ملخص
في هذا الفضاء المفتوح تصاغ الآراء وتناقش القضايا وتروى الحكايات، وتعبر الأسر عن همومها وتطلعاتها، ولطالما شكلت الديوانيات جسراً مباشراً بين الأسرة الحاكمة والمواطنين، حيث تطرح الأسئلة وتستمع الشكاوى بعيداً من الرسميات، مما عزز ثقة الشارع السياسي في هذا الفضاء التقليدي.
في الكويت، لا يُقاس النبض السياسي بعدد المقاعد تحت قبة البرلمان، ولا يُختزل الرأي العام في جدول جلسة مؤجلة. فحتى حين يُعلّق مجلس الأمة وتُجمَّد جلساته، تبقى السياسة حيّة، تتنفس بين زوايا البيوت وتحت أسقف الطين والخرسانة، حيث تستمر الحياة البرلمانية بشكل مختلف... وهي في الدواوين، وتعد الديوانية، أو "الديوان"، مجلساً تقليدياً في البيوت يُخصّص لاستقبال الضيوف، وتمثل رمزاً للضيافة والتقاليد الخليجية، حيث تُقدَّم القهوة، وتُدار النقاشات الاجتماعية.
برلمان غير منتخب يصنع الرأي العام
لم تعد الديوانية في الكويت مجرّد مجلس ضيافة، بل تحوّلت إلى فضاء مؤثر في صناعة الرأي العام ومناقشة القضايا السياسية، خصوصاً في فترات الانتخابات والأزمات الوطنية.تجاوزت دورها التقليدي لتغدو منبراً مفتوحاً يعبّر فيه الكويتيون، من مختلف الفئات، عن آرائهم وتوجهاتهم، من دون أن تخضع لسلطة الكتل أو قيود اللوائح، حاضرة في كل حي، ومتصلة بنبض الشارع. في هذا الفضاء المفتوح، تُصاغ الآراء وتُناقش القضايا وتُروى الحكايات، وتُعبّر الأسر عن همومها وتطلعاتها. لطالما شكّلت الديوانيات جسراً مباشراً بين الأسرة الحاكمة والمواطنين، حيث تُطرح الأسئلة، وتُستمع الشكاوى بعيداً عن الرسميات، مما عزز ثقة الشارع السياسي في هذا الفضاء التقليدي.
وليس غريباً أن تخرج من هذه المجالس شخصيات برزت لاحقاً في المشهد النيابي، جمعت التأييد وصاغت حملاتها من نقاشات الديوانيات. ما دفع مراقبين للتساؤل: هل باتت الديوانية تعوّض غياب المنصة البرلمانية بروحها العفوية ومكانتها التاريخية؟ وهل على السياسيين أن يصغوا جيداً لما يُقال على أطراف هذا "البرلمان الشعبي"؟
في حديث خاص لـ "اندبندنت عربية"، قدم مؤلف كتاب "الديوانية الكويتية"، خالد محمد المغامس، رؤيته حول تأثير الدواوين، مؤكداً أنها تجاوزت إطارها التقليدي كمجلس ضيافة، لتغدو مؤسسة اجتماعية غير رسمية تؤدي أدواراً سياسية وثقافية بارزة.
تحولات جذرية
وفي تلخيص لأبرز ما جاء في كتابه، أوضح المغامس أن الديوانية شهدت تحولات جذرية عبر الزمن، وأضاف أن بعض الشخصيات المؤثرة بدأت تستغل الديوانيات لعرض رؤاها السياسية والاجتماعية، وشيئاً فشيئاً نشأت ديوانيات تُعنى بالأدب والفكر والاقتصاد، لتصبح منبراً للحوار الثقافي وصقل الوعي.وأشار إلى أنه، في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، خرجت نقاشات الديوانيات من جدرانها، وأصبحت تُستخدم كأداة ضغط سياسي واجتماعي، بل مرآة تعكس نبض الشارع؛ لذلك بات السياسيون والنخب يسعون لحضورها وكسب دعم روّادها.
الدور السياسي
وفي معرض حديثه عن العوامل التي دفعت الديوانية للعب دور سياسي بارز، أشار المغامس إلى أن غياب المؤسسات الديمقراطية القوية في بعض المراحل، والطبيعة المفتوحة للديوانية، وظهور الحركات الوطنية، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ مكانتها كبديل شعبي غير رسمي عن البرلمان.وأضاف أن ارتفاع مستويات التعليم، والانفتاح الثقافي، والتغيرات الإقليمية والدولية، كلها أسهمت في تعزيز الوظيفة السياسية للديوانية، خصوصاً في اللحظات المفصلية، كما حدث خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990، حين تحولت بعض الديوانيات إلى مراكز للمقاومة المدنية ونقل الأخبار.كما سلط المؤلف الضوء على الدور الحيوي الذي أدّته الديوانيات في ملء الفراغ التشريعي والسياسي خلال فترات غياب مجلس الأمة، مؤكداً أنها كانت مساحة للنقاش الحر، ومنصة لتنظيم المعارضة السياسية، ووسيلة لنقل مطالب الشارع إلى السلطة، كما ساعدت في الحفاظ على نبض الحياة السياسية.
