ملخص
تشغل نسوة كثيرات مواقع متعددة في مجالات الرعاية الاجتماعية والإدارة المحلية والطبابة والرعاية الصحية والتعليم والمبادرات المجتمعية والحضور الواضح في أماكن متباينة، لينسف ذلك الرؤية السابقة والقائمة على البنية التقليدية لدورهن نحو بنية جديدة، وإن كان في الآونة الأخيرة يغلب عليها التمييز الذي بدأ يظهر مع الوقت في محاولة لإعادة تحجيم دور المرأة ومكانتها وكيانها تبعاً لأيدولوجيات مختلفة وغير متناسقة تحكم كل منطقة بطريقتها.
بعد سقوط النظام السوري، وانهيار مؤسسات الدولة الرسمية رمزياً وشكلياً وفعلياً في أحيان كثيرة مع دمار المدن وغياب مئات آلاف الرجال بين قتيل ومعتقل ومهاجر ومهجر منذ عهد النظام المخلوع، تقدمت النسوة السوريات لتحمل أعباء إعادة بناء الحياة اليومية في مجتمع يملأه الحطام وشظايا الحرب، وتحديداً كما فعلت نساء ألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين خرجن من بين الأنقاض في البلد الذي هدمته الحرب الضارية لترميم البيوت وتنظيف الشوارع وإعادة ترتيب حياة منهارة وبناء أجيال متناثرة غاب عنها العلم والثقافة والطبابة والرعاية الصحية وغيرهم.
وكذا تفعل السوريات اليوم الشيء نفسه بوجوه شاحبة وأيد تحاول اقتناص الخبرة والفرص وضخ الدم من جديد في شرايين البلد المدمى، فيمكن رؤيتهن يدرن المدارس المتهالكة، ويفتحن مشاغل صغيرة، ويعدن تشغيل العيادات المغلقة، وينخرطن في سبل الحياة والمعيشة واستحصال الأموال ومحاولة دفع عجلة الاقتصاد المبسط نحو الأمام وما يرافقه من دفع لنواح أخرى قد لا تقل أهمية، فيقمن مقام الرجال الغائبين في إعالة أسرهن وإدارة جوانب من المجتمعات المحلية ما أمكن.
إدارة نسوية هادئة تعكس رؤية معمقة لدورهن خلال الحرب وبعدها في محاولة لأن يكن حجر الأساس الذي يبني سوريا من تحت ركامها، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فماذا يحتجن؟ وما مدى إمكاناتهن؟ وما المعوقات ومدى الآمال المبنية عليهن في وطن غاب جل رجاله في المنافي؟
ما بعد الثورة
لم تكن البيئة الاجتماعية الضامة بمنأى عن التحول العميق الذي عصف بالمجتمع السوري إبان سقوط نظام الأسد وانتصار الثورة، فقد تبدلت إلى حد ما الأدوار الاقتصادية والاجتماعية، وذلك التبدل شمل دور المرأة نفسها داخل شكل الكيان البنيوي للدولة على المستوى غير السيادي أقله، ويمكن الاستدلال على ذلك من وجود وزيرة واحدة في حكومة سوريا الحالية، لكنهن وعلى رغم ذلك لعبن أدواراً هرمية في المستويات الأدنى من شأن استمرارها ضمان ديمومة في ثقافة الدور الضروري.
ذلك الدور لم يخلق من عبث، خلفه غياب ملايين الرجال بين نازحين ومهجرين وقتلى ومفقودين، فأفضى الأمر إلى فراغ وظيفي غير مسبوق في تاريخ سوريا، وذاك الفراغ دفع النسوة إلى التصدي لدورهن في تولي أدوار متباينة لم تكن متاحة بوضوح تام في العقود الماضية، وربما بعضها كان متاحاً ولكن بصورة جزئية، وتلك الأدوار لم تكن ترفاً في الاختيار، بل جاءت كضرورة مرحلية وضعت تناسب الأدوار بين الجنسين في البلد على المحك.
أدوار متسعة
تشغل نسوة كثيرات مواقع متعددة في مجالات الرعاية الاجتماعية والإدارة المحلية والطبابة والرعاية الصحية والتعليم والمبادرات المجتمعية والحضور الواضح في أماكن متباينة، لينسف ذلك الرؤية السابقة والقائمة على البنية التقليدية لدورهن نحو بنية جديدة، وإن كان في الآونة الأخيرة يغلب عليها التمييز الذي بدأ يظهر مع الوقت في محاولة لإعادة تحجيم دور المرأة ومكانتها وكيانها تبعاً لأيدولوجيات مختلفة وغير متناسقة تحكم كل منطقة بطريقتها.
