Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الليلة البيضاء" في باريس: الفن في مواجهة العزلة

انطلقت الفعالية في عام 2002 وأصبحت تقليداً سنوياً في أكثر من 30 مدينة حول العالم

يستكشف الزوار في هذه الليلة الأعمال الفنية المعروضة في الهواء الطلق وعلى ضفاف نهر السين وحتى العائمة فوق مياه النهر (أ ف ب)

ملخص

عام 2002 أطلقت بلدية باريس بقرار من العمدة آنذاك برتراند ديلانو، مبادرة ثقافية لليلة واحدة، من أجل إعادة ربط السكان بثقافتهم ومدينتهم من خلال الفن المعاصر. وفي الحقيقة فإن المبادرة كانت مستوحاة في فكرتها من "ليلة الفن" التي تنظمها العاصمة الفنلندية هلسنكي منذ عام 1989، غير أن الفرنسيين طوروا الفكرة لتصبح أكثر عالمية.

ليلة بلا نوم، يقضيها سكان باريس وما حولها متنقلين بين المؤسسات الثقافية من دور سينما ومتاحف ومسارح وصالات للفن التشكيلي. تتضاعف أضواء عاصمة الرومانسية خلالها، وتزدحم الشوارع والساحات والأنهار بالأعمال والمجسمات الفنية الضخمة، مما يجعل المدينة بكل معالمها وفضاءاتها مسرحاً كبيراً مفتوحاً أمام كل الزوار.

إنها "الليلة البيضاء"، تقليد اشتهرت به فرنسا ونقلته إلى مدن أخرى حول العالم؟ فمن أين كانت البداية؟

 

عام 2002 أطلقت بلدية باريس بقرار من العمدة آنذاك برتراند ديلانو، مبادرة ثقافية لليلة واحدة، من أجل إعادة ربط السكان بثقافتهم ومدينتهم من خلال الفن المعاصر. وفي الحقيقة فإن المبادرة كانت مستوحاة في فكرتها من "ليلة الفن" التي تنظمها العاصمة الفنلندية هلسنكي منذ عام 1989، غير أن الفرنسيين طوروا الفكرة لتصبح أكثر عالمية.

نظمت الفعالية الباريسية في نسختها الأولى السبت الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) من الساعة السابعة مساءً واستمرت حتى السادسة صباحاً. توافد إلى العاصمة في تلك الليلة نحو نصف مليون زائر، من الباريسيين وسكان منطقة باريس الكبرى والسياح، ومن البلديات المجاورة، استكشفوا جميعهم الأعمال الفنية المعروضة في الهواء الطلق وعلى ضفاف نهر السين وحتى العائمة فوق مياه النهر، وتنوعت الأعمال بين العروض الأدائية المسرحية والرقص وعروض الفيديو والقراءات القصصية والشعرية.

بعد نجاحها، اعتمدت باريس الفعالية كحدث فني سنوي، وأقرته في السبت الأول من أكتوبر من كل عام. ولاحقاً سعت أكثر من 30 مدينة حول العالم، منها روما وبروكسل ومونتريال وتورنتو ومدريد وإشبيلية والبندقية وميامي إلى تبني مثل هذا الحدث، وكانت كل مدينة تضفي على "ليلتها البيضاء" طابعها الخاص، وتعدل فيها وفقاً لما تحتاج منها.

 

الانفتاح مقابل العزلة

يعود أصل المصطلح "ليلة بيضاء" إلى تاريخ الـ30 من أكتوبر من عام 1771، عندما استخدم في الأدب في رسالة كتبتها الماركيزة دو ديفان إلى الكاتب السياسي الإنجليزي هوراس والبول، تصف فيها أنها قضت ليلة لم تنم فيها مطلقاً، واستخدمت وقتها تعبير "ليلة بيضاء" لتصف حالها.

 ومن دون شك، بما يخص حدثنا الباريسي، فقد أطلق عليه اسم "الليلة البيضاء" لأن الناس يقضون ليلهم من دون نوم، غير أنه لهذه الليلة رمزية أبعد وأعمق بكثير من عدم النوم فقط، فهي ترمز إلى وقوف الثقافة والنور والفن والانفتاح في مواجهة الظلمة والجهل والعزلة، ولهذا السبب فهي "ليلة بيضاء".

