ملخص
التضليل الرقمي أصبح تهديداً حقيقياً للديمقراطيات، في ظل تراجع المنصات الكبرى عن التزامها بالتحقق من المعلومات، وتسييس مفهوم "المعلومات المضللة". ومع تصاعد الهجمات الإلكترونية، تبرز الحاجة لحماية بيئتنا المعلوماتية بتشريعات صارمة، وتعزيز أدوات الذكاء الاصطناعي المستقلة لرصد الأكاذيب.
يمكن القول بأنها فترة أزمة لأي شخص يهتم بالحقائق المُثبتة.
فالحقائق تشكّل اللبنات الأساسية التي تضمن حصول المواطنين على معلومات دقيقة، وتساعدهم على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن القضايا الأكثر أهمية. ولا يمكن أن تكتسب حرية التعبير مزيداً من القيمة إلا من خلال خلق بيئة معلوماتية أفضل وأقل سمّية.
لكن ثمة تغيرات جذرية في مجالي التكنولوجيا والسياسة تلاقت في وقت واحد: نحن معرّضون لخطر الانجراف في طوفان من المواد الزائفة أو المضلِّلة أو المولَّدة اصطناعياً عبر الإنترنت، مما يترك كثيرين إما عالقين في بيئات إعلامية منغلقة – حيث يكون فيها الشخص محاطاً فقط بوجهات نظر ومعلومات تُعزز معتقداته الموجودة أصلاً، من دون أن يتعرض لآراء مختلفة أو معارضة - أو غير واثقين بما يمكنهم تصديقه. فقد أفاد أربعة من كل عشرة بالغين في المملكة المتحدة، وفقاً لمسح أجرته هيئة تنظيم قطاع الاتصالات البريطاني (أوفكوم) العام الماضي بأنهم واجهوا معلوماتٍ مغلوطة أو مضللة خلال الأسابيع الأربعة التي سبقت الاستطلاع وهناك من يجد صعوبة في التمييز بين الحقيقة والخيال.
وفي الوقت نفسه، تعيد إدارة ترمب رسم قواعد الدور الأميركي على مستوى العالم، متحديةً الافتراضات السياسية الغربية. ففي وقت سابق من هذا العام، جاء نائب الرئيس جي دي فانس إلى أوروبا للحديث عن "العدو في الداخل". وقد وصف المعلومات المضللة بأنها كلمة قبيحة تعود إلى الحقبة السوفياتية، وألمح إلى أن كل من يستخدمها إنما يسعى إلى فرض رأيه على الآخرين. وفي المقابل، بدأت منصات التواصل الاجتماعي - التي تديرها أقوى الشركات في العالم - تستجيب للضغوط السياسية بالتراجع عن التزاماتها السابقة بالتعاون مع هيئات تحقق مستقلة من أجل رصد المعلومات التي تُسبب ضرراً حقيقياً وكشفها.
لِنكن واضحين: التحقق من الأمور لا يُقيّد النقاش، بل يعززه من خلال ترسيخه في أرضية الحقيقة. وهو بالتأكيد لا يُعد رقابة، كما ادعى رئيس شركة "ميتا"، مارك زوكربيرغ، حين غير موقفه بشكل مفاجئ في مطلع هذا العام. فتوثيق الحقائق يضيف سياقاً مهماً إلى النقاشات المعقدة، ويفتح المجال أمام خلق المزيد من الخطابات بدلاً من أن يقيدها. انطلاقاً من هذا المعيار، يجب أن يحظى ذلك بموافقة نائب الرئيس فانس أيضاً.
انطلاقاً من ذلك، إنه الوقت المناسب للدفاع عن قيمنا. تُعتبر "فول فاكتس" Full Fact مؤسسة خيرية محايدة، لكننا لن نكون محايدين بشأن أهمية الحقائق. إذ إن القدرة على التفكير النقدي بشأن المعلومات التي نستهلكها هي ضرورية لأي نقاش عام هادف في المملكة المتحدة. فإذا أصبح كل شيء عبارة عن مسألة رأي - مع تجاهل الحقائق في الانقسامات الحزبية - لن يكون هناك مجال للشك أو النقاش الفعال.
نحن نعلن بصراحة ضرورة حماية حرية التعبير. لكن حرية التعبير ليست مطلقة، ولم تكن كذلك أبداً، حتى في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة. في عالم تتوافر فيه المعلومات بسرعة قياسية مذهلة، ولكن مربكة أحياناً، تضطلع حماية الناس من الأذى الجسيم عبر الإنترنت بأهمية بالغة. ويشكل هذا توازناً صعب المنال، ولكنه تحدٍ لا يجب التهرب من مواجهته إطلاقاً.
