ملخص
قال أكثر من سياسي وباحث إن استمرار الحرب وتداعياتها تضع إسرائيل برمتها أمام مفترق طرق، بحيث يكمن الخطر ليس فقط في التهديدات والتحديات التي تتعرض لها من أعدائها، إنما من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
هذا العام لا يشبه الأعوام الماضية ولا حتى عام 2024 بمرور سنة على عملية "طوفان الأقصى"، فمراسم إحياء ذكرى الجنود الإسرائيليين قتلى الحروب منذ قيام إسرائيل عام 48 واحتفالها بما يسمى "يوم استقلالها" الـ77، إذ كان المشهد البارز في إسرائيل الشرخ الداخلي في المجتمع من جهة، واستمرار الحرب على مختلف الجبهات لمدة سنة في الأقل، من دون خريطة طريق لنهايتها ولا أفق قريب يبعث الأمل بين الإسرائيليين في مستقبل أفضل، أو أكثر أمناً كما يريد متخذو القرار، من جهة أخرى.
الشرخ الذي برزت ملامحه بين منتدى عائلات الأسرى ومعهم المعارضة وجنود الاحتياط وحركة شعبية واسعة وبين القيادات السياسية والعسكرية، وكذلك الصراعات الداخلية في الأوساط العسكرية والسياسية وداخل المؤسسة العسكرية وما بين هذا وذاك المعطيات التي تشير إلى ارتفاع نسبة المهاجرين من إسرائيل وسجلت السنة الأخيرة هجرة ما لا يقل عن 100 ألف إسرائيلي، مما يشكل قلقاً كبيراً.
الرئيس إسحق هرتسوغ الذي يعتبر الرجل الأول في الدولة أدرك خطورة الوضع ليس فقط من ناحية استمرار الحرب على مختلف الجبهات، إنما تداعياتها أيضاً التي تشكل عنصراً بارزاً في هذا الشرخ، فكان الأهم ضمن رسالته في هذه الذكرى الحفاظ على الوحدة وتماسك المجتمع الإسرائيلي من أجل استمرار وجوده وقوته في التصدي للتحديات المحيطة به.
وكما قال أكثر من سياسي وباحث فإن استمرار الحرب وتداعياتها تضع إسرائيل برمتها أمام مفترق طرق، بحيث يكمن الخطر ليس فقط في التهديدات والتحديات التي تتعرض لها من أعدائهم، إنما من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
التخلي عن إنسانيتنا
والجانب الأبرز الذي عكس ذلك الشرخ والتصدع الداخلي، هو إحياء ذكرى قيام إسرائيل للعام الثاني من دون إعادة الأسرى لدى حركة "حماس"، والرقم 59 تفوق على الرقم 77 وهو سنوات قيام إسرائيل، فعلى مدى حروبها حرص متخذو القرار بعد انتهاء الحرب على إعادة أسراهم، لكن هذه المرة بات الأمل شبه مفقود لدى الإسرائيليين من إعادة الأسرى، أو في الأقل الأحياء منهم والتوقعات أن عددهم تراجع إلى 21 أسيراً حياً وليس 24 كما كانت التقديرات.
وأعرب أكثر من شخص في منتدى عائلات الأسرى "عن فقدان إنسانيتنا تجاه أنفسنا أولاً"، وما عزز هذا الشعور حديث وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر عن أن الحرب ستستمر لمدة 12 شهراً في الأقل على مختلف الجبهات، وتهديدات القيادة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، حتى رئيس الأركان إيال زامير، حول استمرار الحرب في غزة ومصادقة زامير على عمليات حربية واسعة يفترض أن تخرج إلى حيز التنفيذ غداً الجمعة، بعد انتهاء احتفالات الاستقلال، في مقابل نفي المسؤولين والمطلعين على مفاوضات صفقة الأسرى حدوث أي اختراق أو تقدم، وكتبت صحيفة "هآرتس" ضمن افتتاحيتها عشية الاستقلال أن "رفض حكومة إسرائيل دفع الثمن على تقصيرها في إنقاذ الإسرائيليين الذين اختطفوا تحت ورديتها، وصمة على جبين كل عضو في الائتلاف، بخاصة على جبين رئيس الحكومة، فترك المخطوفين لمصيرهم يثقل ليس فقط على احتفالات الاستقلال بل يهز جداً الثقة بالدولة وبمجرد أنها بيت وملجأ لليهود ويعمق الشرخ الداخلي".
