ملخص
عزت تقارير إسرائيلية أن قرب قبرص من إسرائيل وكلفها المعيشة المنخفضة نسبياً وحال الاضطراب التي خلفتها التعديلات القضائية أوائل عام 2023 دفعت الإسرائيليين للتوافد إليها، وبخاصة مع تفاقم الأزمات السياسية والعسكرية بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب على غزة.
خلال جولة سياحية داخل أحد الأحياء الجديدة في مدينة لارنكا بجزيرة قبرص شرق البحر الأبيض المتوسط، شعرت الفلسطينية لوران السيد (30 سنة) لوهلة أنها وسط شوارع تل أبيب. فمن هم حولها من متسوقين وزوار داخل بعض المتاجر والحوانيت وفي المقاهي والتجمعات السكانية يتحدثون اللغة العبرية، حتى إن أحد المطاعم الشهيرة هناك عرض عليها تجربة أطباق من "المطبخ الإسرائيلي".
وعزت تقارير إسرائيلية أن قرب قبرص من إسرائيل وكلفها المعيشة المنخفضة نسبياً وحال الاضطراب التي خلفتها التعديلات القضائية أوائل عام 2023 دفعت الإسرائيليين للتوافد إليها، وبخاصة مع تفاقم الأزمات السياسية والعسكرية بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب على غزة.
وعلى إثر الحرب الإسرائيلية مع إيران خلال يونيو (حزيران) الماضي وإغلاق مطار بن غوريون الرئيس، برزت هذه الجزيرة مجدداً في عناوين الصحف الإسرائيلية باعتبارها محطة رئيسة تجذب الإسرائيليين الأثرياء.
وتعد قبرص من أكثر وجهات العطلات شعبية لدى سكان إسرائيل. ووفقاً لهيئة الإحصاء القبرصية (Cystat) يشكل الإسرائيليون 11 في المئة من إجمال السياح عام 2024، مما جعلهم في المرتبة الثانية بعد البريطانيين. ويزداد عدد الزوار سنوياً بفضل القرب الجغرافي بين البلدين، إذ تستغرق الرحلة من تل أبيب إلى لارنكا 40 دقيقة بالطائرة، وكثرة الرحلات الجوية المباشرة، والدخول من دون تأشيرة، ومناخ الجزيرة المعتدل.
ووفقاً لتقارير إسرائيلية، بلغ عدد الإسرائيليين المقيمين في قبرص 15 ألف شخص يمثلون نحو 3500 عائلة، مقارنة بـ2000 عائلة قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وسط نشاط بارز لحركة "حباد" الأرثوذكسية الحسيدية اليهودية، والتي باتت تمتلك في قبرص ستة منازل وكنيساً يهودياً ومقبرة وميكفاه (مغطس يهودي)، ومركز كشروت (هيئة يهودية لمنح شهادات "الحلال")، إضافة إلى منشآت للأنشطة الصيفية وروضة أطفال.
عقارات ومنازل
منذ عام 2004 باتت قبرص عضواً في الاتحاد الأوروبي، وتتمتع بجميع مزايا التجارة الحرة وحركة رؤوس الأموال، ولذلك يعدها عدد من الإسرائيليين مكاناً مثالياً لتوسيع الأعمال ونقطة دخول إلى السوق الأوروبية.
ومن السهل عليهم نسبياً فتح أعمالهم هناك والحصول على الإقامة الضريبية والاستفادة من نظام ضريبي خاص. وعلاوة على ذلك، تعد فرص الاستثمار في سوق العقارات القبرصي أكثر جاذبية مقارنة بتلك المتاحة في إسرائيل، إذ لا تزال أسعار العقارات في الجزيرة أكثر تنافسية، ويمكن تأجيرها للسياح والمغتربين معظم العام، إذ تنقل عدد من شركات تكنولوجيا المعلومات موظفيها مع عائلاتهم من إسرائيل إلى قبرص.
وعلى خلفية اتساع نطاق شراء العقارات من قبل مستثمرين إسرائيليين، أشار الأمين العام للحزب التقدمي للشعب العامل "أكيل" اليساري ستيفانوس ستيفانو إلى أن إسرائيليين يشترون مراكز اقتصادية مهمة وأراضي شاسعة في قبرص، بطريقة منظمة وبصورة غير خاضعة للرقابة وقاموا بإنشاء وتأسيس مدارس ومعابد يهودية.
واتهم الحكومة القبرصية بالسماح بعمليات بيع "غير منضبطة" للأراضي داعياً الرئاسة إلى "التدخل الفوري"، مؤكداً أن تصريحاته جاءت بدافع "مخاوف حقيقية في شأن السيادة الوطنية" في ما عدت وسائل إعلام إسرائيلية ومسؤولون إسرائيليون تحذيرات حزب "أكيل" ثاني أكبر حزب في قبرص، أنها انتقادات "معادية للسامية وخطاب للكراهية".
