ملخص
تحدث رئيس مركز ريكونسنس عن الدور الفرنسي بقوله إن "باريس تتوسل بقاء أميركا في شمال شرقي سوريا، ولو فترة أطول، خوفاً من أن تجد دمشق نفسها فجأة أمام مسؤولية ثقيلة لا تستطيع أوروبا تحمل نتائجها، خصوصاً في ظل الإحجام الأوروبي عن استرداد رعاياه من مخيم الهول".
لم يزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب العقوبات الاقتصادية عن سوريا فقط بل أزال عبر إعلانه من السعودية كل المخاوف السياسية والأمنية التي تتوجس منها دول العالم حول سوريا الجديدة وإدارتها، وترك الباب موارباً برفع سقف الاحتمالات حيال عودة العلاقات بين دمشق وواشنطن بعد قطيعة طال أمدها.
ومع هذا تتجه الأنظار إلى القواعد الأميركية المنتشرة في الشمال الشرقي من سوريا، وحضور ما يقارب 2000 جندي ينتشرون عبر نقاط عسكرية وقواعد قريبة من آبار النفط والغاز، وعن توقيت الانسحاب، واستفادة السوريين من الثروات النفطية والغذائية التي تنعم بها منطقتا الجزيرة والفرات حيث تبسط قوات سوريا الديمقراطية "قسد" أكثر الفصائل المحلية قرباً من أميركا السيطرة على هذه المناطق منذ خروجها عن السيطرة الحكومية وحتى الاتفاق بين "قسد" وحكومة دمشق.
وتداولت وسائل إعلام عربية تصريحات لمسؤول أميركي أشار فيها إلى انسحاب قوات بلاده من مواقع سورية، لافتاً إلى تخفيض حجم الجنود الأميركيين من 2000 إلى 900 مقاتل في الأشهر المقبلة. في حين تتحدث تقارير إعلامية عن مغادرة مئات الشاحنات الثقيلة التابعة لقوات التحالف الدولي الذي تقود واشنطن الأراضي السورية باتجاه العراق، إذ أخلت القوات الأميركية قاعدة مدينة "الشدادي" جنوب الحسكة في تطور جديد في ملف الانسحابات.
في غضون ذلك يرى رئيس مركز ريكونسنس للبحوث والدراسات، عضو نادي الصحافة الوطني في واشنطن، عبدالعزيز محمد العنجري، في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أنه من الواضح بدء الولايات المتحدة فعلياً في تقليص وجودها العسكري في سوريا، مع إبقاء قوة رمزية لقواتها في الشمال الشرقي، وهو انسحاب وصفه بـ"المدروس أكثر منه مفاجئ"، ومرتبط بتفاهمات تحدث بصمت على خطوط متوازية مع دمشق والأمم المتحدة وبعض العواصم الغربية.
وقال العنجري، "سحب إدارة معتقلات تنظيم ’داعش‘ من قوات سوريا الديمقراطية ’قسد‘ وتسليمها للإدارة السورية خطوة ستثير كثيراً من الأسئلة، لكن الأهم هو أن واشنطن لم تتخل عنها بالكامل، بل حرصت على الإبقاء على غطاء أممي داخلها، في محاولة لضبط التوازن بين رفع المسؤولية المباشرة وضمان عدم انهيار هذه المنشآت".
القوة على الأرض
منذ عام 2015، انغمست الولايات المتحدة في الحرب السورية عبر إدخال قوات عسكرية إثر توسع خطر تنظيم "داعش" الإرهابي عام 2013 وشنه هجمات على دول غربية وأسهمت بالشراكة مع "قسد" وبتحالف دولي ضرب مواقع أكثر التنظيمات الإرهابية تطرفاً وتشدداً حتى سقوطه نهائياً في مارس (آذار) عام 2019، وتحديداً في قرية الباغوز بريف دير الزور الشرقي، شرق سوريا.
ويحرص ترمب على سحب قوات بلاده من سوريا، بعد تعهده في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018 بسحب كامل القوات بعد هزيمة "داعش"، وأسفر قراره عن استقالة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس وكذلك المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد "داعش" بريت ماكغورك إلا أن عدد القوات الأميركية عاد للارتفاع في عهد جو بايدن في ظل حرب غزة وبلغ 2000 وسط توترات أمنية عاشتها المنطقة ودول الجوار.
