ملخص
"السعادة الإيجابية للنقطة الخضراء"، عنوان شعري يفتح نافذة نحو فرح غير متوقع يبدأ من نقطة مثل حبة تراب في حديقة ورد، أو خيوط تحوك مساراتها أو نبض لأصوات بعيدة في الذاكرة. والشعر نبض التأويلات التي يتيحها معرض الفنانة هلا شقير ابنة النحاتة المعروفة سلوى روضة شقير، في غاليري صالح بركات (كليمنصو- حتى الـ10 من مايو "أيار").
يشتمل معرض هلا شقير على مجموعة كبيرة من الأعمال هي نتاج ثمانية أعوام من العمل، بأسلوب يتقاطع ما بين التجسيد والتجريد، يخاطب الذائقة البصرية المستمدة من الفن الأقلي والتجريد المندمج في آن واحد مع عالم الأشكال والنباتات والكائنات الصغيرة التي تشكل على رغم صغرها قوام الطبيعة ونظامها وجمالها.
تتخطى لوحات هلا شقير نوستالجيا التيمة ومسألة هندسة الفراغ، بأسلوبها القائم على الدقة في الرسم بالريشة، وحبر الأكريليك الرقيق على القماش المطلي غالباً بطبقة الجيسو الناعمة. إنها أدوات بسيطة لكنها تملأ المساحة شيئاً فشيئاً بالإيقاع اللوني، وبسحر التناغمات المتأتية من تدرجات اللون الواحد. ما من مخطط مسبق للوحة، بل هناك تجارب وخبرات تتراكم بالحدس واللاوعي. اليد المدربة تعرف طرائقها ومسالكها، اليد تفكر، والفنانة بلا قلق تصغي لنداءات حدسها الذي يقودها إلى عوالم لم تكن لتتخيلها، ويمضي بها بعيداً نحو تحقيق فرديتها المستقرة فكرياً وعاطفياً، على موقف بسيط وعميق: إيجاد السعادة الحقيقية في التمتع بإمضاء وقت يمر من خلال العمل الفني، إنه الفن الذي يملأ الحياة اليومية بشيء من التسكع والتلذذ والإصغاء إلى إيقاع العمل الفني، الذي يشبه الموسيقى الداخلية لعالم الفنانة ونظامها الخاص.
هل يعد إمضاء وقت طويل في إنجاز لوحة ميزة نسوية في الفن؟ ربما، إذ يخطر في البال لفائف قماشات هيكات كالان، وطريقتها في الانكباب عليها ساعات طوالاً بأقلامها الملونة، كما لو أنها تحيكها وتطرزها بزخارف هندسية وعضوية. ونتوقف أيضاً عند رسوم لور غريب، الشبيهة بالتخريمات والمطرزات، المستمدة من عالم طفولتها وحاضرها وذكرياتها. ليست المسألة مسألة وقت فحسب، بل أيضاً نوع الفن وخاماته وملامسه المرتبطة بالخياطة والأشغال اليدوية والفنون التطبيقية، التي تمارسها المرأة أكثر من الرجل. يتجلى ذلك بوضوح في سلسلة "ورقيات" هلا شقير، التي سمتها "بلا تفكير" - وهي من روائعها على الحجم الصغير - لما تنطوي عليه من لعب وابتكار وتلقائية في التعاطي مع الورقة البيضاء، المشغولة بألف حيلة وحيلة: رسماً، وتلويناً، ومروراً بالإبرة والخيط، وتخريقاً، وتثقيباً على شبكة مربعات هندسية، حيث تستبدل بالألوان الخيطان، التي تتشابك وتتقاطع على غير هدى، وفق أكثر من احتمال. وحين يخلو التفكير من الهندسة الرياضية يذهب القلم إلى الخيال في استحضار الطبيعة.
عالم النقاط
يحاكي عنوان معرض هلا شقير المتصل بـ"النقطة"، عالم النقاط في أعمال الفنانة اليابانية يايوي كوساما، من ناحية آلية التكرار التي تعتمد في صوغ الأشكال. إلا أن التكرار لدى شقير ليس تكراراً مرضياً من نوع الهوس البصري والقهري كما هي الحال عند كوساما، بل هو تكرار آلي سعيد ومبهج يتسم بالوعي والاسترسال والتحكم والاستدراج والبداهة والاختراق والتجاوز، فهي "مراقبة واعية بعمق للعالم الطبيعي، حيث تشرق عينها وأفكارها" - على حد تعبير الكاتبة آمي تودمان في مقدمتها عن المعرض - إذ تقول "بأن ثمة آثاراً للهندسة الصامتة والتفاصيل الدقيقة المكررة الموجودة في أعمال الرسامة الأميركية التجريدية والبسيطة أغنيس مارتن، على سبيل المثال، أو اهتمام بالزائل في توازن دقيق مع الاستقرار الهيكلي للمادة، كما هي الحال في أعمال الأميركية المولودة في ألمانيا إيفا هيس. ومع ذلك فإن خصوصية شقير تكمن في اهتمامها الذي لا ينكر بالتكرار، والذي ينطوي على عنصر لا يقهر من الفوضى الفردية والوحشية الرقيقة والإنسان في الآلة، وفي هذا تبتعد بوضوح عن علاقة أكثر صرامة بالبساطة والتكرار والتجريد".
