حماس" اتهمت العائلة بسرقة المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع، وكذلك ألقت عليها باللوم في إتلاف المستشفى وحرق السيارات وتدمير معدات عامة، ولهذا السبب خاض عناصرها اشتباكات مع تلك العشيرة.
حان وقت الرد
لكن العائلة القوية الممتدة اتهمت عناصر الحركة بأنهم قتلوا أحد أبنائها، مؤكدة "منذ استيلاء ’حماس‘ على القطاع دفعنا ثمن مواقفنا وتعرضنا لقمع وعنف، وحان الوقت للرد على الظلم الذي حل بنا بسبب الحركة".
هذا الشجار بين "حماس" وعشائر غزة تكرر كثيراً خلال الحرب وبات سمة الفترة الأخيرة، إذ اعتقلت عشيرة موظفاً حمساوياً وأعدمته في ساحة عامة لأنه اعتدى على أحد أفرادها وقتله.
كذلك دارت تهديدات بين الحركة ومعظم عائلات شمال القطاع على خلفية خروج هذه العشائر في تظاهرات ضد "حماس" تطالبها بالتنحي عن الحكم، وكانت تلك المسيرات الاحتجاجية أكبر دليل على انقلاب الرأي العام ضد الحركة.
وفي جنوب غزة خرجت عشائر بأكملها عن سيطرة "حماس"، وباتت تشكل وحدها تكتلات داخل مدينة الحرب، وثمة مثال واضح عندما وضعت عائلة أبو شباب يدها على منطقة داخل مدينة رفح أقصى جنوب القطاع وأبدت استعدادها لقتال "حماس" عسكرياً، وكذلك ما حدث مع عائلة في خان يونس وأخرى في دير البلح، وثالثة في الزوايدة وسط القطاع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الواقع، للمرة الأولى منذ تولي "حماس" حكم القطاع، تتحدى عشائر كبيرة مدججة بالسلاح الحركة بطريقة علنية وتدور بينهم وبينها اشتباكات مسلحة، وهذه الظاهرة تمثل تحدياً خطراً لقدرة الحركة على الحفاظ على سيطرتها الأمنية المحلية.
خلال عام 2006، أي قبل تولي "حماس" زمام الحكم في غزة، كان للعشائر والقبائل والعائلات وضع استثنائي وتمارس دوراً وسلطة عشائرية قد تكون نظاماً سلطوياً بحد ذاته.
لكن خلال عام 2007 عندما تولت "حماس" إدارة غزة تغير كل شيء بقوة السلاح، وخاضت الحركة هجوماً مسلحاً ضد العشائر والعائلات والقبائل المعارضة لها، بعدها أبرمت معها اتفاقاً لتظل تحت سيطرتها الأمنية من دون النعرة العشائرية.
وبخطة ذكية جمعت "حماس" العشائر في غزة تحت مظلة لجنة تسمى "لجنة العشائر" كانت تعمل تحت سيطرة الحركة، ويجري أعضاء العائلات لقاءات وزيارات منتظمة وعلنية مع المسؤولين الحمساويين، وكان لتلك اللجنة صلاحيات قليلة منحتها إياها "حماس" مثل تنظيم محاكم قبلية لحل النزاعات والحوادث العنيفة والتسويات المالية.
طوال 20 عاماً من حكم "حماس" لغزة كانت العلاقة بين الحركة والعشائر والعائلات والقبائل الفلسطينية مستقرة نسبياً، لكن على خلفية الوضع الحالي داخل القطاع ساد توتر شديد بين الطرفين، وتزامن ذلك مع تراجع قوة الفصيل العسكرية وضعف شعبيته، وكذلك مع محاولات إسرائيل لجعل هذه العشائر بديلاً لـ"حماس".
قوة العشيرة
مع ضعف "حماس" تزايدت قوة العشائر وباتت تكتسب نفوذاً مسلحاً وجغرافياً، تقول الباحثة في القضايا الاجتماعية ثريا زهري "تتحدى العشائر علناً الحركة الحاكمة في غزة، لدرجة أنها باتت مصدر تهديد أمني لها".
وتشرح زهري "باتت العشائر تمتلك سلاحاً ربما يكون أقوى وأكثر مما تملكه ’حماس‘ ضمن وضعها الحالي، وفي النظام الاجتماعي السلطة لمن يملك القوة، مما يعني أن القبائل ربما تكون مصدر تهديد علني وواضح لـ’حماس‘ أمنياً واجتماعياً".