وأضافت الصحيفة "لقد وجد ضياع الطريق تعبيره أيضاً في استمرار الحرب التي منذ استئنافها موجهة عملياً ضد عموم سكان غزة، لقد أصبحت إسرائيل دولة لا تعرف كيف تميز بين المقاتلين والمدنيين وبين الحرب وجريمة الحرب، وعندما تفقد دولة هذه البوصلة فإن الخطر المحدق بها من الداخل أخطر بقدر لا يقل عن الخطر المحدق بها من الخارج".
ولخصت الصحيفة الصورة الشاملة لخطورة الوضع الذي يشهده المجتمع الإسرائيلي بالقول إنه "يتمزق من الداخل، الحريديم يواصلون التملص من التجنيد، والمجتمع العربي متروك لجريمة معربدة وحرية تعبيره مقموعة، في وقت تُستقبل مظاهر الكراهية والعنصرية من جانب اليهود، بمن فيهم النواب والوزراء والشخصيات العامة والمغنون ورجال الإعلام بالصمت، وتغير الشرطة وجهها، وفقاً لروح الوزير المسؤول عنها (إيتمار بن غفير)، والاحتجاج ضد الحكومة يوجد تحت هجوم لم نرَ له مثيل من قبل".
وهذا الحديث جاء في وقت عكست مختلف استطلاعات الرأي حقيقة وضع المجتمع الإسرائيلي، ومجموعة جديدة أطلقت على نفسها اسم "المعسكر الإسرائيلي" وتعمل بالتنسيق مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" ألقت الضوء على تصور الوضع الإسرائيلي وصولاً إلى 100 عام على إقامة الدولة، وأشارت معطيات بعض هذا البحث بالتزامن مع احتفالات الذكرى الـ77 إلى أن معظم الإسرائيليين يعيشون قلقاً وخوفاً على مستقبل الدولة.
ووفق أورا بيلد نكاش، وهي إحدى السيدات المشاركات في تأسيس "المعسكر الإسرائيلي"، فإن "قسماً كبيراً من الإسرائيليين يخافون من استقطاب إسرائيل من الناحية الاجتماعية بحيث تفقد منظومة فاعلة للتصدي للفساد السلطوي وستكون أكثر محافظة مما هي اليوم".
وتضيف "نحن اليوم أمام مفترق طرق حرج، حيث لا تختبر فقط صورة الدولة عام 2048، بل أيضاً السؤال إذا كنا سنبقى دولة نريد أن نربي فيها أبناءنا وأحفادنا، فعندما يتخيل الإسرائيليون مستقبل الدولة تثور المخاوف، لكن الآمال أيضاً، الأمل في أن تتمكن إسرائيل من أن تعود لتكون دولة تقوم على أساس المساواة والحرية والتضامن والنزاهة والاحترام المتبادل، ومن بين الانكسار الزعامي الذي تعيشه إسرائيل تنشأ الفرصة لقراءة متجددة للواقع وبناء قواسم مشتركة جديدة بين جماعات مختلفة من الجمهور الإسرائيلي".
24 في المئة يفكرون بالهجرة
وإذا كان "المعسكر الإسرائيلي" الجديد يريد العمل ووضع مخططات لضمان الحفاظ على تماسك واستمرارية المجتمع الإسرائيلي، فإن معطيات نسبة الهجرة من إسرائيل لدى وزارة الهجرة والاستيعاب عن ارتفاع مستمر ومتواصل لهجرة الإسرائيليين ونقل المصالح والشركات الإسرائيلية إلى الخارج.
والمعطيات الرسمية التي نشرت عشية ذكرى 77 عاماً على إقامة إسرائيل تشير إلى أن عدد السكان وصل إلى 10 ملايين و94 ألفاً، عدد اليهود من بينهم نحو سبعة ملايين و732 ألفاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب دراسة جديدة أُجريت في المركز الأكاديمي "روبين" وعُرضت خلال مؤتمر مشترك لوزارة الهجرة والاستيعاب ومنظمة "بعتسمي" فإن 24 في المئة من الإسرائيليين اليهود (أي مليونين و396 ألفاً) فكروا في مغادرة البلاد خلال العام الماضي، بينما كانت النسبة 18 في المئة عام 2023.
وذكرت البروفيسورة كارين اميت أنه جرى فحص مدى انعكاس الوضع الأمني والاقتصادي على الرغبة في الهجرة وتبين أن 31 في المئة بسبب الوضع الأمني و28 في المئة بسبب الوضع الاقتصادي فيما 40 في المئة قالوا إنهم سيبقون لاعتبار إسرائيل الوطن القومي لليهود، مما يضع بحسب خبراء ومعدي البحث، المجتمع الإسرائيلي ومستقبل إسرائيل في خطر كبير أمام عدم وجود أفق قريب لإنهاء الحرب.