تتفرد هلا شقير بأستطيقيا ومنهج يعلوان على التصنيف والجندرية، وإن كان أسلوبها الفني يحمل مفاهيم تجريدية تنبثق من زوايا تأملية، جاءت في أعقاب نقاشات أثارها الفن النسوي في أميركا، وخلفت تأثيرات غير مباشرة على توجهاتها لا سيما خلال إقامتها في نيويورك، حيث دخلت أعمالها في مجموعات بعض المتاحف الأميركية منها متحف لوس أنجليس للفنون. يتميز أسلوب شقير بأنه غائص عميقاً في الفن البصري، إذ بعيداً من الاختناق والتوتر تبدو لوحاتها كأنها تتنفس الهواء وتعوم في فضاء من الأثير اللوني الرقراق، سواء كان تجريداً أم تشبيهاً فالحال ذاتها من الارتماء والشغف في غمار الحركة البطيئة الدؤوبة والروح المنبثقة من أقل الاهتزازات والانزياحات في الخطوط والتدرجات في السلم اللوني. واللوحة في هذا المقام هي عمل يدوي مجهري بارع في ملمسه وتراكيبه الهندسية غير المنتظمة وغير المتكافئة، بحيث لا تضاهيه الآلة، وليس لها أن تقلده، خصوصاً أنه مبني على الجسيمات الصغيرة المرسومة بالريشة بالتتالي والتتابع والنمو المطرد من تلقائه، في سياق العلاقة بين الجزء (الميكروزوم) والكل (الماكروزوم)، وتقوم هذه الفلسفة على فكرة وجود تناظر وانعكاس بين ما هو صغير وما هو كبير، وكأن كل ما في الكون الكبير يتكرر على نحو ما في الكائن الصغير.
الخداع البصري
على مشارف عالمها الخاص ثمة أمواج ترغي وتزبد، وخطوط غرافيكية متعرجة على هيئة زيك زاك، كدقات القلب، وورود تتفتح مآقيها على نسائم الصباح، وسلاسل متوالية في مسارات معقدة ومتشابكة، وحزوز وتضاريس وأخاديد وثنايا، كأنها نسيج أو شبكة من شاش رقيق يتمزق، أو كنزة صوف تنفرط خيوطها وتختبئ في جيوبها أحلام طفولة ضائعة. من أي جهة؟ من أي هامش أو فراغ تبدأ الريشة رحلتها؟ حتى تغدو اللوحة كأنها خلايا تتحرك وتتقاطع، أو شاشة أحلام وردية، أو حديقة ربيعية خضراء. لا يمكن للعين أن تلتقط سوى لوحات محبوكة كنسيج رقيق، شفاف، لعوب، مؤلف من دوائر وحلقات وسلاسل ودوامات وأزهار على الأغصان، وعوالم خيالية لما تحت البحار أو في أعماق الغابات أو على مجاري الأنهار حيث الحصى والرمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكأن الطبيعة حاضرة في الذهن والعين واللاوعي، حضوراً خفيا يتجلى في الوهم الذي تتلمسه العين في تحولات اللون والشكل معاً. فألوان الباستيل تهيمن على أعمالها: الأخضر والأصفر والأزرق والبنفسجي، فتبدو الألوان شفافة، مخففة من وطأة التناقضات، في تقشف ظاهري يعتمد على طيف لوني واحد أو اثنين. وفي حقول الفن البصري التي تفرشها شقير أمام العين، ما يفسح المجال للحركة أن تنبع من ذاتها، بفعل تطور العلاقة بين الجسيمات الخطية الصغيرة والمدى اللوني. هكذا تبدو سطوح لوحاتها التجريدية متحركة، بل متموجة، بين علو وهبوط، أو اتساع وانكماش. هذه الإثارات تولد أحياناً خداعاً بصرياً ناجماً عن التأمل، كأنها شكل من أشكال التفكير الحر، يتجاوز حدود المشاهدة العابرة، ليغدو تجربة وجودية تعكس العلاقة العميقة بين الذات والعالم.