ملخص
ثمة تاريخ طويل من المواجهة بين والكرد والأنظمة الحاكمة في إيران منذ العهد الشاهنشاهي وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية. وتكافح القوى الكردية على اختلاف توجهاتها وقواها العسكرية لإدارة مناطقها بعيداً من سلطة طهران القامعة.
تبدو القوى السياسية والعسكرية الإيرانية المعارضة متفاعلة بصورة حذرة مع الحرب الجارية داخل البلاد، ولا يتجاوز تفاعلها حدود المواقف المتقاربة في ما بينها حول تحميل النظام الإيراني مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع وانزلاقها إلى مواجهة عسكرية قاسية مع إسرائيل، التي أودت بفريق كبير من قياداتها العسكرية، واستهدفت منشآت عسكرية لإنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والمنشآت النووية، وكذلك جهاز الإعلام والدعاية، وانقطع الإنترنت عن السكان أحياناً.
معلوم أن إيران التي تتخذ طابعاً فارسياً شيعياً لسمات دولتها ونظام ولاية الفقيه لحكمها، تتألف من قوميات وإثنيات وجماعات دينية متعددة كالكرد والعرب والأذريين والبلوش والتركمان والأرمن وغيرهم، إضافة إلى ديانات قديمة وطوائف مختلفة.
ويبرز الكرد الذين يتخذ غالبيتهم من المناطق الغربية والشمالية الغربية إضافة إلى خراسان موطناً أصلياً لهم، من أبرز القوى القومية التي كانت لها تحركات في مواجهة أنظمة الحكم الإيرانية خلال العقود الماضية وحتى اليوم.
يتوزع الكرد كقوة بشرية في ما يفضلون تسميتها بشرق كردستان داخل محافظات أورمية، وسيني (سنندج) التي تعرف رسمياً في إيران بمحافظة كردستان، وكرمانشاه وهمدان ولرستان أو (خورماوا) وبختياري وعيلام، إضافة إلى خوزستان أو (الأحواز) وخراسان، وتشكل أورمية أكبر هذه المحافظات وتشتهر ببحيرتها، أما أصغر المحافظات التي يقطنها الكرد فهي عيلام. ويبلغ عدد الكرد داخل إيران، بحسب تقديرات غير رسمية، أكثر من 10 ملايين نسمة.
عقود من التمرد
ثمة تاريخ طويل من المواجهة بين الكرد والأنظمة الحاكمة داخل إيران منذ العهد الشاهنشاهي وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية، فقد حدثت ثورات وانتفاضات محلية في عدد من المناطق الكردية قبل نشوء وإعلان جمهورية مهاباد من قبل القاضي محمد عام 1946، والتي دامت قرابة 11 شهراً فحسب، وصولاً إلى حرب شنتها البيشمركة خلال أوقات مختلفة إلى حين وصول الخميني إلى الحكم.
وتفاءل الأكراد وقتها بانجلاء النظام الملكي من دون أن يحصل الكرد على حقوقهم داخل البلاد بعد استقرارها، بل إن الخميني أصدر فتوى بالهجوم على المناطق الكردية، بينما قيادات كردية مثل رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني -إيران عبدالرحمن قاسملو اغتيل نهاية الثمانينيات من القرن الماضي أثناء أحد لقاءات التفاوض مع الحكومة الإيرانية في النمسا، ومن ثم خلفه صادق شرف كندي الذي قُتل أيضاً على يد الاستخبارات الإيرانية داخل ألمانيا عام 1992، وفي الأثناء كانت مجموعات البيشمركة الإيرانية المقاتلة تتخذ من المناطق الكردية داخل العراق ملجأ لتمردها المستمر، والتي ضمت مجموعات كردية قومية وأخرى يسارية تعرف بالكوملة (التجمع)، ثم ظهر لاحقاً حزب PJAK الذي يؤمن بأفكار "العمال الكردستاني" وزعيمه عبدالله أوجلان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أخيراً جرى اتفاق بين الحكومة الإيرانية وإقليم كردستان العراق على إبعاد العناصر الكردية الإيرانية المقاتلة من المناطق الحدودية مع إيران، وإخلاء المعسكرات التي تتموضع داخل المناطق الجبلية الوعرة القريبة من الحدود مع المناطق الكردية الإيرانية، واستجابت الأطراف الكردية الإيرانية لطلب السلطات في الإقليم، وكانت أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني -إيران وحزب كوملة كردستان -إيران، وذلك في خضم الاحتجاجات التي شهدتها البلاد على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني من قبل السلطات الأمنية الإيرانية، وتعرض الأحزاب الكردستانية الإيرانية لضغوط مختلفة منها قصف مقارها واغتيال بعض قياداتها داخل الأراضي العراقية.
خلال الأعوام الأخيرة كثيراً ما كان الشارع الكردي في إيران يستفيق على أنباء إعدام ناشطيه داخل السجون وتسليم جثثهم إلى ذويهم في المدن الكردية، أو إعدامهم علناً وسط الساحات العامة عبر تعليقهم بالرافعات، ناهيك بالإجراءات والسياسيات الموجهة ضدهم، وفق ناشطين. وعليه، فإن المجتمع الكردي بات في وضع معارض تماماً لنظام الحكم داخل إيران، وناقماً مثل عدد من المجتمعات المحلية ذات الطابع القومي أو المذهبي المختلف مع السلطات الحاكمة.
