Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باريس تستعيد سينما "المعلم" شابرول في ذكراه الـ15

أحد رواد الموجة الجديدة سخر من الثقافة البورجوازية وغاص في الطبيعة البشرية

المخرج السينمائي الفرنسي كلود شابرول (أ ف ب)

ملخص

حب السينما الفرنسية يستوجب التوقف طويلاً عند المخرج الفرنسي كلود شابرول، أحد أبرز رموز "الموجة الجديدة"، الذي تحتفي به العاصمة الفرنسية حالياً بالتزامن مع ذكرى رحيله الخامسة عشرة.

تعود إلى الصالات التجارية في باريس دزينة من أفلام "المعلم" كلود شابرول (1930)، وتحديداً تلك التي أنجزها في الستينيات والسبعينيات. من "عرس الدم" إلى "قبل حلول الليل" مروراً بـ"الجزار" و"أولاد العم" فـ"المرأة الخائنة" الذي اقتبسه الأميركيون في نسخة هوليوودية… أفلام تضعنا أمام لحـظة سينمائية من زمن آخر، لديها الكثير مما تقوله عن الطبيعة البشرية.

خرج شابرول من رحم "الموجة الجديدة"، وهو رسمياً أول من أنجز أفلام هذا التيار في فيلم "سيرج الجميل" (1958)، قبل أن يلتحق به كل من فرنسوا تروفو وجان لوك غودار. أحدث هذا التيار انقلاباً في أساليب السرد والتصوير والتمثيل، لكن شابرول بقي لاحقاً، طوال حياته على مسافة فكرية ونقدية منه، رافضاً أن يُختزَل دوره في الانتماء إلى مجموعة. واصل، بهدوء واستهزاء لاذع، فضح البنى الاجتماعية الفرنسية. تحولت البورجوازية أمام كاميراه إلى طبقة هشة، متناقضة ومأزومة أخلاقياً. في مناسبة هذه الاستعادة الباريسية، وصفته جريدة "لو موند" العريقة بـ"مراقب التفاهة الإنسانية".

صحيح أنه من أوائل من أطلقوا شرارة "الموجة"، لكنه لم يغرق في أجوائها الأيديولوجية والتنظيرية. انتقدها حين تطلّبت المزايدة ورفض تمجيد الذات الجماعية. وبفضل مزاجه المرن، وحسه الساخر، ظلّ بمثابة جسر بين أطياف هذا التيار، حتى بعد أن دبّت الخلافات وانطفأت الحماسة الأولى.

شابرول من عائلة أصلها من منطقة كروز، لكنه ولد وعاش في باريس. يقال إنه بدأ يرتاد السينما منذ الرابعة. والده صيدلي انخرط في المقاومة. كان يفترض أن يتسلّم إرث العائلة ويواصل نشاطها، لكن هذا القارئ النهم قرر مبكراً أن يبتعد من مسار مقرر سلفاً. بعد دراسة الحقوق، التحق بكلية العلوم السياسية، ثم انسحب، فلا شيء في الدراسات الأكاديمية كان يلبي شغفه بالسخرية والتمعن في التفاصيل اليومية. عن الأيام القليلة التي أمضاها في هذه الكلية، قال إنه التقى "شلة من الأوغاد"، ومن المتوقع أنها مهدت لفكره المعادي للطبقة السياسية. في النهاية، وجد ضالته في السينما، وأمضى حياته يكتب ويصور ويدير ممثلين، في سلسلة طويلة من الأفلام بلغ عددها 57 فيلماً، تنوّعت بين الممتاز والعابر. لم يكن مدعياً، كالعديد من أبناء جيله، إلى درجة أن له كتاباً بعنوان "كيف تصنع فيلماً" (مع فرنسوا غيريف) يشرح فيه ببساطة كل ما يحتاجه المبتدئ ليصبح مخرجاً. كان عاشقاً لفريتز لانغ وجان رونوار وألفرد هيتشكوك، وخصص لهيتشكوك كتاباً شهيراً بالتعاون مع إريك رومير.

في السادسة والعشرين، أسهمت ثروة زوجته الأولى في إطلاق مسيرته المهنية، فأنتج أول أفلام جاك ريفيت "ضربة الراعي"، ثم أنجز باكورته "سيرج الجميل" التي حاكت أسلوب المخرج الإيطالي روبرتو روسيلليني، بإضاءة من هنري ديكا، الذي أصبح لاحقاً مدير التصوير الأبرز لـ"الموجة". لم تكن انطلاقة شابرول تقنية فحسب، بل فكرية أيضاً. لقاؤه المبكر بالسيناريست بول غيغوف أسهم في خلخلته ثقافياً، وأبعده عن رواسب الوسط البورجوازي الذي نشأ فيه. طيلة العقود التالية، خصص الجزء الأكبر من أفلامه لفضح التواطؤ الأخلاقي داخل الطبقات الثرية، خصوصاً في القرى الفرنسية. فيلمه "النساء الجيدات"، الذي تعاون فيه مع ستيفان أودران (أصبحت زوجته)، كان لحظة تأسيسية في مساره. لكن شابرول، المقل في التصريحات، لم يتعامل يوماً مع المديح بجدية. كان يسخر من كل محاولة لتأطير مسيرته، وحتى من نفسه وأفلامه.

