ملخص
يرى محللون أن النبرة الفرنسية الحالية تمثل أعلى درجات التوبيخ الأوروبي لإسرائيل منذ اندلاع الحرب الأخيرة، لكنها حتى الآن لا تزال تندرج في إطار التصريحات من دون ترجمة فعلية على الأرض. غير أن مجرد طرح مسألة مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل يعد تطوراً غير مسبوق.
على خلفية استمرار جيش الاحتلال الإسرائيلي في عملياته العسكرية على قطاع غزة، والتي تصفها أطراف دولية متعددة بـ"الإبادة الجماعية"، ومع تواصل الحصار ومنع إدخال المساعدات الإنسانية، بدأت نبرة الخطاب الأوروبي، وتحديداً الفرنسي، تتخذ مساراً أكثر حدة تجاه إسرائيل.
وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، إلى مراجعة اتفاقية الشراكة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وذلك في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل الأوساط الأوروبية من السياسات الإسرائيلية في غزة.
الدعوة لاقت دعماً مباشراً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي دعا بدوره إلى ممارسة مزيد من الضغوط على إسرائيل، مطالباً بإعادة النظر في الاتفاقات المبرمة معها، معتبراً أن ما يحدث في قطاع غزة "مأساة إنسانية غير مقبولة، ولا بد من وقف النزاع".
وفي تصريحاته، وصف بارو الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة بأنها "اعتداء خطر على الكرامة الإنسانية"، مؤكداً أن ما يجري يعد انتهاكاً واضحاً لجميع قواعد القانون الدولي، وهو ما يفتح الباب أمام تصعيد دبلوماسي ذي أبعاد اقتصادية محتملة.
وتمنح اتفاقية الشراكة، التي دخلت حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) 2000، إسرائيل عديداً من الامتيازات الجمركية والتجارية داخل السوق الأوروبية. ويعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين 46.8 مليار يورو خلال عام 2022. وتعد هذه الاتفاقية أداة ضغط فعالة في حال قررت دول الاتحاد تعليقها أو إعادة التفاوض بشأنها.
وبحسب متابعين، فإن استجابة الاتحاد الأوروبي للدعوات الفرنسية وتعليق اتفاقية الشراكة سيخلف تأثيرات مباشرة على الجانبين: إسرائيلياً، قد تفقد تل أبيب جزءاً كبيراً من امتيازاتها التجارية في السوق الأوروبية، مما سينعكس سلباً على صادراتها، لا سيما في مجالات التكنولوجيا، والصناعات الكيماوية، والمنتجات الغذائية.
أما أوروبياً، قد ينشأ عن التعليق توتر دبلوماسي مع تل أبيب، إلى جانب تأثيرات اقتصادية تطاول الشركات الأوروبية التي ترتبط بعلاقات استيراد أو شراكة مع إسرائيل. ومع ذلك، ينظر إلى هذا الثمن المحتمل على أنه مقبول، إذا كان الهدف منه هو الضغط على إسرائيل للامتثال للقانون الدولي ووقف الانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
ويرى محللون أن النبرة الفرنسية الحالية تمثل أعلى درجات التوبيخ الأوروبي لإسرائيل منذ اندلاع الحرب الأخيرة، لكنها حتى الآن لا تزال تندرج في إطار التصريحات من دون ترجمة فعلية على الأرض. غير أن مجرد طرح مسألة مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل يعد تطوراً غير مسبوق في المواقف الأوروبية، وربما يشير إلى بداية تغير أوسع في السياسات إذا ما استمر الضغط الشعبي والدولي.
إجراءات أكثر حدة
أشار المحلل السياسي رامي خليفة العلي إلى أن تلويح فرنسا بمراجعة الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل لا يعد تطوراً جديداً أو كافياً في ضوء ما يجري حالياً في غزة، لا سيما في ظل سياسة "التجويع الممنهج" التي تمارس في هذا التوقيت. وأوضح أن الدول الأوروبية مطالبة باتخاذ إجراءات أكثر حدة، إلا أن هذا الأمر يواجه تعقيدات كبيرة، أبرزها التباين في المواقف داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً الموقف الألماني الرافض لأي قرار جماعي من شأنه أن يزيد الضغط على إسرائيل.
وأكد العلي أن الخطوة الفرنسية، في حال تنفيذها، لن تكون من دون تأثير، إذ من المتوقع أن تلحق ضرراً ملموساً بالمصالح الاقتصادية الإسرائيلية نظراً إلى حجم العلاقات التجارية الواسعة بين إسرائيل والدول الأوروبية.
وفي سياق متصل، لفت العلي إلى أن فرض عقوبات من قبل شركات أوروبية على إسرائيل قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الأوروبي ذاته، نظراً إلى احتمال رد فعل أميركي على تلك الخطوات. وأشار إلى أن الولايات المتحدة، التي تتخذ موقفاً داعماً لإسرائيل، قد تلجأ إلى فرض عقوبات على الشركات الأوروبية، وهو ما قد يدفع هذه الشركات إلى تجنب الدخول في صدام مع واشنطن، ويجعل مسألة فرض عقوبات أو تعليق الاتفاقيات التجارية أكثر تعقيداً وصعوبة.
