ملخص
ظلت الرؤى التجريبية في المسرح العربي في حالة تنامٍ نحو "مسرح بديل" للسائد، شكلاً ومضموناً منذ خمسينيات القرن العشرين، مع ظهور مدارس طليعية في المسرح، وتأسيس فرق مسرحية، تعتمد على اختراق الحدود الشكلية والنمطية للمسرح، واستحداث ظواهر مسرحية مثل: مسرح المقهى، ومسرح الغرفة، ومسرح الشارع، محاكاة لتجارب غربية، ولكن بنكهات محلية.
في كتابه "المسرح البديل في العالم العربي" (بيت الحكمة) يتتبع الناقد عيد عبد الحليم تجارب عربية كسرت النمطية المسرحية، خاصة بعد ظهور بيان "نحو مسرح عربي جديد" ليوسف إدريس، وصدور كتاب "قالبنا المسرحي" لتوفيق الحكيم، من خلال تكثيف الاهتمام بفنون الأداء، وعلى رأسها تدريب الممثل، والاعتماد على خصوصية المكان باستلهام الطقوس والعادات الشعبية، في محاولة للاقتراب من الجمهور، عبر كسر حاجز الإيهام. وعقب ذلك، ظهرت بيانات المسرح الاحتفالي في المغرب، وتوالى ظهور رؤى تجريبية في التأليف عند سعد الله ونوس، وميخائيل رومان، وممدوح عدوان، ومحمود دياب، وألفريد فرج، ومحمد الماغوط، ويوسف العاني، ومحمد النشمي، وغيرهم؛ ومخرجين مثل كرم مطاوع وسعد أردش وقاسم محمد وعبد الكريم برشيد، وعبد القادر علولة، والطيب صديقي، وعبد الله السعداوي وروجيه عساف.
تجريب وتجديد
في مفتتح الكتاب قول المسرحي البريطاني جيمس روس إيفانز (1937 – 2022): "أن تكون تجريبياً يعني أن تغزو المجهول". ويستهل عبد الحليم المقدمة بالتأكيد على أن المشتغلين في عالم المسرح لم يتمكنوا من تحديد تعريف لمفهوم التجريب، خصوصاً لجهة اختلافه عن مفهوم "التجديد". ومن ثم فإنه انحاز إلى ما أسماه "المسرح البديل"، متلمساً فيه عناصر التجريب وعناصر التجديد، تأليفاً وإخراجاً ونقداً. جاء الكتاب في خمسة أبواب؛ الأول "فلسفة المسرح التجريبي"، ويتناول علاقة الجمهور بهذا المسرح، وفلسفة العمارة في المسرح في القرن العشرين، وحدود التجريب في مسرح السبعينيات. الباب الثاني "ظواهر مسرحية" ويناقش المسرج الاحتفالي، مسرح الحجرة في العالم العربي، الاستديو المسرحي، المختبر المسرحي، ومسرحة النصوص الأدبية في تجربة المسرح المستقل.
"مسرح المؤلفين"عنوان الباب الثالث، يتناول بدايات النهضة المسرحية، الرؤية الاجتماعية في مسرح نعمان عاشور، فلسفة المسرح عند يوسف إدريس وأثرها في الحركة المسرحية، محمد النشمي رائد المسرح الارتجالي في الكويت، يوسف العاني جسر بين الواقع والتراث، ملحة عبد الله خيال الأسطورة وفضاء الموروث الشعبي، البنية الدائرية في مسرح صلاح عبد الصبور، عبد الرحمن الشرقاوي والمسرح الممنوع، سعد الله ونوس والمسرح التفاعلي، يسري الجندي وتجليات المسرح الشعبي، ومحسن مصيلحي وتجربته في الكوميديا الشعبية. والباب الرابع "مسرح المخرجين"، ويناقش ما إذا كان هذا المسرح يعني نهاية عصر المؤلف، جماليات المسرح الشعبي عند عبد الرحمن الشافعي، جلال الشرقاوي راهب المسرح المصري، الطيب الصديقي ومسرح الناس، ناصر عبد المنعم وتوظيف الموروث الشعبي ومسرحة النصوص الأدبية، عبد الله السعداوي وتنوع أدوات التجريب، روجيه عساف ومسرح الحكواتي، وعادل العليمي وجماليات المسرح الطقسي. والباب الأخير "نقاد المسرح البديل ويتضمن تسليط الضوء على كتابات علي الراعي ومحمود أمين العالم، وفاروق عبد القادر، ونهاد صليحة.
