ملخص
تتمحور إصدارات الكتب في بريطانيا لشهر يونيو أعمالاً مثل "أسقطوا المسرح" حول انتقام فني ساخر يفضح تحرش ناقد متغطرس، و"سبارك المتقدة" التي تستعرض سنوات مورييل سبارك الأولى، وسط تقلبات نفسية وعاطفية وصراعات أدبية، وكذلك "الغضب المفيد" الذي يعيد سام باركر فيه تأطير الغضب كقوة إيجابية، عبر مزيج من السرد الشخصي والتحليل الثقافي والنفسي.
غالبية المشاهدين العاديين الذين راقبوا لقطات لمراسم المشي الغريبة على هيئة مشية طيور الإوز، التي تقام بين الحين والآخر عند نقطة "واغاه" الحدودية بين جنود الهند وباكستان المتنافسين، لا شك سترتسم على وجوههم ابتسامة عند قراءة وصف سام دالريمبل لها بأنها تبدو "كمشهد لا يستبعد أنه مأخوذ من عرض لفرقة مونتي بايثون الكوميدية".
لكن ما عدا ذلك، ليس هناك كثير من البهجة في كتاب دالريمبل الرائع "أراضٍ محطّمة: خمسة تقسيمات وصناعة آسيا الحديثة" Shattered Lands: Five Partitions and the Making of Modern Asia الصادر عن دار ويليام كولينز؛ إذ يغوص ببراعة في الطريقة التي تم بها تفكيك الإمبراطورية الهندية إلى اثنتي عشرة دولة مستقلة ما بين عامي 1931 و1971. إنها حكاية مشحونة بالكراهية والعنف والخيانة. ولم تخلُ القصة من الخداع البريطاني أيضاً، إذ تم تقليل الحجم الحقيقي للإمبراطورية الهندية عمداً. يقول دالريمبل في كتاب يعج بتفاصيل آسرة إن "الخرائط التي تظهرها كاملة لم تنشر إلا بسرية تامة".
في غضون ذلك، تتناول جوان بيكر في كتابها "مراقبو النجوم: تاريخ الاكتشاف في سماء الليل" Starwatchers: A History of Discovery in the Night Sky الصادر عن دار بلومزبري، خفايا "آليات" الكون، ضمن مزيج مدروس يجمع بين العلم والتاريخ. ولا تخلو صفحات الكتاب من تحذيرات مقلقة بشأن ما يفعله البشر بالفضاء في عصرنا، إذ تصفه بيكر بأنه يُستغل اليوم "كمجرد ملعب"، أو في أسوأ الأحوال، "كساحة حرب، تُنهب من دون رحمة، وتجاهل ما له من قيمة ثقافية مشتركة لكل من على الأرض".
أما في ميدان الرواية، فهناك عملان جديدان جديران بالاهتمام؛ أولهما الرواية الأولى للكاتبة ويندي إرسكين، عنوانها "المستفيدون" The Benefactors، وهي حكاية فكاهية ومظلمة في آن، تدور حول الحياة العائلية في إيرلندا الشمالية. وثانيهما، رواية جويس كارول أوتس "ثعلب" Fox، وهي قصة مقلقة عن معلم متحرش، ينجذب إلى فتيات يتمتعن بملامح "رقيقة كالدمى". الرواية طويلة تمتد على 672 صفحة، لكنها مشحونة بالتشويق.
ويستعرض المقال فيما يلي الاختيارات الكاملة لرواية الشهر، والسيرة الذاتية والكتاب غير الروائي.
رواية الشهر: "أُسقِطوا المسرح" Bring the House Down لـ شارلوت رنسي ★★★★★
تقدم شارلوت رنسي في روايتها الأولى، الصادرة عن دار هاربر كولينز، سرداً لاذعاً وذكياً وساخراً لمهنة الصحافة المختصة بالفن، في عمل يدور على مدار ثلاثة أسابيع خلال مهرجان فرينج في إدنبرة .
