Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الساحات العامة في لبنان: من فضاء للحرية إلى مقاعد مهجورة

لا وجود لها في البرامج الانتخابية للمرشحين والدولة تتوجس منها والناس تائهون في الساحات الافتراضية للهواتف

تطورت الساحة العامة لتؤدي أدواراً سياسية في فترات مختلفة من تاريخ لبنان (أ ف ب)

ملخص

يفتقر لبنان إلى الساحات والميادين العامة بوصفها أماكن مجهزة للتنزه وقضاء أوقات جيدة مجاناً، فيما غابت الساحات العامة عن البرامج الانتخابية للوائح المترشحة خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، إذ تقدمت العصبيات العائلية والسياسية على حساب الطروحات التنموية وتحسين الخدمات العامة الجماعية.

حظيت الساحات العامة باهتمام منقطع النظير في ظل الحضارات البشرية السابقة. فقد عرفت اليونان "الأغورا" بوصفها أنموذجاً مميزاً للمساحة العامة التي يجتمع فيها السكان الأحرار لمناقشة أبرز القضايا السياسية والاجتماعية والدينية التي تعترض المجتمع. وشكلت الحضارات اللاحقة امتداداً لهذا الأمر، إذ تفنن الرومان في تشييد الهياكل العظيمة والمدرجات و"الفوروم" (الميادين العامة) بوصفها من بديع عمارتهم. وفي المسيحية والإسلام ظهرت ساحة الكنيسة، وبهو الجامع الذي يجمع المؤمنين.

تطورت الساحة العامة لتؤدي أدواراً سياسية في فترة من الفترات، فهي التي تشهد عقاب المخالفين ومن يتجرأ على هيبة السلطة، قبل أن تتحول إلى مساحة للترفيه والعروض الفنية العامة كما هي حال الساحات العامة في إسطنبول وروما وفيينا وغيرها من المقاصد السياحية.

تاريخياً، لم يخالف لبنان هذا النمط الحضاري، فها هي ساحة البرج في وسط بيروت تتحول إلى "ساحة الشهداء" بعد إعدام السلطات العثمانية عدداً من الكتاب والصحافيين المعارضين، وهي نفسها احتضنت مئات الآلاف من المواطنين المطالبين بخروج الجيش السوري من لبنان عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الـ14 من فبراير (شباط) 2005، وشكلت محطة لقاء للمحتجين إبان ثورة الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2017. أما ساحة التل في طرابلس، فقد شكلت مركزاً للسلطات العثمانية، ومن ثم الفرنسية بسبب احتضانها السراي القديم، وهو أمر شائع في أكثر من منطقة، حيث تقيم الحكومة ميداناً عاماً بوصفه "قلباً" للمدن الكبرى ومحلاً لاجتماع أهاليها، فيما تحولت ساحة المنشية إلى حديقة مقيدة بأوقات الدوام، ومساحة بديلة لسوق الأحد الشعبية في عطلة نهاية الأسبوع.

ساحة بين زمنين

تقدم بلدة دير القمر في الشوف شاهداً حياً للميدان العام على مدى أكثر من 200 عام. فقد نجحت بالحفاظ على الطابع الثقافي والتاريخي للبلاد التي شهدت على حقبات مختلفة، إذ اعتمدها الأمراء المعنيون مركزاً لحكمهم وأبرزهم الأمير فخر الدين الثاني، وتضم بصمات حضارية وهندسية عربية وإسلامية وعثمانية، ناهيك بالرموز المسيحية والدرزية الدينية والسياسية. وتحولت إلى وجهة سياحية ومقصداً للزوار من كل أنحاء العالم، ومعلماً للهوية السياسية حيث ينتصب تمثال الرئيس كميل شمعون بوصفه أحد الرؤساء الأقوياء في البلاد.

 

لكن الاهتمام بالساحات العامة لحظ تراجعاً كبيراً في لبنان، ويعزو محمد أيوب، وهو ناشط مهتم بالعمل البلدي، تراجع الاهتمام بالساحات العامة والميادين إلى "مشكلة بنيوية تعانيها الدولة اللبنانية، إذ لا يمكن الفصل بين مشكلة الساحات العامة وسوء الخدمات على مستوى البلاد حيث تغيب الكهرباء والمياه"، مشيراً إلى أن "عدم وجود مساحات عامة هو مؤشر إلى غياب الدولة وأدوارها التي تحاول الشركات الخاصة تعويضها والتعدي في كثير من الأحيان على الأملاك العامة".

ثقافة لبنانية

يفتقر لبنان إلى الساحات والميادين العامة بوصفها أماكن مجهزة للتنزه وقضاء أوقات جيدة مجاناً، فيما غابت الساحات العامة عن البرامج الانتخابية للوائح المترشحة خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، إذ تقدمت العصبيات العائلية والسياسية على حساب الطروحات التنموية وتحسين الخدمات العامة الجماعية. أخيراً أثير الجدل حول قرار بلدية فنيدق في عكار فرض رسم عبور بقيمة 200 ألف ليرة للمتجهين نحو القموعة، التي تضم "سهلة القموعة"، إحدى كبريات المساحات العامة الطبيعية على مستوى لبنان، التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى وجهة سياحية طبيعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشير رئيس لجنة البيئة والسياحة في بلدية فنيدق بلال البعريني إلى أن "البلدية فرضت رسماً بقيمة 200 ألف ليرة لبنانية من أجل الحفاظ على البيئة وتنظيم المكان وصيانة الموقع الطبيعي"، إذ سيغذي إلى حد ما صندوق البلدية، ويسهم في تأمين نفقات الحراسة، ورفع النفايات التي يخلفها أكثر من 5 آلاف زائر في كل نهاية أسبوع. ناهيك بالتخطيط لاستثمار جزء من المداخيل للحفاظ على غابة العذر المحمية واستحداث مواقف للسيارات وتدريب الأدلاء السياحيين.

ميادين اللقاء الغائبة

يتعمق غياب الساحات العامة عن حياة المواطن اللبناني ووجدانه، فقد تحولت في كثير من المدن إلى "قطعة أكسسوار" تفتح بأوقات محددة، أو توجد في أماكن لا يقصدها الناس على غرار ما هو كائن بالمساحة تحت جسر المشاة في منطقة نهر الموت، حيث شاخت المقاعد تحت حرارة الشمس قبل استعمالها من المواطنين. يتحدث المهندس وسيم ناغي الأستاذ في الجامعة اللبنانية عن "التحولات" التي شهدتها الساحات العامة، واضعاً إياها في "قلب التغيير الذي يطاول الهوية الاجتماعية والسلوك الاجتماعي للمواطنين".

 

يؤكد ناغي أنه "منذ نشأة المدن كانت الحضارات تخطط على أساس وجود مكان عام ضمن ساحة أو سوق شعبية أو دور عبادة، حيث ارتبطت بالنقاشات حول القضايا الكبرى السياسية والفكرية والعلمية، أو التبادل التجاري والاجتماعي". ويتطرق إلى ظهور الساحات العامة بصورها المختلفة في لبنان، بدءاً بالهياكل والمعابد في صور، ووجود الحمامات العامة الرومانية، وبروز دور المساجد في الحقبة المملوكية على حساب الساحات العامة بسبب القيود على الاختلاط بين الجنسين، ولكن مع تطور نمط الحياة في الحقبة العثمانية ومن ثم صدور قانون التنظيمات وتحديث المدينة، وقد برزت في طرابلس "ساحة التل" وحديقة المنشية بوصفها خروجاً عن السوق الضيقة، وميداناً للهو والمبارزة على متن الخيول، وتطور مفهوم الساحة في عهد الانتداب وترافق مع انتشار مقاهي الرصيف وصالات السينما، واتسع نطاق الساحات في ظل عهد الدولة الحديثة.

ويشير ناغي إلى أن "معرض رشيد كرامي الدولي هو أحد تجليات الاهتمام بنمط الساحات العامة المخصصة للتفاعل بين الناس والنشاطات المختلفة، سواء كانت ثقافية أو اقتصادية أو فنية. ويربط بين تراجع فكرة الساحة العامة بمفهومها التقليدي، وبروز المقاهي التي يلتقي فيها الناس للحصول على خدمة أفضل مقارنة بالتسكع على قارعة الرصيف، كما جاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتوسيع الشقة بين اللبناني وفكرة الساحة العامة، إذ أصبحت ميداناً للتهديد الأمني والحوادث المتفرقة".