وحذرت "حركة مكافحة معاداة السامية" في بيان من أن تصوير النشاط اليهودي المجتمعي كمؤامرة للسيطرة على الأراضي "يعيد إنتاج نظريات تآمرية، استخدمت تاريخياً لنزع الشرعية عن الوجود اليهودي عالمياً"، مشيرة إلى خطر تأجيج التطرف في شرق المتوسط.
من جهتها، دعت السفارة الإسرائيلية لدى نيقوسيا القادة القبارصة من مختلف التيارات إلى "إدانة الخطاب الذي يصور اليهود كجماعة شيطانية".
وبحسب تقرير لصحيفة "بوليتس" البارزة في قبرص الجنوبية، هناك تصاعد لعمليات شراء الإسرائيليين للأراضي في الجزيرة بعد الحرب الأخيرة مع إيران، لدرجة أن بعض المناطق باتت تشهد تجمعات سكنية إسرائيلية تتجاوز الطابع الفردي أو السياحي، وتقترب من تشكيل نواة مدينة متكاملة، اجتماعياً ودينياً وخدماتياً.
ووفقاً لتقرير وكالة "تليغراف" اليهودية، تتمتع قبرص بعملة مستقرة وقوانين ضريبية منفتحة. وعزت زيادة الوجود الإسرائيلي في قبرص إلى الموقف الدافئ تجاه إسرائيل في قبرص على مستوى الحكومات. واستقرت شركات طبية إسرائيلية مرموقة في الجزيرة، بينما ينجذب الطلاب الإسرائيليون إلى المؤهلات الأميركية والبريطانية التي تقدمها المدارس القبرصية. ووفقاً لبيانات الحكومة القبرصية، اشترى الإسرائيليون في مدن لارنكا وليماسول وبافوس خلال الأعوام الأربعة الأخيرة نحو 4 آلاف وحدة عقارية.
أسعار باهظة
لم تقتصر التحركات العقارية النشطة للإسرائيليين في الجزء الجنوبي اليوناني وحسب من الجزيرة، بل تزايد توجه اليهود الإسرائيليين لشراء الأراضي والوحدات السكنية بصورة مبالغ فيها خلال الأعوام القليلة الماضية في شمال قبرص التركية أيضاً، ولا سيما في محافظة "إسكيله" بهدف الانتقال والعيش فيها.
وكشفت صحيفة "صباح" التركية خلال وقت سابق أن عشرات الآلاف من اليهود اشتروا ما يقدر بـ100 ألف متر مربع من الأراضي، وعدداً كبيراً من الوحدات السكنية في قبرص التركية وبأسعار باهظة، على رغم القيود القانونية والسياسية التي تحظر بيع المنازل والأراضي للأجانب دون موافقة حكومية رسمية.
وتبين أن اليهود يتحايلون على قوانين الدولة عبر شراء الأراضي والمنازل بأسماء شركات تابعة ليهود يملكون جنسيات أوروبية موجودة في قبرص التركية.
ووفقاً للصحيفة، تجاوز عدد الشركات التي تعود ملكيتها لرجال أعمال يهود يحملون جنسيات أجنبية وقبرصية الموجودة في جمهورية شمال قبرص إلى 2000 شركة.
وتظهر الإحصاءات الرسمية، وجود 35 ألفاً من اليهود في جمهورية شمال قبرص والبالغ عدد سكانها 380 ألف نسمة، خلال وقت تهيمن فيه إسرائيل على المرتبة الـ12 بين الأجانب الأكثر شراء للأراضي هناك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشككت مؤسسة "قبرص العامة" ضمن بيان، في شأن أهداف تزايد شراء اليهود للعقارات في شمال قبرص ومن النية غير المعلنة لهذه الخطوات المتلاحقة، وبخاصة بعد نجاحهم بافتتاح أول معبد يهودي غير رسمي لجمهورية شمال قبرص التركية في مدينة كارا أوغلان أوغلو الساحلية. ونشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن ظاهرة فرار إسرائيليين باتجاه قبرص عبر البحر خلال المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران.
وأكدت أنها تدار عبر مجموعات مغلقة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتنفذ على متن يخوت خاصة دون تصاريح رسمية، ويتراوح ثمن مغادرة إسرائيل بحراً حسب العرض والطلب، وحسب نوع اليخت وسرعته ووسائل الراحة المتوافرة فيه، فهناك يخوت تضم غرفاً خاصة وأخرى تعمل بالديزل وتصل إلى قبرص في ثماني ساعات فحسب. وقد تراوح سعر الرحلة الواحدة ما بين 2500 و6500 شيكل (700 إلى 1700 دولار).
هجرة عكسية
في سياق متصل، أوردت دراسة بحثية موسعة أعدها "معهد الدراسات والسياسات اليهودية" ومقره بريطانيا، ويعنى بإجراء دراسات حول المجتمعات اليهودية في أوروبا والعالم، أنه طرأ تغيير كبير على المجتمعات اليهودية في الدول الأوروبية، بعدما أسهم الإسرائيليون الذين انتقلوا للعيش داخلها في إحياء الجاليات اليهودية التي تراجع تأثيرها ديموغرافياً أو ثقافياً.