كما أكد المحلل السياسي رامي خليفة العلي أن الموقف الفرنسي تجاه ما يحدث في قطاع غزة لم يشهد تغييراً جوهرياً، على رغم تباين نبرة الخطاب الرسمي في الآونة الأخيرة. وأوضح العلي أن هذا التغيير الظاهر يرتبط أساساً بزيادة وتيرة الإدانات والاحتجاجات على الانتهاكات في غزة، وليس بتحول فعلي في السياسة الفرنسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن ما يلاحظ حالياً هو تغير في لغة الخطاب، وليس في جوهر السياسة، مشيراً إلى أن 28 دولة فقط وقعت على بيان يدين السياسات الإسرائيلية، بينما لم تنضم إليه دول بارزة مثل ألمانيا واليابان، ما يضعف من فاعلية الضغط على الجانب الإسرائيلي.
ويرى العلي أن التلويح الفرنسي بمراجعة الاتفاقيات التجارية لا يمثل تحولاً حقيقياً في السياسة الفرنسية، بل يعكس استجابة لضغوط داخلية متزايدة، مع سعي باريس للإبقاء على دور متوازن في التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط.
وأوضح العلي أن إسرائيل تواجه عزلة متزايدة على المستوى الشعبي في فرنسا وأوروبا، نتيجة تصاعد ضغط المجتمع المدني، إلا أن هذا لا ينعكس بالضرورة على المستوى الرسمي. وأشار إلى أن المشهد الأوروبي لا يظهر عزلة سياسية حقيقية لإسرائيل، إذ لا تزال هناك دول أوروبية تحتفظ بعلاقات وثيقة معها، مثل ألمانيا وبلغاريا والمجر، في مقابل دول أخرى كإسبانيا وإيرلندا التي تتبنى مواقف تاريخية معارضة للسياسات الإسرائيلية، سواء في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية عامة أو بقطاع غزة على وجه الخصوص.
وفي ما يخص الخطوة الفرنسية الأخيرة، رأى العلي أنها تأتي استجابة لضغوط داخلية متزايدة، بخاصة من قبل بعض مكونات الطبقة السياسية الفرنسية، وعلى رأسها أحزاب اليسار التي طالما تبنت مواقف متقدمة دعماً للقضية الفلسطينية. واعتبر أن ما تقوم به باريس يعد رد فعل على هذه التحركات الداخلية، لكنه لا يعكس – في رأيه – تحولاً حقيقياً في السياسة الفرنسية تجاه الشرق الأوسط أو في موقفها من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.
تطور في موقف فرنسا
قال المحلل السياسي نبيل شوفان إن "هناك تطوراً في موقف فرنسا تجاه الحرب في غزة والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من اللاإنسانية، بالتالي تعتقد باريس أنه بات من الضروري التفكير في تدابير ملموسة كعقوبات اقتصادية في سياق أوروبي، على رغم أننا ما زلنا أمام تحذيرات وليست إجراءات فورية".
وفي ما يتعلق بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، يشير شوفان إلى أن "الاتفاقية تسهل تجارة السلع والخدمات، والتعاون التكنولوجي والاقتصادي، وحتى الحوار السياسي، وهو ما قد يحرم إسرائيل ميزة الوصول السهل إلى السوق الأوروبية الشريك التجاري الرئيس لتل أبيب، وفي حال وصل الأمر إلى تعليق الاتفاقية أو بعض بنودها فإن ذلك في اعتقاد شوفان سيؤثر في قطاعات تصدير التكنولوجيا والمعدات العسكرية أو الطبية والمنتجات الزراعية، والعقوبات الاقتصادية على إسرائيل ليست سابقة، حيث شهدنا من قبل عقوبات وقيوداً في أوروبا على البضائع الإسرائيلية المصنعة في المستوطنات غير القانونية".
ويضيف شوفان قائلاً "نحن أمام رأي عام فرنسي وأوروبي تزداد حدة انتقاداته للحرب في غزة التي أصبحت بحسب الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية خارج أطر القانون الدولي والإنساني، فضلاً عن أعداد القتلى، والطرائق المتعددة لموتهم بالقصف أو بالجوع أو عند مراكز المساعدات. ويعبر عن ذلك بتظاهرات ومطالبات وتوقيع عرائض من قبل النخب الثقافية والأدبية والعلمية كضغط على الحكومات، فضلاً عن سياق أوروبي تتزايد فيه الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطين لا سيما إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا وباتت تدعو وتضغط لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً، بالتالي ستحاول فرنسا تجنب عزلة أخلاقية في سياق دينامية عالمية تجاه ما يحصل في هذه الحرب".
الشراكة الأوروبية- الإسرائيلية على المحك
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن فرنسا تحاول الموازنة بين ضغوط داخلية متصاعدة، وسياق أوروبي متغير، ومصالح استراتيجية معقدة. وبينما تزداد حدة الانتقادات الشعبية في الداخل الأوروبي، وتتعالى الأصوات المطالبة بمحاسبة إسرائيل ووقف المجازر المستمرة في غزة، لا تزال الإجراءات الرسمية عند حدود التصريحات السياسية، من دون خطوات تنفيذية واضحة.
يبقى السؤال المطروح: هل يتحول التصعيد الدبلوماسي الفرنسي إلى إجراءات ملموسة تعيد تشكيل العلاقة الأوروبية مع إسرائيل؟
في نهاية المطاف، يبدو أن مستقبل الاتفاقية الأوروبية- الإسرائيلية، بل وربما ملامح السياسة الأوروبية في الشرق الأوسط، باتا على المحك.