وبالعودة إلى "وعد ترمب" المتعلق برفع العقوبات وما يرافقه من مشاورات حيال المدة الزمنية لاستكمال الشؤون القانونية والدستورية، يحاول رجل الصفقات في البيت الأبيض إخراج بلده بأسرع وقت من المستنقع السوري، بخاصة أنه يرى في الوعد الذي أطلقه للسوريين بمثابة فرصة لا تعوض، وهو بذلك يخالف سياسة إسرائيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى مراقبون أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تزال متوجسة من إدارة الرئيس أحمد الشرع في دمشق وتطالب بحماية الدروز في السويداء جنوب سوريا بعد أحداث دامية بين فصائل غير منضبطة في (جرمانا وصحنايا) في ريف العاصمة، وسط رغبة ترمب الانسحاب من سوريا تمثلت في إعلانه خطط انسحاب منذ توليه ولايته الثانية في فبراير (شباط) الماضي وتراوح مراحل الانسحاب بمدة زمنية من 30 إلى 90 يوماً.
ولفت رئيس مركز ريكونسنس الانتباه إلى الدور الفرنسي بقوله إن "باريس باتت تتوسل بقاء أميركا في شمال شرقي سوريا، ولو فترة أطول، خوفاً من أن تجد دمشق نفسها فجأة أمام مسؤولية ثقيلة لا تستطيع أوروبا تحمل نتائجها، خصوصاً في ظل الإحجام الأوروبي عن استرداد رعاياه من مخيم الهول". ويتابع "هنا يظهر التباين بوضوح حول تهرب أوروبا وضغط أميركا، لكن الواقع أن هذا الملف لن يقفل من دون اتفاق شامل على مصير المتطرفين الأجانب وعائلاتهم، وهو ما لا يبدو قريباً".
وعن مسألة رفع العقوبات، يعتقد العنجري أنها أكثر تعقيداً مما يتداول "فحتى لو أراد ترمب شخصياً اتخاذ خطوات انفتاح، فإن بعض العقوبات تحتاج إلى الكونغرس، والواقع أن بعض الجمهوريين سيستثمرون اللحظة للمساومة على أثمان وشروط".
السفارة المغلقة
من جانب آخر، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية بالتعاون مع مجلس الأمن القومي والخارجية في واشنطن تطبيق توجيهات الرئيس ترمب في شأن العقوبات، وجاء في بيانها "إننا نتطلع إلى إصدار التصاريح اللازمة التي ستكون حاسمة لاستقطاب الاستثمارات الجديدة إلى سوريا".
وإجراءات وزارة الخزانة الأميركية - وفق البيان نفسه - في شأنها المساعدة في إعادة بناء الاقتصاد والقطاع المالي والبنية التحتية في سوريا، فضلاً عن وضع البلاد على طريق مستقبل مشرق ومزدهر ويسوده الاستقرار.
كان البنك الدولي أعلن سداد قطر والسعودية ديوناً مستحقة على سوريا بنحو 15.5 مليون دولار، في وقت يرحب المجتمع الدولي برفع العقوبات عن هذا البلد. وقال عضو الكونغرس الأميركي مارلين ستوتزمان "إن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل تتفق في دمج الشرع في المجتمع الدولي والعمل على تحقيق السلام بين تل أبيب ودمشق".
وأما في الشأن الدبلوماسي فإن لقاء الرياض التاريخي بين ترمب والشرع برعاية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عكس "جواز سفر" بيد العهد الجديد في سوريا إلى دول العالم بخاصة بعد الوصف والإطراء الذي أعلنه الرئيس الأميركي عن صفات الشرع. وبهذه الطريقة سيذلل كل العقبات من توجس ومخاوف الدول الأوروبية والعربية والإقليمية، ولعل هذا ما دفع باريس إلى إرسال دبلوماسي ممثل لها في دمشق.
في المقابل تتوقع مصادر دبلوماسية عودة السفارة الأميركية للعمل بعد إغلاق دام فترة الحرب، حين اتخذ قرار بإغلاق البعثة في السادس من فبراير 2012. ويرجح العنجري "أن تعود السفارة الأميركية إلى دمشق لاحقاً، إذ سيكون هذا المسار تدريجاً ومحسوباً ومشروطاً، فرفع العقوبات وإعادة العلاقات لن يكونا مجرد قرار دبلوماسي، بل نتيجة حزمة شروط، منها ما هو معلن ومنها ما سيبقى في الظل فترة طويلة".
ومع الوعد "الترمبي" بالتخلي عن العقوبات الاقتصادية الخانقة سيكون أمام سوريا فرصة استثنائية بدفع البلاد باتجاه إعادة الإعمار وإنعاش اقتصادي طال انتظاره، بعد حصار من قبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي يمتد منذ عام 1979 وزادت شدته عام 2011 مع اندلاع الثورة ضد حكم عائلة الأسد ولا سيما إصدار قانون "قيصر" أو "سيزر" عام 2019.