منذ البداية، تظهر مؤشرات التحذير حول شخصية أليكس ليونز، كبير النقاد المسرحيين، بكل وضوح. فعلى متن القطار المنطلق من محطة كينغز كروس في لندن إلى اسكتلندا، يخبر زميلته في الصحيفة صوفي ريغدن، البالغة من العمر 34 سنة: "منذ أن بلغت الثلاثين، بات الحصول على الجنس أمراً سهلاً بشكل محرج".
وبالفعل، لا يضيع أليكس وقتاً في إدنبرة، حيث يغوي شابة تدعى هايلي سنكلير، من دون أن تدري أن الرجل الذي يشاركها الليلة هو نفسه من كتب في وقت سابق من نفس الأمسية مراجعة قاسية أعطاها فيها نجمة واحدة فقط، ناسفاً عرضها المسرحي "حالة الطوارئ المناخية - هي" Climate Emergence-She.
وعندما تنكشف الحقيقة أمام هايلي، وتدرك حجم الخداع الصادم الذي تعرضت له، تقرر الانتقام منه بأسلوب قاتل فنياً، فتعيد تقديم عرضها تحت عنوان "تجربة أليكس ليونز"، مطلقة بذلك موجة من السخط الثقافي والاجتماعي تستهدف "الوغد الأسوأ سمعة في الإعلام البريطاني".
رنسي، التي كانت زميلة سابقة في صحيفة "تيليغراف"، ترسم في روايتها صورة حادة وذكية ومليئة بالفكاهة عن عالم الصحافة المختصة بالفن، وتُبرز كيف نجحت هايلي في فضح أليكس المدلّل، ابن الممثلة الشهيرة، أمام الملأ. كما تقول إحدى الشخصيات "إنه مجرد ناقد أبيض، ذي ميول جنسية مغايرة، متعجرف آخر... هناك آلاف من أمثال أليكس". وفي حفل الإعلاميين بـ"سمرهول"، حيث كان سلوك أليكس موضوع الساعة، تلتقط صوفي من أحدهم تعليقاً لاذعاً: "دلّني على ناقد ليس وغداً". أجل، هكذا بكل بساطة.
تتكرر نكتة ذكية عن كتابة ملفات النعي في الصحف (وأستطيع أن أؤكد أنها مهمة غريبة وكئيبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بـ"النسخ الجاهزة" المعدّة مسبقاً لأشخاص لم يرحلوا بعد). إلى جانب ذلك، تسجل الرواية ملاحظات ثاقبة حول واقع تغطية مهرجانات فنية صاخبة، وكيف يكون عمل المراسل الثقافي وسط كل هذا الزخم.
وتزخر رواية "أسقطوا المسرح" بروح فكاهية بارعة (توصف فيها موسيقى الجاز الحر بأنها "أشبه بنوبة هلع موسيقية")، لكن جاذبيتها الحقيقية تكمن في شخصياتها المتوهجة والدراما المتوهجة التي تشكل جوهرها. وبينما تدور الحبكة المحورية حول "هايلي في مواجهة أليكس"، فإن القلب النابض للرواية هو شخصية صوفي. من خلالها، تغوص رنسي بعمق إنساني مؤثر في عزلة الأمومة المبكرة ومخاوفها، وألم فقدان الأم في سن صغيرة، والقلق الذي يسكننا جميعاً حيال الحب والجاذبية الجنسية.
تفيض الرواية بلحظات مؤثرة من الخيانة ستظل عالقة في ذهن القارئ. أكثرها قسوة بالنسبة لي كانت الرسالة المفجعة التي كتبتها إلى هايلي، فتاة تدعى لافينيا ذات السبعة عشر عاماً التي أغواها أليكس وكانت بمثابة "غزوة" بالنسبة إليه. كانت لافينيا تعرفه (بوصفه صديقاً للعائلة)، لكنها تروي في خطابها كيف سلك معها طريقاً مريضاً، ترك فيها حتى بعد سنوات أثراً لا يُمحى من "أشد لحظات مراهقتي سواداً". إنها رواية أولى مذهلة بكل المقاييس، مرشحة لأن يقوم جمهور واسع بالانقضاض عليها في جلسة قراءة متواصلة.