في المقدمة، لاحظ عيد عبد الحليم أنه منذ نهايات القرن الـ 19، بدأ المسرح يتغير جذرياً، حيث عرضت مسرحية "الملك أبو" لألفريد غاري على مسرح اللوفر في باريس، فأحدثت دويا كبيرا في الأوساط الفنية، ووصفها الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس بأنها "علامة أنهت مرحلة كاملة في الفن". وربما كانت تلك هي بداية ما عرف بالمسرح التجريبي الذي رأى المخرج الأميركي ريتشارد ىشيكنر أنه ذلك المسرح الذي يخترق الحدود، سواء أكانت مادية أو فكرية، زمنية أو مكانية. وعربياً، جاء تأسيس مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي عام 1988، ليكون ملتقى عالمياً لتبادل الخبرات الفنية، ثم تأسست الهيئة العربية للمسرح عام 2007 بمبادرة من حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي، ولعبت دوراً مهماً في نشر النصوص المسرحية غير النمطية، وتبنت تنظيم مهرجان المسرح العربي، في ضوء هدفها إبراز المنجزات المسرحية العربية المتميزة وتشجيع الإبداع المسرحي الحر.
ومعروف أن الدورة الـ15 لهذا المهرجان أقيمت في مسقط في يناير / كانون الثاني الماضي، تحت شعار "نحو مسرح عربي جديد ومتجدد"، وستقام الدورة الـ16 في القاهرة من 10 إلى 16 يناير 2026 تحت شعار "نحو مسرح عربي جديد ومتجدد". أما مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، فسيعقد دورته الـ 32 في أيلول / سبتمبر المقبل، على أن يناقش محورها الفكري موضوع "المسرح ما بعد العولمة"، "بغرض السعي لفتح آفاق جديدة للحوار حول أثر مرحلة ما بعد العولمة على المسرح من جوانب فكرية واقتصادية وتقنية وجمالية، في ظل التحولات العالمية التي تدفع باتجاه مراجعة النماذج الثقافية السائدة والبحث عن بدائل تكرّس الخصوصيات المحلية وتستفيد من المنجزات التكنولوجية".
من موسكو إلى القاهرة
وهكذا يمكن القول إنه لا مفر للمسرح من أن ينشد التجديد باستمرار. وفي هذا السياق، لاحظ عيد عبد الحليم أن فكرة "المسرح خارج المسرح" التي تجلت في غير بلد عربي من خلال ما يسمى بـ "المسرح الاحتفالي"، ثبت أنه "لا يمكن أن تتم بالشكل الصحيح إلا من خلال القراءة الواعية للموروث الشعبي والثقافي العربي" ص56. وبالنسبة إلى "مسرح الحجرة"، فقد تتبع عبد الحليم، بداياتها، التي تمثلت في تجربة المخرج ألكسندر تاييروف عام 1914 في موسكو، ثم تطورت مع مسرحية "في غرفة المعيشة" عام 1953، والتي كتبها غراهام غراين.
وعرفت مصر هذه التجربة مع المخرج سعد أردش عندما أسَّس "مسرح الجيب" عام 1962، وهناك تجربة "مسرح المئة كرسي" في الأردن وبدأت عام 1968. وعرفت سورية "مسرح الغرفة" منذ خمسينيات القرن الماضي، عبر عشرات العروض المسرحية، ومنها مثلاً عرض "في انتظار غودو" للمخرج محمد ملص. واشتهرت فرقة "المعبد" المسرحية المصرية المستقلة بعروض "مسرح الغرفة"، ومنها عرض "اللجنة" للمخرج أحمد العطار عام 1998. أما "الأستوديو المسرحي"، فمن أشهر تجاربه في مصر، فرقة "أستوديو 80" التي أسَّسها الفنان محمد صبحي مع المخرج لينين الرملي. ويوجد في مدينة القدس "استوديو الممثل"، الذي قدمت فرقته عرض "مجلس العدل" عام 2009 وهو من تأليف توفيق الحكيم. وفي تونس يوجد "استوديو التياترو" الذي أسَّسه الفنان توفيق الجبالي عام 2003.