وبناء عليه تحظى المرأة بدورها أو يتم تهميشها، فمثلاً يرى كثير من السوريين أن القرار الأخير بفرض اللباس الشرعي للسباحة على المرأة "البوركيني" في الشواطئ السورية هو نسف لدورها ومكانتها وفكرها وحريتها، وخصوصاً أنه صدر من دون الاستناد إلى عرف دستوري أو قانوني مجيز، بقدر ما كان تحاملاً فردياً من وزارة السياحة على إعادة رسم خريطة عقائدية للبلد الذي لا تتسق مكوناته ولم تتسق يوماً بأي شكل على صعيد الحريات الشخصية، وهو ما قد يكون مقدمة لقرارات أكثر عنفاً وتصلباً وتعنتاً.
استلهام عالمي
يشير التاريخ إلى أن برلين وحدها تحصلت على نسبة دمار فاقت 70 في المئة مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، فحضرت تجربتها كواحدة من أبرز دلائل قدرة المرأة على قيادة المجتمع في الأرشفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع نسبة الدمار الكبيرة تلك وانهيار الرايخ الثالث وسقوط هتلر وحزبه وجل رجاله المقاتلين ومعهم مدنيون ألمان كثر، ويضاف إليهم العاجزون والأسرى كان لا بد من ظهور فئة اصطلح على تسميتها بـ"نساء الأنقاض" (Trümmerfrauen)، وهن الألمانيات اللاتي أخذن على عاتقهن بناء بلدهن من جديد بوسائل بدائية في ظل دمار البنية التحتية بصورة تامة وغياب مقدرات الدولة الباقية على إدارة الحكم في ظل تقاسم الحلفاء لنفوذهم.
ذاك الظهور لم يكن نتاج توافق دولي، بل كان ناجماً عن إيمان قومي وطني عميق بضرورة إصلاح البلاد واستجابة جماعية لسد الفراغ الذي كونته الحرب، لتصير تلك النسوة مع الوقت أبرز مثال على قدرة المجتمع على النهوض بدولته من الداخل وعلى أكتاف من بقي، وهو ما يقارب الحالة السورية نسبياً وما يمكن العمل عليه والتعويل في شأنه لولا أن سلطات دمشق أيضاً فصلت آلاف العاملات من وظائفهن بصورة تعسفية، وعلى رغم ذلك لا يزال دورهن كبيراً ولا يمكن تجاوزه.
واجب وطني مستمر
سميرة جابر معلمة مدرسية في ريف حمص الشرقي تؤكد لـ"اندبندنت عربية" أنهن أخذن على عاتقهن مهمة تشغيل المدراس القليلة في المنطقة هي وبقية المعلمات مع الفوضى التي عمت عقب سقوط النظام وحالات الانتقام التي كانت تطاول الرجال في المنطقة في الآن الذي كانت فيه العملية التعليمية في منتصف عامها الدراسي.
وتقول المعلمة المدرسية "كانت تلك مسؤوليتنا، وهي مسؤولية مقدسة، تحركنا نحو المدارس، وأخريات نحو المستوصفات، استقطبنا متطوعين للتعليم والطبابة من دون أجور، كنسنا ورممنا وأزلنا ما استطعنا من ركام سابق، في البداية كنا نرى ذلك العمل موقتاً، لكن الآن ومع نهاية العام الدراسي واستمرار عمل بقية المتطوعات بدأنا نرى بأنفسنا ركيزة لا يمكن الاستغناء عنها وهذا واجب وطني بحت مهما استمر".
التوزيع الجندري
المتخصصة في علم الاجتماع صبا حسين تقول لـ"اندبندنت عربية" إن تجارب عالمية مشابهة يمكن إسقاطها على سوريا، وحتى وإن لم تتول المرأة السورية دوراً سياسياً واضح الأبعاد والمعالم، لكن ذلك لا يعفي المجتمع من الانتقال الاضطراري في الأدوار الجندرية المحسنة للخلايا الأساسية التي ينتج منها المجتمع انطلاقاً من الأسرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضافت حسين "في مرحلة ما بعد الحروب يكون دور النساء عادة اجتماعياً محضاً، وتنموياً أحياناً، ولكن في المقاربة السورية هناك عثرات يجب الوقوف عندها، فالمجتمع اليوم يتعامل مع أيديولوجيا محتكمة لسنين من النار وانعدام التوافق بين نساء المناطق أنفسهن، على صعيد مقارنة المدن ببعضها في الأقل، لكن ذلك لا يلغي أن القلة قد تقوم مقام الجماعة"، متابعة "كل امرأة لم تترك عملها من بائعة الخبز للمعلمة للطبيبة والمهندسة وقادات المبادرات وغيرهن، كلهن شريكات في ريادة رسم ملامح المشهدية في عقول سكان بلد ما بعد الحرب الذي لا يزال منتشياً بالانتصار ومؤجلاً خطوات البناء".