لم ينجز شابرول سوى التحف. عندما تصنع فيلماً كل عام لا بد من أن تقع في الخطأ. بعض أعماله غلبت عليها نزعات ميلودرامية وخيارات فنية غير موفقة. لكنه لم يتبرأ من أي منها. حين يُسأل عن أحد هذه الأفلام، يصفه بأنه مجرد وسيلة لتسديد دين، أو أنه قبِل به لأن أحدهم هدده بالسلاح. روايات يصعب التأكد من صحتها، لكنها تعبّر عن رؤيته الساخرة وغير النادمة لفكرة الإنتاج الفني. كان يرى أن الكم شرط للوصول إلى النوع، وأن التوقف خطر يهدد الاستمرارية.

"غزلان" الثورة

عام 1968، وفي خضم أحداث الثورة الطلابية، أطلق "الغزلان"، فيلمه الذي حقق نجاحاً كبيراً، نقدياً وجماهيرياً، على رغم ابتعاده الكامل عن أي سياق سياسي. لم يكن شابرول من أنصار الشعار القائل "كل شيء سياسي". نظرته إلى الواقع كانت أكثر تعقيداً. في السبعينيات، اكتشف عالم جورج سيمنون واستلهم منه نماذج بشرية مقلقة، غالباً من الطبقة البورجوازية، وأدخل عنصر الجريمة في بنية السرد. أفلام مثل "دكتور بوبول" و"أشباح صانع القبعات" و"دجاج بالخلّ" و"قناع"، كلها نماذج عن هذه المرحلة التي اتسمت بطابع بوليسي سوداوي، يضيء زيف العلاقات وانهيار القيم.

في "الجزار" و"ليمت الوحش"، مع جان يان في دورين أيقونيين، تبلورت أسلوبية شابرول: سينما مشدودة، مشغولة بالكادر، دقيقة في بناء التوتر، متأثرة بهيتشكوك لكنها لا تكرر معادلاته. التركيز على تناقضات النفس البشرية بلغ ذروته هنا. في شخصياته، يتحول الخطر إلى لحظة اختبار أخلاقي: من ينتمي إلى الطبقة الراقية قد يهرع إلى حماية سمعته قبل التفكير في الفضيلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على رغم تقاطعه أحياناً مع مواضيع اجتماعية، لم يكن شابرول صانع "سينما ملتزمة" بالمعنى الكلاسيكي. أفلامه لا تُحشد بخطاب سياسي واضح، إنما تلمّح وتظهر الفروقات الطبقية. "عرس الدم" و"الحفل"، مثالان على اشتباكه مع هذه القضايا من دون أن يضحّي بشخصيته السينمائية. مع "الحفلة"، إحدى تحفه السينمائية في التسعينيات، تمكنت إيزابيل أوبير من محاكاة عالمه (أنجزا معاً سابقاً "قضية امرأة")، كممثلة مثالية لتجسيد رؤيته السينيكية، وشاركت لاحقاً في سبعة من أفلامه، منها "مدام بوفاري".

فكك شابرول الواقع ولم ينفصل عنه. سخريته كانت وسيلته لقول أشياء يصعب قولها بطريقة مختلفة. رجال السياسة في أفلامه دمى هزلية، ورجال الدين أقرب إلى مهرجين. ظاهرة السلطة كانت بالنسبة له مجرد نشوة موقتة، أطلق عليها تسمية "سكرة السلطة". كان يؤمن أن صاحب النفوذ، غالباً، يلهث خلف المظاهر، ولا يرى أبعد من كرشه ووجاهته. على رغم احتقاره للسلطة، اعترف أكثر من مرة بأن المخرج يمتلك سلطة تفوق حتى سلطة بابا الفاتيكان، مستشهداً بمواقف هجينة تعكس تلك القدرة الغريبة على السيطرة على كل شيء في موقع التصوير.

خلف تلك الصورة التي صنعتها وسائل الإعلام عن رجل طريف ولا مبالٍ ذي روح خفيفة، كان شابرول يحمل قناعات راسخة. لم يتخلَ عن إيمانه بالإنسان، على رغم كل التهكم الذي صبّه على المجتمع. ظل وفياً لنظرته السوداوية، نظرة لم تكن خالية من تعاطف. أفلامه أكثر من هجاء، إنها محاولات لفهم سلوك الفرد داخل منظومة مختلة.

 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما