ملخص
على رغم رمزيتها الأخلاقية لم تكن المائدة دوماً مرادفاً للأمان، ففي حين ظلت في غالب محطات التاريخ وسيلة دبلوماسية للتهدئة وبناء الجسور، فإنها في لحظات نادرة انقلبت إلى مصيدة للخصم.
في تاريخ تفتحت فيه أعين العرب على مفاهيم الضيافة بوصفها مرآة الكرم وأصل المروءة لم يخطر ببال أحد أن المائدة ذاتها التي تقام لها الخيام وتذبح لها الذبائح قد تغدو ذات يوم ساحة للأفخاخ وامتداداً للصراع على الحكم، فالعرب الذين اشتهروا بأنهم يذيبون جليد العداوة بلقمة، ويكسرون سيوف الثأر بكأس من اللبن، لم يكونوا بمنأى من خيانات تطهى على نار هادئة في المطابخ السلطانية.
من الدولة الأموية، حيث كانت الولائم تستخدم لامتصاص الولاء قبل خنقه، إلى العصر العباسي حين اتخذت المائدة دور القاضي والجلاد، ثم إلى العصر الفاطمي، حيث كان السم يسكب في الكؤوس كما تسكب عبارات الترحيب، وصولاً إلى المماليك الذين جعلوا من الدعوة إلى الطعام رسالة لا يرد عليها بالاعتذار، بل بالحذر، استخدمت تقاليد الضيافة لتغليف صراعات دموية حسمت عند حافة الملعقة. فما أبرز النماذج التي تحولت فيها المائدة من مساحة للحوار إلى منصة إعدام سياسي؟
جديس وطسم
في سياق يتعارض جذرياً مع صورة الضيافة العربية المجبولة على الكرم يلفت الباحث السعودي عبدالرحمن بن عبدالله الشقير إلى "أن المائدة على رغم رمزيتها الأخلاقية لم تكن دوماً مرادفاً للأمان، ففي حين ظلت في غالب محطات التاريخ وسيلة دبلوماسية للتهدئة وبناء الجسور، فإنها في لحظات نادرة انقلبت إلى مصيدة تنصب للخصم تحت ستار المروءة".
يقول الشقير "إن الثقافة العربية لم تعرف ظاهرة الاغتيالات على الموائد بوصفها سلوكاً راسخاً، بل ظلت حالات استثنائية لا تمثل النسق العام"، لكنه يقر بأن بعض تلك الحالات حفرت أثرها العميق في الوعي الجمعي، بدءاً من الأسطورة الجاهلية عن طسم وجديس، التي تعود إلى مطلع القرن الخامس الميلادي حين لجأ الأسود بن غفار زعيم قبيلة جديس إلى "المائدة الدبلوماسية" وسيلة للانتقام من عمليق سيد طسم بعدما استباح أرضه وأهله، فدعاه إلى وليمة ظاهرها المصالحة وباطنها التصفية، مستدرجاً إياه بعيداً من حراسته ليغتاله مع رجاله في أول مشاهد الغدر التي اختبأت خلف طبق الكرم".ويضيف الشقير أن "هذا النمط تكرر في واقعة اغتيال ملك الحيرة عمرو بن هند على يد الشاعر والفارس عمرو بن كلثوم في القرن السادس الميلادي حين استضاف الملك الشاعر ووالدته في مجلسه وطلبت هند بنت الحارث من والدة ابن كلثوم أن تناولها الصحن، في تصرف عُدَّ آنذاك إهانة بالغة للكرامة القبلية، فما كان من عمرو بن كلثوم إلا أن استل سيفه وقتل الملك داخل بلاطه، في مشهد لا تزال أصداؤه حاضرة في الذاكرة الأدبية العربية عبر مُعلَّقته الخالدة".
حادثة النبي محمد
ضمن هذا السياق يستدعي الشقير واحدة من أكثر الحوادث وقعاً في الذاكرة الإسلامية، مشيراً إلى أن "النبي محمداً نفسه لم يكن بمأمن من خيانة المائدة حين ربط في أواخر أيامه بين وفاته وسم دس له في وليمة بعد معركة خيبر قائلاً: يا عائشة ما أزال أجد ألماً من الطعام الذي أكلت بخيبر".بحسب الشقير فإن "المرأة اليهودية التي أعدت الشاة المشوية كانت تدرك ميل النبي إلى الكتف فركزت السم في هذا الموضع بدقة، وعلى رغم نجاته الفورية فإن أثر السم بقي في جسده حتى لحظة وفاته".