المرأة الباقية
في الوقت الذي ينخرط فيه الرجال بالحرب المباشرة، أو الآخرون الذين فضلوا الهجرة، تبقى عقول النساء متعلقة بالبناء والتنشئة كما تقول خبيرة السلوك النفسي مها نصرواي، مشيرة إلى أن نسوة كثر بادرن لإدارة مدراس لا يوجد بها إلا جدران وفصول متداعية، وأخريات حولن غرفاً من بيوتهن أو مراكز الإيواء لصفوف مدرسية موقتة بغية ضمان استمرار عملية التعليم في ظل الفوضى التي شابت مفاصل سوريا على مراحل متعددة.
ومثل تلك المعلمات بادرت طبيبات لتشغيل عياداتهن تحت الخطر، ومنها التي كانت عيادات ميدانية مع الاستعانة بالممرضين والمسعفين والقابلات القانونيات وما توفر من إمكانات على بساطتها، لتوفير أعمق ما يمكن من خدمات بأقل كلفة أو بانعدامها أحياناً، وفق ما ذكرت نصراوي.
وتابعت المتحدثة "كذلك الأمر بالاقتصاد المصغر الذي يطلق عليه اسم المشاريع الصغيرة أو متناهية الصغر من المشاغل الحرفية والصناعات اليدوية وورش الخياطة وصنع الخبز وإنتاج الطعام الجاهز وخلافه، فضلاً عن ذلك تولي كثير من الناشطات والمدربات إقامة ورشات توعية في مختلف المجالات الممكنة والمتاحة".
حالة مختلفة
في الأثناء، ومع حالة الفقر المستشري، وغياب مشاريع التعافي المبكر أو سياق إعادة الإعمار كانت النسوة العائدات من رحلة الهجرة والنزوح يكنسن غبار الحرب عن منازلهن ويزلن الركام بأدوات بدائية متقدمات نحو صدارة المشهد الفعلي محاولات إعادة بناء البلد من الأضيق فالأوسع، وكل بحسب استطاعتها ومقدرتها في تظافر لجهود بدا واضحاً في غير مكان وزمان.
يقول الأكاديمي في العلوم السياسية وخريج جامعة دمشق علي أحمد لـ"اندبندنت عربية" إنه وعلى رغم ذلك الجهد الجبار للنسوة، ولكن الحالة السورية مختلفة عن نظيراتها العالمية في الأبعاد المحلية الداخلية بصورة واضحة وجلية، كذلك على الصعيد الجيوسياسي والفروقات الهيكلية والزمنية مع التجارب العالمية.
ويضيف أحمد "تلك التحولات الجندرية تكون عادة مقبولة لفترة وجيزة من الزمن، فهي تأتي محمولة على سرعة قياسية في تبدل الأدوار، لكن الأكيد أن النسية الأكبر من تلك النسوة اللاتي برزن بعد الحرب سيعاد دفعهن سريعاً إلى الهامش السابق بعد استقرار الأوضاع".
وتابع المتحدث قوله "حصل ذلك في البوسنة والهرسك وتولت النساء مسؤوليات جمة، لكن سرعان ما أعيد إنتاجهن للهامش، والأمر ذاته حصل في أفغانستان والعراق ودول أفريقية، وحتى ألمانيا التي أعادت إعمار نفسها بزنود نسائها واستحصلت على كأس العالم في كرة القدم، وكان حدثاً عظيماً وقتذاك، فسرعان ما تراجع دور النساء وحلت الذكورية التقليدية من جديد مكان العهد الموقت، وطبعاً مع ضرورة مراعاة اختلافات المجتمعات التي نتحدث عنها، فالتراجع نسبي في الدور بين دولة وأخرى، وفي الحالة السورية أعتقد أن الأمر سيكون أسرع في التهميش لصالح تحالفات السياسة القديمة الجديدة، وما ستفرضه من تفوق أيديولوجي لفئات تحكم على حساب مطالب شرائح كثيرة ومتنوعة في ثقافتها".
افتقاد السند الاستمراري
وفي السياق يرى الأكاديمي المتخصص في علوم الاقتصاد مؤيد حداد أن المبادرات النسوية حاملة للبلد وتشكل رافعة قوية، لكنها تفتقد للسند الاستمراري ما دام أنها نشأت في ظروف غير صحية أو توافقية وطارئة في العموم فاتخذت الطابع العفوي غير المنظم، وما لم تتخذ صورة الطابع المؤسسي القانوني فإنهن سريعاً ما سيكن معزولات عن السياق العام على صعيد القرار الجماعي، وهذا واضح من وجود وزيرة وحيدة في حكومة تبسط نفوذها على شعب ممتلئ بالأعراق والمكونات والكفاءات.