لسوء الحظ، حتى مصطلح "معلومات مضللة" أصبح اليوم محملاً بالشحن السياسي. ففي الشهر الماضي، أوقفت المؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم (NSF) وبشكلٍ مفاجئ عشرات المنح التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات التي كانت قد منحتها في السابق للباحثين الذين يدرسون المعلومات المضللة. فيما تُعتبر عبارات أو مصطلحات أقل إثارة للجدل، على غرار "نزاهة المعلومات" أو "مصداقية المعلومات"، خيارات أكثر أماناً. لكن من شأن الجدل المرتبط بالصياغة أن يُغفل القضية الحقيقية: بيئتنا المعلوماتية الرقمية تواجه تهديداً أكبر من أي وقت مضى، ويجب أن نكثّف جهودنا لمواجهته.
ما الذي يعنيه ذلك عملياً؟ لقد دار نقاش مطوّل في المملكة المتحدة حول الإنفاق الدفاعي والحاجة إلى زيادته. لكن الدفاع لا يقتصر على الرصاص والدبابات؛ بل يشمل أيضاً البرامج الآلية و"وحدات التضليل الإلكتروني" troll farms [مجموعات منظمة، غالباً ممولة أو مدعومة من حكومات أو جهات سياسية، تدير أعداداً كبيرة من الحسابات على الإنترنت - يديرها أناس حقيقيون أو برامج - بهدف إثارة الانقسام، نشر الإشاعات، أو مهاجمة منتقدين]. نحن في حالة حرب هجينة، تتعرض فيها مجتمعاتنا لهجمات من مصادر غير متوقعة. وإذا أردنا حماية ما نقدّره في مجتمعنا، فعلينا أن نخوض المعركة على جميع الجبهات. الوصول إلى معلومات دقيقة يشكل الأساس للنقاشات السياسية القوية التي نحتاجها. وهذا ليس ترفاً، بل هو أساس ديمقراطيتنا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لهذا السبب نشعر بقلق بالغ من أن المنصات الإلكترونية الكبيرة، التي تملك تأثيراً كبيراً على حياتنا اليومية، قد تجد فرصةً للحد من الوقت الذي تستغرقه في إدارة المحتوى بطرقٍ تجعل عالمنا الإلكتروني أكثر أماناً. ولهذا، تُعلق منصتا "أكس" و"ميتا" آمالهما على برنامج "ملاحظات المجتمع" أو الملاحظات المجتمعية Community Notes وهو نظام يعتمد على بناء توافق بين الأطراف المختلفين سابقاً، بدلاً من الاستناد إلى دقة الحقائق. من شأن هذا النظام أن يلعب دوراً إيجابياً في بناء نقاشٍ صحي وشفاف عبر الإنترنت، ولكنه أيضاً ليس بديلاً عن الخبرات المستقلة.
نطالب حكومة المملكة المتحدة وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات البريطاني (أوفكوم) ببذل المزيد من الجهود لمحاسبة كبريات الشركات بالقانون إذا اقتضى الأمر. وهذا يعني سنّ تنظيمات تُحمّل المنصات مسؤوليات قانونية جديدة، من بينها توفير تعليم إعلامي فعال، إلى جانب مراجعة قانون السلامة على الإنترنت، لضمان إمكانية اتخاذ إجراءات أسرع وأكثر صرامة في حالات الطوارئ، مثل أحداث الشغب التي شهدتها المملكة المتحدة في الصيف الماضي.
في الواقع، نحن ندرك أن التطورات التكنولوجية المتسارعة أسهمت في انتشار المعلومات الخاطئة، سواء من خلال أشخاص يشاركون منشورات مضللة عن غير قصد، أو عبر جهات مدعومة من دول تسعى لإلحاق ضرر حقيقي بأفراد أو مؤسسات أو دول.
ولكن من خلال الاستخدام الذكي للتكنولوجيا حصراً، يُمكننا مواجهة هذا التهديد على نطاق الإنترنت. في هذا السياق، طورت شركة "فول فاكت" أدوات ذكاء اصطناعي تُمكن مجموعات صغيرة من الأشخاص من مراقبة كميات هائلة من المعلومات، وتحديد الأضرار التي يُمكن أن تُسببها كل أنواع المعلومات، بدءاً من المعلومات الصحية المضللة إلى عمليات الاحتيال المالي، واتخاذ الإجراءات اللازمة. ولتوضيح حجم هذه الظاهرة بالأرقام، سُجِلت 5.5 مليار مشاهدة لمقاطع فيديو متعلقة بالصحة في المملكة المتحدة عام 2023، على موقع "يوتيوب" وحده.
بوسع التكنولوجيا حتماً أن تساعدنا على "تمييز الغثّ من السمين"، وقد استُخدمت أدواتنا حتى الآن في 40 دولة حول العالم، من المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى اليمن وجنوب السودان.
ما زال هنالك مجال للتفاؤل. ففي وقتٍ تتسارع ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن عمل المؤسسات المحايدة للتحقق من الحقائق ليس جزءاً من المشكلة، بل هو جزء من الحل.
كريس موريس هو الرئيس التنفيذي لمنظمة "فول فاكت" Full Fact
© The Independent