معطى آخر أقلق الإسرائيليين جاء في بحث نشرته شركة "هنلي أند بارتنرز" Henley & Partners حول عدد طلبات الهجرة التي قدمها الإسرائيليون وتشير المعطيات إلى قفزة بأكثر من 160 في المئة عام 2023 وزيادة أربعة في المئة السنة الثانية للحرب 2024.
وجاء في البحث أن نحو 20 ألف إسرائيلي يتوجهون إلى برامج هجرة، وكثيراً منهم ينتمون إلى قطاع التكنولوجيا، ويشير البحث إلى أن إسرائيل تحتل المرتبة الـ10 عالمياً من ناحية عدد طلبات الهجرة المقدمة إلى الشركة.
مفترق طرق خطر
وإزاء الوضعية الخطرة قدم سياسيون وأمنيون توصيات إلى الإسرائيليين وأيضاً إلى متخذي القرارات في كيفية التصرف لمنع حرب أهلية وتعميق الشرخ في المجتمع، بل الخوف من "انهيار إسرائيل".
ومن بين هذه التوصيات واحدة قدمها اللواء (احتياط) تمير هايمن الذي يشغل حالياً منصب رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الذي وضع تساؤلات عدة بداية مع الإشارة إلى أن إسرائيل تقف أمام مفترق طرق خطر فيه أربعة تساؤلات.
الأول هو هل نحن متجهون نحو احتلال متجدد لقطاع غزة وحكومة عسكرية إسرائيلية تسيطر عليه، وحملة مستمرة ضد العصابات المسلحة التي ستظهر في نهاية المطاف بعد انتهاء الاحتلال؟ أم أننا متجهون نحو اتفاق ينهي الحرب مقابل عودة جميع الرهائن، واستبدال نظام "حماس"، وإنشاء نظام أمني جديد وفاعل يحافظ على أمن سكان جنوب البلاد؟
والثاني هو هل نتجه إلى الحرب في سوريا وإنشاء منطقة أمنية جديدة في لبنان، والتعامل مع المنظمات الإرهابية الجديدة التي ستظهر على الجبهة الشمالية؟ أم نتجه إلى سلام مع لبنان وسوريا، في إطار الرقابة والضبط الدوليين اللذين يضمنان المصالح الأمنية لدولة إسرائيل؟
والسؤال الثالث هل نحن متجهون نحو شرق أوسط نووي حيث تمتلك إيران أسلحة نووية ويبدأ سباق تسلح نووي في المنطقة، وهي المنطقة الأكثر انفجاراً في العالم؟ أم أننا نتجه نحو اتفاق موثوق وعالي الجودة يلبي مصالح إسرائيل ويضمن أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية أبداً؟ وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في شأن القضية النووية الإيرانية ولجأنا إلى حملة عسكرية ضد المواقع النووية، فهل ستكون هذه الحملة تمثيلاً كاذباً لهجوم جزئي لن يزيل التهديد؟ أم أنها ستكون حملة فاعلة وواسعة النطاق وكفوءة يمكننا أن نأمل فيها؟
أما السؤال الرابع، فهل سنستمر في إدارة الصراع على الساحة الفلسطينية إلى الأبد على أمل أن "يكون كل شيء على ما يرام"؟ أو بدلاً من ذلك، سوف ننظر إلى الواقع الديموغرافي بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن بأعيننا ونفهم أنه يجب اتخاذ قرارات سياسية وإقليمية ثقيلة وصعبة تضمن الحفاظ على هوية دولة إسرائيل الثمينة، كدولة يهودية وديمقراطية وليبرالية ومزدهرة، كجزء من عائلة الأمم؟
أمام هذه التساؤلات التي وضع متخذو القرار معظمها أمام ضبابية الموقف، دعا هايمن إلى إجراء فوري قبل فوات الأمان "علينا وبصورة فورية، القيام بكل ما يلزم لتصحيح الوضع وتعزيز واقع الرخاء والأمن المستقر وعدم التوقف عن العمل من أجل العودة السريعة لجميع المختطفين لحدود البلاد، الأحياء لإعادة تأهيلهم والأموات للدفن. قلوبنا دائماً، واليوم خصوصاً، مع عائلات الضحايا والآباء والأرامل، وكذلك الأصدقاء والأيتام، ومع كل مواطني إسرائيل".