من جهة أخرى، فإن الحدث يتخلله فتح أبواب الأماكن والمؤسسات، التي تكون عادة مغلقة أمام الجمهور وغير مخصصة أصلاً للاستخدام الفني. تفتح مجاناً وليلاً، بعد أن تدعو البلدية الفنانين إلى اختيار أماكن استثنائية لتقديم أعمالهم المنتقاة، وفقاً لتشكيلاتهم الفنية وما تحاكيه من مفاهيم. كذلك يتم التركيز على "التراث الثقافي المستدام" من خلال الافتتاحات الليلية للمتاحف، وهذا بحد ذاته أمر استثنائي للغاية.

 

الفعالية في لغة الأرقام

منذ عام 2002 وحتى اليوم شارك في فعاليات "النوي بلانش" نحو 4 آلاف فنان فرنسي ودولي. وبعدما استقطبت النسخة الأولى من الحدث أكثر من 500 ألف زائر، وصل عدد الزوار في الأعوام الأخيرة إلى نحو مليوني زائر في كل دورة، وسجلت في نسخة عام 2011 عدداً قياسياً باستقطاب 2.5 مليون زائر.

وقد بلغ تمويل الحدث عام 2002 نحو 1.65 مليون يورو، منها 1.15 مليون من ميزانية بلدية باريس، والباقي من شركاء خاصين، فيما خصصت البلدية لنسخة العام الماضي مليون يورو فقط، إذ أسهمت المشاركات الخاصة في تحمل جزء كبير من التمويل.

أيضاً، وعلى رغم أن جميع الفعاليات مجانية ولا تعود بفائدة مالية وربحية مباشرة على القطاعات والمؤسسات الثقافية والفنية للمدينة، فإنها تضمن وتحقق شراكات بين الفنانين وبعض المؤسسات الخاصة من جهة، وبين هذه المؤسسات والقطاع الحكومي من جهة أخرى.

في الخصوص ذاته فإن "الليلة البيضاء" تعتبر حدثاً بارزاً وأحد أهم الفعاليات التي تنشط الاقتصاد الليلي لباريس، بخاصة في قطاعات المطاعم والمقاهي التي تسجل سنوياً، نحو 20 في المئة ارتفاعاً في عدد الزبائن خلال الليل، مقارنة بالأيام العادية، مع العلم أنه لا توجد إحصاءات مالية دقيقة عن إيرادات الحدث خلال الأعوام السابقة.

 

ليلة عام 2025

نزولاً عند رغبة الباريسيين وسكان المدينة بأن يصبح تنظيم الحدث في يونيو (حزيران) بدلاً من أكتوبر ـ نظراً إلى ظروف الطقس ـ ستقام النسخة الـ24 من "الليلة البيضاء" هذا العام، اليوم السبت ابتداءً من الساعة السادسة مساءً وستستمر حتى الساعات الأولى من يوم غد الأحد. تشرف على تنظيمها الممثلة وكاتبة السيناريو والمخرجة فاليري دونزيلي التي ترغب بتسليط الضوء على الشعر والفن السابع من خلال 200 فعالية، لتحول العاصمة إلى صالة عرض ضخمة تجمع بين الفن المعاصر والتجارب الحسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي بيان صحافي أشارت دونزيلي إلى أن الفكرة المراد إيصالها هذا العام تتجسد في تحويل الليل إلى مساحة من الحرية، حيث يمكننا لليلة واحدة أن نكون ما نريد، أن نتخيل ونحلم ونبدع، وستكون ليلة بيضاء شاعرية تماماً.

أحد أبرز الفعاليات المخطط لها في الدورة الحالية عروض أفلام سينمائية في أنحاء العاصمة، بعضها في صالات مغلقة وأخرى في الهواء الطلق، ستعرض جميعها للاحتفال بمرور 130 عاماً على بداية الإبداع السينمائي.

إلى جانب حفلة متنقلة على قناة "سان مارتان"، تمزج الموسيقى الإلكترونية والرقص، وفيلم رسوم متحركة بعنوان "يا لها من ليلة بيضاء" من إخراج ميشيل غوندي ويعرض في ساحة "ستالينغراد".

وللمرة الأولى في تاريخ الحدث ستنضم "سراديب الموتى" إلى قائمة فعاليات "الليلة البيضاء" في رحلة صوتية شعرية سترافق الزوار على امتداد مسافة تصل إلى 900 متر تحت الأرض، حيث سيكون الحديث عن فكرة الموت والخلود.

المزيد من منوعات