صدرت رواية "أسقطوا المسرح" لـ شارلوت رنسي عن دار ذا بورو برس في 5 يونيو (حزيران) وتباع النسخة الواحدة بسعر 16.99 جنيه استرليني.
السيرة الذاتية للشهر: "سبارك المتقدة: لغز مورييل سبارك" Electric Spark: The Enigma of Muriel Spark لـ فرانسيس ويلسون ★★★★★
لطالما استهوتني سخرية مورييل سبارك اللاذعة، وهي حاضرة بوفرة في سيرة فرانسيس ويلسون الجديدة للكاتبة التي تقف وراء روايات بارعة مثل "ذروة الآنسة جين برودي" The Prime of Miss Jean Brodie. لم يتجاوز طول سبارك المولودة في إدنبرة عام 1918 الـ 155 سنتيمتراً. (قالت مازحة: "لو كنت أقصر قليلاً، لانضممت إلى السيرك") لكن قصر قامتها لم يمنعها من توجيه لكمات أدبية قوية ومدهشة.
في "سبارك المتقدة: لغز مورييل سبارك" تركز ويلسون على السنوات التكوينية من حياة الكاتبة، مقدّمة سرداً مشوقاً لتجاربها المبكرة التي كانت أبعد ما تكون عن الهدوء: انقسامات مريرة، علاقات سامة، تجارب تجسس، فقر مدقع، وصراعات عقلية. كانت سبارك كما وصفت نفسها "سيئة الاختيار" في ما يخص الرجال، وقد تجلى ذلك في زواجها الغريب والمتقلب من أوسي، الرجل الأكبر منها بثلاثة عشر عاماً، والذي وصفت حالته بـ "الحدودية"، ثم أردفت بجملتها القاتلة: "ولم يعجبني ما وجدته على أيٍّ من جانبي الحد".
تغوص ويلسون ببراعة في أسلوب سبارك الأدبي: لم تكتب شيئاً عميقاً عن والدها بارني - ولا عن أي أب آخر بالمناسبة - وتجنبت وصف الحياة الزوجية، بينما أكثرت من مؤامرات الابتزاز، ورسمت عوالم تُقتل فيها النساء على يد رجال مختلين.
وترسم السيرة أيضاً مشهداً قاتماً لعالم الأدب في خمسينيات القرن الماضي، حيث اجتمع كثير من الشعراء الذكور للنيل من موهبة سبارك بدافع الحسد. كان أسوأهم راينر هيبنستال، الذي وصفها بـ "الباردة، المتغطرسة، الخبيثة، والمجنونة إلى حد ما". لكنه- وقبل هذه الإهانات- كان قد حاول اغتصابها، مبرراً فعلته بـ "الاهتياج الزائد".
على رغم أن ويلسون تنسج بخفة خيوطاً سردية متعددة- من تجربتها في روديسيا وسط عنصريين، إلى اعتناقها الكاثوليكية بشكل مفاجئ، وانهياراتها النفسية- إلا أنها تمر سريعاً على حادثة غريبة تسبب فيها إهمال سبارك بموت قطتها بلو بيل.
لست متأكداً إن كنت قد اقتربت فعلاً من فهم شخصية سبارك كامرأة بنهاية الكتاب، لكن ويلسون تعرض القضية بكل تفاصيلها، تاركة الحكم النهائي للقارئ، في مواجهة مع شخصية غامضة ومربكة. هذه السيرة تذكير جميل بضرورة العودة إلى روائية موهوبة بشكل رائع.