مسرح الشارع
وتناول عبد الحليم كذلك تجربة المخرج المغربي الطيب الصديقي في مجال المسرح المفتوح، أو "مسرح الشارع" حيث تقدم العروض في ساحة جامع الفنا في الرباط. أطلق الصديقي على فرقته اسم "مسرح الناس"، وهي لا تعتمد على النص الثابت، بل تكسر الأشكال التقليدية لتضفي طابعاً احتفالياً؛ "إنها تعتمد على تفجير قدرات الممثل ليحل الإيماء والرقص محلَّ الكلمة"، بحسب مقال للناقد السوري رياض عصمت، نشرته مجلة "الحياة المسرحية". وتناول عيد عبد الحليم كذلك تجربة الفنان البحريني عبد الله السعداوي (1948 – 2024) على مستوى التأليف والإخراج والتمثيل منذ أن قدَّم مسرحية "الحمار ومقصلة الإعدام" في منتصف ستينيات القرن الماضي، ثم منذ أن انتقل إلى العمل في "مسرح الشارقة الوطني" عام 1975.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والسعدواي هو مؤسس فرقة "الصواري" عام 1991 التي عملت على إلغاء مركزية الخشبة، مستفيدا من تجربة عمله مع المسرحي المصري عبد الرحمن عرنوس الذي قدَّم معه مجموعة من العروض، منها "الرجال والبحر والرهائن"، تأليف عصام محفوظ، وإعداد درامي للشاعر البحريني قاسم حداد، وقد قام على فكرة إعطاء مساحة خاصة للارتجال وتكوين فضاءات مسرحية مغايرة.
لبنان والخليج
أما تجربة اللبناني روجيه عساف، فقد أفرد لها عيد عبد الحليم فصلا ضمن باب "مسرح المخرجين" ، تناول فيه تأسيس فرقة "محترف بيروت" بالاشتراك مع نضال الأشقر، والتي قدمت عروضاً عدة في المسرح السياسي منها "المفتش"، و"عدد خاص"، و"أزرار أكتوبر". وبعد انتهاء تجربة "محترف بيروت"، اهتم عساف بتقديم عروض تستلهم الموروث الشعبي، منها "الجرس" 1991، التي ألَّفها وقام ببطولتها رفيق أحمد علي. واختصر هذا العرض، كما قال رفيق أحمد علي، مرحلة الانتقال من مسرح الحكواتي، بطبيعته الجماعية، الذي يقدم الحكاية في شكل مسرحية، إلى الفرد الواحد، "فهي عودة إلى الأصالة مع استعمال تقنيات اكتسبناها من تجربة الحكواتي، دفاعاً عن ذاكرتنا في مواجهة همجية الحرب التي قسمت الناس إلى فئات وطوائف" ص229.
وتناول الكتاب كذلك تجربة رائد المسرح الارتجالي في الخليج الفنان الكويتي محمد النشمي (1927 – 1984) الذي اتسمت أعماله بطابع تجريبي على مستوى الكتابة وعلى مستوى الأداء التمثيلي والإخراج، ومنها "صاروخ شراكة"، و"مدرسة مُلا صقر"، و"مدير فاشل". وكان النشمي، كما يقول عبد الحليم، "مدركاً لأهمية اللهجة المحلية الكويتية والخليجية، باعتبارها أحد المكونات الأساسية لفكرة الهوية" ص117. وفي ذلك ينسب إلى النشمي تأسيسه أولفرقة مسرحية في الكويت هي فرقة "الكشَّاف الوطن" عام 1954، وتعد أول تجمع لهواة المسرح في الكويت. وبعد عرض "عجوز المشاكل، أصبحت الفرقة تحمل اسم "فرقة المسرح الشعبي"، وانضمت من ثم إلى "الهيئة الإدارية للمسرح" عام 195، وساعد ذلك على حل مشكلة اعتمادها سابقا على التمويل الذاتي عبر مساهمات أعضائها المؤسسين.
عيد عبد الحليم (1976) هو شاعر وناقد مصري ، رئيس تحرير مجلة "أدب ونقد"، القاهرية، وأصدر من قبل كتابين بحثيين عن المسرح: "مسرح الشارع العربي"، و"ضحايا حريق الفن"، وحصل على جائزة توفيق الحكيم في الكتابة المسرحية، وحصل على جائزة أفضل ديوان فصحى من معرض القاهرة الدولي للكتاب في بداية العام الحالي عن ديوانه "مزرعة السلاحف".