توقعات بانسحاب السلطات
يقول الصحافي والمحلل السياسي الكردي ميسم مرادي إن الكرد في إيران، ومن خلال نضالاتهم خلال العقود الخمسة الأخيرة، يتحينون الفرصة لفراغ السلطة داخل مناطقهم بغية إدارتها بأنفسهم، مضيفاً أن وضع إيران بعد هجمات إسرائيل الأخيرة والمستمرة، إلى جانب سيطرتها الكاملة على الأجواء الإيرانية وتدمير الأهداف العسكرية المختلفة، يدفع الحكومة الإيرانية فعلياً نحو وضع الدولة الفاشلة. ومع استمرار الهجمات الإسرائيلية، هناك احتمال لانهيار الحكومة الإيرانية.
ويتابع مرادي أنه "إذا لم يحدث هذا السيناريو، فمن المحتمل أن ينشأ وضع مشابه للوضع السوري في إيران، من خلال اضطرار الحكومة للانسحاب من بعض المناطق باتجاه طهران كي لا تفقدها. وفي مثل هذا الوضع، قد تتاح فرصة سانحة للشعوب الكردية والعربية والبلوشية للسيطرة على مناطقها".
ولدى الكرد في إيران مجموعة من الأحزاب ذات الأجنحة العسكرية بعضها نشط، والآخر ترهل جراء سكون العمل العسكري منذ عشرات الأعوام في مواجهة الحكومة المركزية داخل طهران، وأبرز هذه القوى الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كوملة الكادحين الكردستاني، وحزب كوملة الكادحين الثوري الكردستاني الإيراني والحزب الشيوعي والحزب الحرية الكردستاني، وحزب الحياة الحرة الكردستاني وهو من بين الأحزاب الرئيسة شرق كردستان، وجميعها يتمتع بقاعدة اجتماعية وقوة عسكرية.
وتعرضت معظم هذه الأحزاب، وبخاصة أقدمها "الديمقراطي الكردستاني"، لعدد من الانشقاقات والتحولات وأحياناً توحيد القيادة وغيرها من التبدلات التي طرأت على ظروف نشاطها ووجودها، خصوصاً أن معظمها يتخذ من إقليم كردستان العراق بالدرجة الأولى وبعض الدول الأوروبية بدرجة أقل ساحة لنشاطه ووجوده، في حين أن الطرف العسكري المقابل هو حزب الحياة الحرة الكردستاني، وتحالفت معه جماعات من حزب الكوملة، الذي يطالب الأحزاب الكردية في إيران بالعمل معاً خصوصاً بعد الهجمات البنيوية التي تعرضت لها الجمهورية، ويحث حزب الحياة الحرة على التركيز على تنظيم الفئات المجتمعية داخل المناطق الكردية ضمن "لجان شعبية" لإدارة مناطقهم، وكذلك ممارسة حق الدفاع المشروع عنها في حال تعرضها لأية هجمات.
ويقول الناشط والكاتب الكردي من إيران إكرام بالكاني لـ"اندبندنت عربية"، إن حزب الحياة الحرة يحظى بديناميكية جيدة كونه لم ينقطع عن العمل العسكري مقارنة ببعض الأحزاب الكردية التي اتخذت من معسكرات إقليم كردستان العراق مقراً لها، ثم تحول عدد من كوادره إلى الحياة المدنية بسبب طول مدة البقاء داخل هذا البلد، مضيفاً أن لحزب الحياة الحرة أجنحة عسكرية عدة ويربطها مجلس تنظيمي واحد، من بينها قوات حماية المرأة وهو جناح عسكري خاص بالنساء، في حين أن جماعات أحزاب كردستانية أخرى أيضاً لديها عناصر نسائية مقاتلة ضمن صوف البيشمركة.
لكن على المستوى الشعبي، بحسب المحلل السياسي مرادي، برزت الوحدة الكردية في مدن كردستان إيران بوضوح على مستوى عالٍ ضمن التظاهرات التي أعقبت اغتيال مهسا أميني. و"هذا يعني أن الأكراد في شرق كردستان تمكنوا من الحفاظ على مستوى عال من الوحدة الوطنية، لكن الأمر يختلف بعض الشيء في حال الأحزاب الكردية، فقد حُلت الأحزاب التي كانت تمتلك ’مركز تعاون أحزاب كردستان إيران‘ بسبب الصراعات الداخلية"، موضحاً أنه بعد الهجمات الإسرائيلية على إيران لم تتمكن هذه الأحزاب حتى الآن من إصدار بيان مشترك، "مما يعني أن الصراعات الداخلية بينها لم تحل بعد".
لا علاقات أميركية واضحة
مع أن الثقل والاهتمام الأميركي والإسرائيلي منصب على العمليات العسكرية وإنهاء البرنامج النووي الإيراني والقدرات العسكرية، بحيث تخرج إسرائيل من دائرة التهديد لنفوذها ووجودها كما تزعم، فإن العلاقة مع الأطراف الكردية لم تظهر إلى السطح، خصوصاً أن تغيير الحكم في البلاد بالاشتراك مع قوى المعارضة لم يجر الحديث عنه حتى الآن كما كان الأمر مع نظام صدام حسين، إلا أن الناشط الكردي بالكاني يرى إمكانية التعاون بين الولايات المتحدة والقوى الكردية بما فيها حزب الحياة الحرة، لا سيما أن الأخير ليس مصنفاً على قوائم الإرهاب.