أما بالنسبة إلى فصل النهاية الذي يتناول آخر سنوات سبارك، فهو بمثابة تذكير مرعب بفناء الجسد: فقد خضعت لعدة عمليات- في عينيها، وكليتيها، ومفصل الورك- لكن العملية الأخيرة انتهت بكارثة، إذ قُطع عظم الفخذ إلى نصفين، وخيط العصب الوركي داخل الجرح، مما أدى إلى عدوى مروعة تطلبت سبع عمليات لاحقة. وهذا بالفعل تذكار مروّع بالموت.
صدر كتاب "سبارك المتقدة: لغز مورييل سبارك" عن دار بلومزبري سيركس لـ فرانسيس ويلسون في 5 يونيو وتباع النسخة الواحدة بسعر 25 جنيهاً استرلينياً.
كتاب الشهر غير الخيالي: "الغضب المفيد: كيف يمكن لإعادة التفكير في الغضب أن تغير حياتنا" Good Anger: How Rethinking Rage Can Change Our Lives لـ سام باركر ★★★★★
يؤكد سام باركر أن مستوى التوتر والحزن والغضب في العالم اليوم في أعلى مستوياته على الإطلاق، ومع ذلك، يبدو أن هذا يصب في مصلحة بعض الأطراف. فدونالد ترمب، على سبيل المثال، تبنى صورة "الرجل الغاضب" لدفع مسيرته السياسية، بينما يستغل عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي هذه العاطفة بشكل روتيني. يكشف باركر كيف أن "فيسبوك" يعطي الأولوية للمشاركات التي تثير ردود فعل الغضب عبر "الإيموجي" في المنشورات التي تصل إلى المستخدمين، وأن "تويتر" (المعروف الآن باسم إكس) "يدربنا على التواصل بغضب أكبر كلما زاد استخدامنا له".
يمتلئ كتاب "الغضب المفيد" برؤى ثرية عن التكنولوجيا والتاريخ وعلم النفس والعلوم، لكن ما يجعله قراءة مؤثرة وجذابة هو الطريقة الصادقة التي يروي بها الكاتب تجربته الشخصية مع هذا الشعور المكبوت، محاولاً فهم كيفية استثمار "الغضب المفيد" في صالحنا.
يذكر باركر بعبارة ساخرة: "إذا شعرت يوماً بالذنب بسبب مشكلات غير محلولة مع والدك، فلتطمئن، فهي تمتد إلى أعماق النفس البشرية". ويُضحكنا بشدة حين يروي حديثه مع والده أثناء نزهة كئيبة على الساحل، حيث طرح موضوع العلاج النفسي ليكون اهتمام والده منصباً فقط على التكلفة!
يحتوي الكتاب على مقابلات وقصص كثيرة ضمن فصول شيقة مثل "الغضب والجسد"، و"الغضب على الإنترنت"، و"الغضب في الحب". وفي فصل "ميزة الغضب في العمل"، يستعرض باركر المحرر الكبير في النسخة البريطانية من مجلة "جي كيو"، ما يحدث حين يكون غضبك موجهاً نحو مديرك المباشر، ولماذا قد يكون "الاستسلام للغضب" طريقاً نحو السلام النفسي والنظرة السليمة. يقدم الكتاب سهل القراءة حِكماً مستمدة من أمثلة متنوعة بدءاً من أرسطو وحتى توني سوبرانو، ليمنحنا أدوات للتعامل مع التعاسة.
مهما كانت خلفيتك أو مزاجك، هناك الكثير لتستوعبه وتستخدمه من هذه القصة المؤثرة عن التعافي والتجدد، بخاصة إذا كنت من الذين يختزنون مشاعرهم داخلياً. وقبل كل شيء، "الغضب المفيد" هو دفاع قوي عن عاطفة طالما حملت وصمة عار، ودعوة مقنعة للتعامل معها بحذر واهتمام أكثر.
صدر كتاب "الغضب المفيد: كيف يمكن لإعادة التفكير في الغضب أن تغير حياتنا" لـ سام باركر عن دار بلومزبري في 5 يونيو وتباع النسخة الواحدة بسعر 20 جنيهاً استرلينياً.
© The Independent