وبحسب الدراسة فقد نقل المهاجرون الإسرائيليون تراثهم الديني والاجتماعي وثقافتهم اليومية إلى الدول التي يهاجرون أو يعودون إليها، وأصبح استعمال اللغة العبرية والأسماء اليهودية للأطفال أكثر انتشاراً في عدد من الجاليات الأوروبية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 30 ألف إسرائيلي غادروا إسرائيل بصورة دائمة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 ومارس (آذار) 2024. وأظهرت التحليلات الإسرائيلية أن كثيراً من المقيمين في الخارج يؤجلون قرار العودة أو يتراجعون عنه.
ويظهر تحليل البيانات الصادرة عن المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء، ارتفاعاً ملحوظاً وغير مسبوق في أعداد الإسرائيليين الذين يهاجرون من إسرائيل، والذي يتزامن مع انخفاض لافت في أعداد العائدين إليها، إضافة إلى ما تواجهه تل أبيب من حركة سفر مرتفعة من الفئات العمرية المنتجة.
وبحسب البيانات فإن الفئة العمرية من سن 25 إلى 59 هي الأكثر مغادرة لإسرائيل، وهي تمثل عصب النشاط الاقتصادي. مما يعكس وفقاً لمحللين ملامح أزمة داخلية متصاعدة، تتمثل في تنامي هشاشة البنية المجتمعية وتزايد الميل إلى الهرب من الأزمات الأمنية والاقتصادية المتواصلة التي تشهدها إسرائيل، منذ فترة حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ عام 2022 وحتى هذه اللحظة.
قفزة نوعية
خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، وصلت أعداد المهاجرين الإسرائيليين إلى 22.9 ألف مهاجر إسرائيلي. لكن القفزة الأكبر جاءت خلال العام الماضي إذ بلغ عددهم 82.8 ألف مهاجر، ليسجل عام 2024 أعلى رقم للهجرة من إسرائيل منذ عام 2010.
وتبرز الأرقام أن استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وتفاقم الآثار الاقتصادية الناجمة عن الحرب، تسببت أيضاً في انخفاض أرقام المهاجرين إلى إسرائيل، إذ سجلت أعداد المهاجرين العائدين إليها تراجعاً غير مسبوق خلال عامي 2023 و2024، وهو أقل معدل للعودة منذ عام 2010.
وعلى رغم أن الحكومة الإسرائيلية لا تقدم أية بيانات رسمية عن نسبة الإسرائيليين الذي يحملون جنسية مزدوجة، نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية تقديرات غير رسمية تفيد بأن نحو 10 في المئة من الإسرائيليين (نحو مليون شخص) يحملون جنسية بلد آخر.
فيما ذكر تقرير لموقع "تايمز أوف إسرائيل" عام 2023، أن هنالك نحو 200 ألف إسرائيلي يحملون جواز سفر أميركياً. ويرى البروفيسور الإسرائيلي أرون شيخانوفر الحائز جائزة "نوبل"، أن إسرائيل اليوم تواجه خطراً بسبب مغادرة "أفضل العقول وأكثرها كفاءة"، ورغبتهم في العيش داخل بلدان أخرى مثل قبرص.
قواعد عسكرية
ترتبط إسرائيل بعلاقات عسكرية ومعاهدات أمنية وثيقة مع قبرص، مما يخولها الاستفادة بفاعلية من القواعد العسكرية في الجزيرة وشن ضربات على أي من خصومها. وخلال العقدين الأخيرين، كثفت القوات المسلحة لكلا الطرفين إجراء تدريبات عسكرية مشتركة في شرق المتوسط، وشملت مناورات بحرية وجوية عسكرية شاملة تتكرر كل عام تقريباً ضمن برنامج "أونيسيلوس-جدعون".
ونفذت إسرائيل محاكاة لعمليات إنقاذ ونقل قوات خاصة، وتدريبات على عمليات التصدي للغواصات والهجمات البحرية آخرها كانت خلال الـ11 من أبريل (نيسان) 2024، إذ أجرى سلاح الجو الإسرائيلي تمريناً مشتركاً مع نظيره القبرصي في أجواء قبرص، يحاكي هجوماً على إيران.
إلى جانب ذلك استخدمت القوات البريطانية والأميركية بحسب منظمة Declassifieduk البريطانية، القواعد العسكرية في قبرص لشن غارات جوية على جماعة الحوثيين في اليمن إثر مهاجمتهم سفناً بحرية إسرائيلية وسفناً أخرى تعبر البحر الأحمر من وإلى إسرائيل.
ووفقاً لما صرح به وزير الدفاع في قبرص الرومية فاسيليس بالماس لصحيفة "ريال نيوز" اليونانية، فإن إسرائيل دولة جارة أقرب إليهم من اليونان، ولها أولوية استخدام القواعد العسكرية بالشطر الجنوبي من الجزيرة. وأضاف أن بلاده ستمنح أولوية لإسرائيل في استخدام قاعدة بافوس الجوية المقرر تجديدها من قبل الولايات المتحدة وقاعدة ماري البحرية التي هي قيد الإنشاء.