في المقابل، يلاحظ ناغي عودة الاهتمام بالساحة العامة في مشاريع "إعادة الإعمار" بعد الحرب الأهلية اللبنانية، سواء على مستوى إعادة بناء الـ"داون تاون" وسط بيروت، و"ساحة الشهداء" التي احتضنت كل التظاهرات والتجمعات الشعبية الاحتجاجية خلال العقدين الأخيرين، والأمر نفسه بالنسبة إلى ساحة عبدالحميد كرامي - ساحة النور - التي تحولت إلى ساحة جامعة للتفاعل بين المحتجين إبان ثورة الـ17 من أكتوبر من مختلف المناطق اللبنانية، ناهيك بترميم الكورنيش البحري على طول الساحل اللبناني.

 

ويعول ناغي على دور يؤديه النشاط السياحي في تنشيط الساحات العامة لإحداث تفاعل بين المكان والزائر، بوصفها ميداناً للتنزه والاستكشاف في المدن الكوزموبوليتانية على غرار مدينة بيروت. وفي الموازاة، بحث الأهالي في مدن الأطراف على مساحات مفتوحة خضراء للاستجمام وقضاء أوقات فراغ خارج جدران المنازل الصغيرة والأحياء الضيقة.

كما ينبه ناغي إلى تأثير الثورة التكنولوجية على تراجع الاهتمام بالساحات العامة في لبنانية، موضحاً "نعيش ظاهرة كونية، إذ يتعلق الكائن بمساحته الخاصة ضمن الهاتف الخلوي، وتراجع التفاعل في العالم المادي لمصلحة العالم الافتراضي".

الساحات حق

تكتسب الساحات العامة أهمية كبرى على مستوى التنظيم في المدن المستدامة، بحسب تالا علاء الدين، باحثة في استوديو أشغال عامة، التي تتحدث عن "الساحات بوصفها فضاءات مفتوحة تشكل رئة المدينة في ظل التوسع العمراني والكثافة السكانية، فهي فسحة خضراء ضمن النسيج المبني لتخفيف الضغط البصري والنفسي الناجم عن المباني المتلاصقة، وتحسن من جودة الهواء بغية تعزيز الصحة الجسدية والعقلية للمواطن بسبب تقديم متنفس بعيداً من ضغط الحياة والعمل، وتمثل نقاط لقاء اجتماعية لمختلف الفئات والتيارات الفكرية".

 

من جهة أخرى تشدد تالا على أن "المساحات العامة يجب أن تكون مصممة بشكل صحيح لتتحول إلى مساحة للنشاط البدني والرياضة الجماعية أو الفردية، أو تضم مساحات للجري، ومناطق مخصصة للسير ومقاعد، وأماكن آمنة للترفيه، وتنظيم مهرجانات وأسواق شعبية"، كذلك تربط بين "الساحات العامة وتعزيز الديمقراطية والتجمع السلمي وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني، وحرية التعبير كما كانت مع الفضاءات السياسية المفتوحة بدءاً باليونان".

لم تعد الساحات العامة تحظى بالأهمية نفسها في العالم المعاصر، وتعتقد الباحثة تالا علاء الدين أن "العامل السياسي يأتي في مقدم الأسباب في تقييد وإماتة مفهوم الساحات العامة بوصفها مساحة لاجتماع أناس من طبقات واتجاهات وخلفيات متنوعة، فهي تخلق خوفاً داخل الأنظمة بسبب عدم القدرة على توقع ما قد ينجم عن اللقاء بين مختلفين". من هنا، تتطرق إلى بروز الساحات المغلقة أو الخاضعة للرقابة اللصيقة والسيطرة، وحصر الدخول إلى الساحات لتنظيم أنشطة معينة كما هي الحال في "حرش بيروت".

تشير تالا إلى "حجة جاهزة لدى السلطة لمنع الناس من الوصول إلى المساحات العامة"، إذ يبرر المنع لـ"عدم أهلية الناس لاستخدام تلك المساحات، واحتمال تعرضها للتخريب أو رمي الأوساخ أو تشويه المواقع"، وتدلل على ذلك بمجموعة من الأحداث التي حصلت في لبنان، "حين وضعت أحواض زراعة على المقاعد في منطقة الزيتونة لمنع العامة من الجلوس مقابل المطاعم الفاخرة. وفي حادثة أخرى، تم إفراغ البركة في حديقة سمير قصير من الماء لمنع سباحة الأطفال، وغيرها من الأحداث لمنع أي مساحات للقاء في المدينة بحجة الحفاظ على الجمالية".

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي