Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يعني انسحاب روسيا من "معاهدة الصواريخ" مع أميركا؟

مستشار غورباتشوف انتحر احتجاجاً على توقيعها ولولاها لكان من الممكن نشوب صراع نووي بين القوى العظمى

كثير من القيادات العسكرية السوفياتية أعلنوا آنذاك احتجاجهم على المعاهدة إلى حد اتهام غورباتشوف بالخيانة (أ ف ب)

ملخص

ثمة من يقول إن المعاهدة كانت بمثابة الضمان ضد كارثة نووية، لكن طموحات السياسيين والجنرالات الأميركيين حالت دون الالتزام بالمعاهدة إلى أجل غير مسمى.

وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً ينسحب بموجبه من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، وتنص الوثيقة المنشورة على موقع الرئيس على أن سبب الانسحاب من المعاهدة هو "انتهاك الولايات المتحدة لالتزاماتها"، كما نص المرسوم الصادر بهذا الشأن على أن روسيا ستعود للمعاهدة عندما تنهي الولايات المتحدة انتهاكاتها. وفي أول تعليق رسمي صدر بهذا الصدد قال دميتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم الكرملين، إن روسيا أصبحت "ترى أن من حقها اتخاذ أي إجراءات مناسبة لنشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى، وإنها لم تعد مقيدة بأية صورة من الصور".

كذلك أصدرت وزارة الخارجية الروسية بياناً تقول فيه إن "روسيا لم تعد تعتبر نفسها ملزمة بالقيود الذاتية على نشر الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وإن شروط الحفاظ على هذا الوقف قد زالت". وأشارت الخارجية الروسية إلى خطوات الغرب في مجال انتشار الصواريخ النووية المتوسطة المدى، وأكدت أنها تشكل تهديداً مباشراً لأمن روسيا الاتحادية.

معاهدة الرفض والانتحار

وقد توقف مراقبون طويلاً أمام انسحاب روسيا من هذه المعاهدة التي وقعها الرئيسان السوفياتي ميخائيل غورباتشوف والأميركي رونالد ريغان عام 1987، خلال أول زيارة رسمية قام بها الرئيس السوفياتي للعاصمة الأميركية، قبل أن تدخل المعاهدة حيز التنفيذ اعتباراً من أول يونيو (حزيران) 1988. وكان البلدان تعهدا بموجب هذه المعاهدة بعدم إنتاج أو اختبار صواريخ باليستية أرضية وصواريخ "كروز" يتراوح مداها بين 500 و5.5 ألف كيلومتر، فضلاً عما تتضمنه المعاهدة من بنود تنص على "تعهد الأطراف المعنية بتدمير جميع منصات الإطلاق والصواريخ الأرضية التي تغطيها معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى في غضون ثلاث سنوات".

 

ونذكر أن كثيراً من الجنرالات والقيادات العسكرية السوفياتية أعربوا آنذاك عن احتجاجاتهم ضد هذه المعاهدة، بل وبلغ رفض بعضهم حد اتهام غورباتشوف بالخيانة، وبتقديم التنازلات أحادية الجانب. ومن الجنرالات المعارضين كان جنرال الجيش يفجيني ايفانوفسكي، قائد القوات البرية في ذلك الحين، الذي رفض توقيعها، فضلاً عن مارشال الاتحاد السوفياتي سيرغي أخرومييف الذي أقدم على الانتحار، في ظروف لا يزال الغموض يكتنف كثيراً من جوانبها.

وكان المارشال أخرومييف ترك تقريراً ثمة من قال إنه كان بصدد تقديمه إلى مجلس السوفيات الأعلى (البرلمان)، قبل العثور عليه مشنوقاً داخل مكتبه في الكرملين بحبل من النايلون، بحسب ما أشار إليه العقيد فيكتور بارانيتس المعلق العسكري لصحيفة "كومسومولسكايا برافدا". وجرى تنفيذ المعاهدة بواقع 846 نظاماً صاروخياً للولايات المتحدة، في مقابل 1000 وحدة إضافية للاتحاد السوفياتي مع نهاية المدة التي كانت مقررة لذلك، وهي ثلاث سنوات.

لماذا انسحب منها ترمب؟

أما عن الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، فيقول الخبراء العسكريون إنها الصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز" ذات المدى المتوسط (1000-5500 كيلومتر) والقصير (500 إلى 1000 كيلومتر). ونقلت صحيفة "آر بي كا" عن نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف المسؤول عن ملف العلاقات الروسية - الأميركية، تصريحاته حول اعتراضات روسيا حيال هذه المعاهدة.

وقال ريابكوف إنه "كان لدى روسيا أيضاً مطالبها لدى واشنطن، وهي التي لم تلق قبولاً من جانب الولايات المتحدة حول تطوير الأسلحة التي وصفها بـ"غير المأهولة"، علاوة على إطلاقها الصواريخ المتوسطة المدى تحت ستار أهداف لأنظمة الدفاع الصاروخي، مبررة ذلك بحقيقة أنها تدير أسلحتها الدفاعية بهذه الطريقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت وزارة الخارجية الروسية إلى نشر أنظمة الدفاع الصاروخي Igis Eshor في رومانيا وبولندا، وقالت باحتمالات أن تطلق هذه الأنظمة صواريخ "توماهوك" المتوسطة المدى.

وفي أول فبراير (شباط) 2019، أعلن الرئيس دونالد ترمب قبيل نهاية ولايته الأولى انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من هذه المعاهدة، اعتقاداً منه أن الصاروخ الروسي 9M729 كان انتهاكاً لمعاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى. وكانت موسكو حاولت في الـ23 من يناير (كانون الثاني) إثبات أن هذا الصاروخ غير مشمول بمعاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، حتى إن وزارة الدفاع الروسية عقدت اجتماعاً خاصاً، كشفت فيه عن الخصائص التكتيكية والتقنية للصاروخ وعرضت منصة إطلاقه. لكن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) تجاهلا هذه الحادثة، إذ إنهما لم يكونا بحاجة إلى أي دليل من حيث المبدأ.

وفي الثاني من فبراير 2019، أعلن فلاديمير بوتين أن روسيا ستعلق أيضاً مشاركتها في المعاهدة رداً على الإجراءات الأحادية الجانب التي اتخذتها الولايات المتحدة. وقال القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، في اجتماع مع زملائه في حلف شمال الأطلسي، إن الجانب الأميركي "سيلتزم بمعاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية المتوسطة والقصيرة المدى حتى اللحظة الأخيرة من عملها". وأضاف أنه "إذا قررت موسكو الانسحاب من المعاهدة، فسنتخذ نحن وحلفاؤنا الخطوات اللازمة وندخل المستقبل معاً".

وكان الهدف الرئيس لمعاهدة الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى، هو تقليل احتمالات نشوب حرب نووية بين القوى العظمى. وكانت مدة طيران الصواريخ الأميركية في أوروبا في حال توجيهها صوب أهداف في الاتحاد السوفياتي، وبالعكس، نحو 10 دقائق. وتقول المصادر الروسية إن "زمن الاستجابة في حال إطلاق صاروخ من أحد الطرفين كان ضئيلاً للغاية، لا يكفي لتحقيق مبدأ التدمير المتبادل، ولم تتح فرصة لإخطار الطرف الآخر بأي إطلاق خاطئ وغير مصرح به".

هكذا وفي إيجاز، فإنه لولا معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، لكان من الممكن نشوب صراع نووي محتمل في أية لحظة نتيجة حادثة غير متوقعة. وثمة من يقول إن المعاهدة كانت بمثابة الضمان ضد كارثة نووية، لكن طموحات السياسيين والجنرالات الأميركيين حالت دون الالتزام بالمعاهدة إلى أجل غير مسمى.

 

وفي تعليقه حول هذا الموضوع كتب فيكتور بارانيتس المعلق العسكري لصحيفة "كوسومولسكايا برافدا"، يقول إن الولايات المتحدة واصلت مسيرتها نحو تحقيق التفوق العسكري المطلق في العالم، ونشرت شبكة من محطات دفاعها الصاروخي في أوروبا، وطورت أحدث الصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز"، وأقامت منصات إطلاق مناسبة للصواريخ التقليدية والنووية. وخلص بارانيتس إلى تأكيد أن "لا جدوى لأية معاهدة عندما يسعى أحد الطرفين إلى أن يكون أقوى من الآخر من دون إخفاء ذلك".

وتقول المصادر الروسية بفشل تحذيرات موسكو من أن كل هذا يخل بالتوازن الأمني بين الجانبين، ولم يكن أمام روسيا سوى العمل من أجل مواجهة كل هذه التهديدات، لذا بدأت في إنشاء أنظمة صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت "غير محددة" في معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، وهي الصواريخ الفرط الصوتية التي سبق وأعلن الرئيس بوتين إنتاجها، ومنها "كينجال"، وهو صاروخ باليستي يمكنه حمل رؤوس نووية أو تقليدية ويصعب اعتراضه. مما قوبل من جانب الولايات المتحدة بالاعتراض، وهي التي كانت تبحث عن ذريعة لانتهاك المعاهدة.