وتضيف "سلاح العشائر والعائلات يمنحها قوة مضاعفة وتهديداً أكبر لـ’حماس‘، إذ تولت القبائل مهمة تأمين وحماية المساعدات الإنسانية بدلاً من الحركة، كما أن الأحكام العرفية قابلة للتنفيذ في غزة على عكس أحكام ’حماس‘ القضائية، وشعبوياً فإن النظام العام في غزة قبائلي وليس حزبياً".
توضح زهري أن العشائر باتت بمثابة مصدر إزعاج وتحد لـ"حماس"، ولكنها لا تشكل تهديداً حقيقياً لحكمها، وبالتأكيد لن تكون شريكاً لإسرائيل في المستقبل، وإنما هي فقط جهة معارضة لحكم "حماس" ليس أكثر.
خلال الفترة الحالية زادت شعبية العشائر في غزة وانهار تأييد الناس لـ"حماس". يقول المواطن عنان "العشائر المسلحة أصبحت أكثر انخراطاً في حل مشكلات الناس وتأمين المساعدات، ولولا نشاطها لحلت حرب أهلية في غزة ولمات الناس جوعاً بعدد أكبر".
أما زين فيقول إن "العشائر قوة موثوقة، لقد قامت بحماية المساعدات ومنعت نهب الشحنات الإنسانية المقبلة إلى غزة، أعتقد أنها نجحت لحد ما في الحفاظ على الأمن نسبياً، ولولاها لانهار تماماً".
وعلى رغم أن العشائر لا تمثل بديلاً قوياً لـ"حماس" فإن الحركة تخاف من ذلك، إذ حاولت إسرائيل عام 2024 تعزيز الحكم القبلي في غزة كبديل عن سلطة الفصائل الفلسطينية، لكن المخطط فشل لسببين، أولهما أن "حماس" هددت العشائر، وثانيهما أن العشائر رفضت التعاون مع الجيش.
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فشل مخطط الحكم القبلي داخل غزة، وقال "’حماس‘ اغتالت زعماء العشائر الذين حاولت إسرائيل تجنيدهم، إن ذلك أحد الأسباب الرئيسة لفشل خطة الحكم القبلي في غزة".
بديل حكومي
عندما تزايدت الخلافات بين "حماس" والعشائر خلال الأشهر الثلاثة الماضية، استغل نتنياهو الوضع وأعاد تسليح القبائل لخلق بديل عن حكم الحركة، وقال "بالتشاور مع مسؤولي الأمن استعنا بالعشائر التي تعارض ’حماس‘ في غزة".
ولا ترى العشائر في معارضتها لـ"حماس" أي ضرر، ولكنها لا توافق على التعاون مع إسرائيل وتكوين جسم حكومي بديل، يقول منسق لجنة قيادة العشائر عاكف المصري "العائلات ترفض التعاون مع إسرائيل في توزيع المساعدات الإنسانية، ونحن لا نعمل مع تل أبيب بأية صورة، ربما خلافنا مع ’حماس‘ هدفه حماية الفلسطينيين".
ويضيف "رفض تجمع عائلات وعشائر غزة أن يكون بديلاً عن أي نظام سياسي في قطاع غزة، إنها مكون من المكونات الوطنية وليست بديلاً عنه، الوحدة الوطنية هي الطريق الوحيد للحفاظ على كينونة الغزيين".
يؤكد المصري أنه لا يمكن التعاطي مع إسرائيل في إعادة تدوير نظام روابط القرى، أو إنشاء صحوات عشائرية تخدم أجندات غريبة، وخلال الوقت نفسه لا يمكن بقاء أي مسبب للنظام الحالي داخل غزة، يجب أن تعود السلطة الفلسطينية للقطاع".
ويقول مدير المكتب الإعلامي إسماعيل الثوابتة إن "أطرافاً دولية عقدت، بتوجيه إسرائيلي، 12 اجتماعاً مع مخاتير وعشائر قطاع غزة، في إطار سعيهم للبحث عن إدارة قطاع غزة بعد الحرب، وجميع العائلات التي عرض عليها هذا الأمر أعلنت رفضها بصورة كاملة لهذا العرض، باعتباره رفضاً لمخططات إسرائيل الرامية لضرب الجبهة الداخلية الفلسطينية".