ويستشهد بحادثة وثقت في الذاكرة العربية على هذا الانقلاب في الوظيفة الرمزية للمائدة، وهي اغتيال الخليفة العباسي المتوكل على الله عام 861 من الميلاد خلال مائدة مسائية في قصره حين تمكن حراسه الأتراك بتحريض من ابنه المنتصر من تصفيته في لحظة كان يفترض أن تكون مجلساً للسكينة لا مدخلاً للدم، ويصف هذه الحادثة بأنها "نقطة تحول مفصلية مكنت العسكر من مفاصل الدولة وأضعفت سلطة الخلافة سياسياً ورمزياً".ويضيف الشقير "من الأعراف المتجذرة في الثقافة العربية الامتناع عن دخول المجالس بالسلاح أو البشت كونهما رمزين للهيبة والاستعداد للمواجهة، وعليه فإن المائدة تعد لحظة هدنة اجتماعية غير معلنة، واستغلالها لتصفية الخصم يعد خيانة مزدوجة أخلاقياً وثقافياً".
حادثة القلعة
في التاريخ السياسي ثمة موائد لا يقام عليها طعام بقدر ما ينصب فوقها الفخ، وتحت قباب قلعة القاهرة عام 1811 قدم محمد علي باشا نموذجاً صارخاً لهذه المعادلة، حين استدرج نخبة المماليك إلى احتفالية رسمية بدت في ظاهرها تكريماً لابنه طوسون قبل انطلاق حملته إلى الحجاز، لكنها كانت في جوهرها مقدمة لمذبحة مخطط لها بإتقان، بحسب ما يوثقه المجلد الثاني من "تاريخ مصر الصادر عن جامعة كامبريدج"، فقد دعي أكثر من 400 أمير مملوكي إلى القلعة، واصطفوا في الممر الحجري الضيق المؤدي إلى البوابة، قبل أن تغلق خلفهم الأبواب وتنهال عليهم النيران من أعلى الأسوار، لم تكن الواقعة نهاية لوليمة، بل بداية لإقصاء طبقة سياسية كاملة، إذ تلتها حملات تصفية ممنهجة في أحياء القاهرة وصعيد مصر، أجهزت على ما تبقى من المماليك، إذ لم يكن الطعام إلا طعماً، ولم يكن الود إلا غلافاً لقرار دموي صنعه محمد علي ليمهد لدولته الحديثة على أنقاض النظام القديم.
التاريخ العثماني
في أحد أكثر فصول التاريخ العثماني قتامة كادت ولية العهد السلطانة كوسم تطيح حفيدها السلطان محمد الرابع عبر شراب مسموم يقدم في إطار وليمة داخل أروقة قصر "طوب قابي". ووفقاً لما وثقه المؤرخ العثماني "نعيمة" والمستشرق البولندي ووجسيك بوبوفسكي في مؤلفه "الحياة في البلاط العثماني"، فإن السلطانة التي كانت تحكم من خلف الستار أوعزت إلى كبير الطهاة بتقديم شراب ممزوج بالسم للسلطان الصغير طمعاً في إعادة السلطة إلى يدها بعد تنامي نفوذ والدته السلطانة تورخان، إلا أن المؤامرة سربت قبل أن تبلغ مائدتها ليصدر أمر فوري بتصفية المتورطين، ويطوى ملف أحد أكثر الإعدامات دموية داخل القصر بعدما وجهت أصابع الاتهام إلى كوسم نفسها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تكن "جرائم الموائد" مجرد فصول دموية من مرويات القصور المملوكية أو دسائس الخلافة العباسية، بل هي سلسلة متجذرة عبر العصور وجدت لنفسها سبلاً خفية في كل زمن، حتى في عالم اليوم الذي يفترض أنه أكثر مدنية وشفافية.ففي عام 2023 شهدت ولاية فيكتوريا الأسترالية واحدة من أكثر الحوادث غرابة حين دعت امرأة تدعى إيرين باترسون ثلاثة من أقارب زوجها السابق إلى مأدبة غداء "تصالحية"، وقدمت لهم طبقاً كلاسيكياً يعرف بـ"بوف ويليغتون" من دون أن يدركوا أن نكهته هذه المرة ممزوجة بسم قاتل، وبعد ساعات من مغادرتهم المائدة، أصيب الضيوف بعوارض حادة وتوفي ثلاثة منهم فيما نجا رابع بأعجوبة. التحقيقات كشفت عن أن فطر "أمانيتا فاللويدس" السام أدرج عمداً في الطبق، وأن المأدبة كانت غطاءً لجريمة مدبرة ببراعة، وفي عام 2025 وجهت لإيرين تهم القتل والشروع فيه، لتثبت أن المائدة مهما بلغت طيبتها الظاهرة قد تكون في بعض الأحيان ميداناً صامتاً للثأر أو التصفيات، إذ تمتد خيوط الجريمة من قصور العباسيين والمماليك إلى مطابخ الضواحي الهادئة، حيث لا يزال الطعام أحياناً سلاحاً يقدم على طبق من دم.