وفي الأول فبراير 2019، وكما أشرنا عاليه أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء إجراءات الانسحاب من المعاهدة. وهو ما قوبل في اليوم التالي من جانب الرئيس الروسي بإعلانه وقف مشاركة روسيا في معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، مضيفاً أن رد موسكو على تصرفات واشنطن سيكون "بالمثل"، وأن روسيا لن تنشر أسلحة متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا أو مناطق أخرى من العالم حتى تنشرها الولايات المتحدة، "في حال ظهور مثل هذه الأسلحة". لكن كل شيء كان يسير في هذا الاتجاه، بحسب ما أشارت إليه الصحيفة الروسية.

من هنا ظهرت "أوريشنيك"

إزاء كل ذلك كان على روسيا البحث عن البدائل التي وجدتها في ما سبق أن قاله الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن لنظيره الروسي، إبان سنوات ولايته الأولى. وكان بوش اتخذ عام 2002 قرار انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الأنظمة المضادة للصواريخ، وهو ما حاول الرئيس بوتين إقناعه بالعدول عنه، بقوله إن ذلك يمكن أن يفتح الباب أمام جولة جديدة لسباق التسلح بين القوتين العظميين. أما ما رد به الرئيس الأميركي السابق فلم يكن سوى "السخرية" مما يمكن أن تفعله روسيا، التي كانت آنذاك لا تزال بعد مهيضة الجناح، في سبيلها إلى تضميد ما لحق بها من جراح، وتجاوز ما عانته من آلام تسعينيات القرن الماضي، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

وكان بوش صارح بوتين بما معناه أنه يمكن أن يفعل ما يريد إذا كان في مقدوره ذلك، ولعل العالم كله يذكر ذلك الخطاب التاريخي الذي ألقاه بوتين في مؤتمر الأمن الأوروبي في ميونيخ في فبراير عام 2007، وكشف فيه عن رؤيته للعالم المتعدد الأقطاب، ورفضه لانفراد قوة بعينها بالقرار الدولي وتجاهلها للشرعية الدولية، وتوجهه نحو إعادة بناء قواته المسلحة.

من هذه النقطة تحديداً يمكن فهم بوتين وما طرحه ويطرحه من رؤى وما يتخذه من قرارات، ومن الممكن تفهم ما يعتمل في صدر ذلك الزعيم منذ ذلك الحين. وإذا أخذنا في الاعتبار السلوك "العدواني" لحلف "الناتو" وبلدان الاتحاد الأوروبي التي تكالبت وراء تزويد جيوشها ومعها أوكرانيا بأسلحة جديدة، بعد نجاح واشنطن وممثليها في نشر أفكار الثورات الملونة وتحقيقها لمرادها في عدد من بلدان الفضاء السوفياتي السابق، ومنها أوكرانيا ثاني كبريات الجمهوريات السوفياتية السابقة، فإنه يمكن فهم ما يدور الآن من تطورات تجري على الأرض الأوكرانية، فضلاً عما يتردد في شأن أن حرباً مع روسيا قد تحدث خلال ثلاث إلى خمس سنوات.

كذلك يمكن فهم أمر آخر كشف عنه الرئيس الروسي خلال زيارته لجزيرة فولام شمال غربي روسيا على مرمى حجر من فنلندا، عضو "الناتو"، خلال الأيام القليلة الماضية برفقة حليفه ألكسندر لوكاشينكو رئيس بيلاروس، وهو ما يتلخص في إعلانه بدء دخول صواريخ "أوريشنيك" الخدمة العسكرية، وإمداد القوات المسلحة الروسية بمثل هذه الصواريخ التي قال إنه لا مثيل لها في تسليح الجيوش الغربية. وهي صواريخ تصل سرعتها إلى 10 ماخ (أي نحو 12.4 ألف كيلومتر/ ساعة). والمسافة من غوميل في جنوب شرقي بيلاروس إلى رامشتاين (القاعدة العسكرية الرئيسة للولايات المتحدة وحلف "الناتو" في ألمانيا) تزيد قليلاً على 1500 كيلومتر، وهي مسافة لن يكون معها لدى رجال الصواريخ الأميركيين وقت كاف لارتداء ملابسهم الداخلية، على حد تعبير فيكتور بارانيتس، المعلق العسكري لصحيفة "كومسومولسكايا برافدا".

المزيد من تقارير