حين تحدّثت الديوانية باسم الشعب
وضرب مثالاً بما عُرف بـ"ديوانيات الإثنين" التي انطلقت عام 1989 بمشاركة نواب سابقين، وكانت من أبرز أشكال الضغط الشعبي التي أسهمت في عودة الحياة البرلمانية عام 1992. ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ومع تجميد الحياة البرلمانية ورفض السلطة استقبال العرائض الشعبية، عاشت الكويت واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية. واجه النواب تساؤلات ضاغطة من الشارع، بينما جوبهت مذكراتهم بالتجاهل.وسط هذا الانسداد السياسي والإعلامي، لم يجد النواب، سوى البحث عن أدوات جديدة تعيد صوت المواطنين إلى الواجهة، وتعيد بناء جسور التواصل.المسيرات كانت مرفوضة، والعريضة الحادة لا تمر، لكن الديوانية برزت كمخرج. في أحد اجتماعاتهم يوم ثلاثاء، طُرحت فكرة تحويل ديوانيات النواب إلى منابر مفتوحة للرأي العام، تُعقد مساء كل إثنين، وتُخصص لطرح القضايا السياسية بحرية، خارج مظلة قانون التجمعات.من هنا انطلقت "ديوانيات الإثنين"، ليس كفعالية اجتماعية، بل كخيار يعيد تشكيل الحراك الشعبي ضمن الإطار الدستوري.
كانت البداية في ديوان النائب جاسم القطامي بمنطقة الشامية، مساء الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 1989، بحضور أكثر من 700 شخص على رغم محدودية وسائل الاتصال آنذاك. وجاء الإعلان واضحاً: "سنواصل اللقاءات أسبوعياً، ملتزمين بالحوار العقلاني والنهج السلمي".في تلك الليلة، لم تُطرح مواقف سياسية فحسب، بل تأسست آلية جديدة للعمل الشعبي استثمرت في التراث السياسي والاجتماعي الكويتي، وحوّلت الديوانية إلى منصة للحوار والضغط الشعبي.وقد أسهم هذا الحراك المستمر والتفاف المواطنين حوله في إعادة الزخم إلى الحياة البرلمانية التي عادت فعلياً عام 1992، بعد ثلاث سنوات من التجميد.
امتداد الدواوين
يؤكد الباحث الكويتي سلطان الأصقه في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن "الديوانية" في المجتمع الكويتي ليست ظاهرة مستجدة، بل امتداد طبيعي للمجالس النجدية، بالنظر إلى الجذور النجدية لغالبية أبناء الكويت، بمن فيهم الأسرة الحاكمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف: "بعض الدواوين تُفتح يومياً لاستقبال الزوار، وتُشبه في نمطها المجالس النجدية، بينما تُعقد أخرى في يوم محدد من الأسبوع، ويعرف روادها موعدها الثابت". ويشير الأصقه إلى أن التأثير العميق للدواوين لا يُقاس بالمكاسب السياسية، بل بما تقدمه من محتوى معرفي وثقافي. ويقول: "الدواوين المؤثرة هي تلك التي تجمع المثقفين والأدباء والشعراء والمؤرخين، أما التي تُستغل لأهداف انتخابية، فغالباً ما تنتهي بزوال الحدث السياسي الذي ارتبطت به".
منبراً للنقاش لمن لا منبر له
يقول المحلل السياسي الكويتي عايد المناع إن "الديوانية لطالما كانت منبراً للنقاش في مختلف القضايا، بدءاً من المسائل القبلية والتهديدات الأمنية في مراحل تاريخية مبكرة، وصولاً إلى القضايا النقابية والعمالية، بل وحتى الملفات السياسية الكبرى كقضايا الانتخابات والمواقف العامة والاحتجاجات. وقد تحولت بعض الديوانيات إلى مجالس أسبوعية شبه منظمة تستضيف شخصيات سياسية وتنظيمية، وتناقش اتجاهات الشارع والرأي العام".
ويرى المناع أن الديوانية لعبت دوراً مفصلياً في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي، خصوصاً في ظل الحريات التي تميز بها المجتمع الكويتي مقارنة بنظرائه في دول الخليج، قائلاً: "منذ عام 1961، ومع انطلاق الحياة الدستورية وتأسيس مجلس الأمة، أصبحت الديوانية فضاءً موازياً للبرلمان، تؤثر في النقاشات العامة وتوجّه المزاج الشعبي، حتى إن كثيراً من اللقاءات الانتخابية وترتيباتها تُعقد داخل الديوانيات، لكونها تمثل ثقلاً اجتماعياً وانتخابياً بالغ الأهمية".
دراسة بحثية
في واحدة من أبرز الدراسات الأكاديمية التي تسلط الضوء على البنية السياسية والاجتماعية للمجتمع الكويتي، كشف الباحث يعقوب الكندري، في دراسة نشرها عبر وكالة الأنباء الكويتية (كونا) قبل أكثر من عقد، عن البعد السياسي العميق للديوانية الكويتية، باعتبارها حجر الزاوية في العملية الانتخابية، ومفتاحاً فعلياً لولوج المرشحين إلى مجلسَي الأمة والبلدي.
وتبرز الدراسة أن "الديوانية لم تعد مجرد ملتقى اجتماعي، بل تحوّلت إلى غرفة صناعة قرار شعبي، تؤثر بشكل مباشر في خيارات الناخبين، إذ أفاد نحو 41 في المئة من العينة التي شملها الاستطلاع أنهم يمنحون أصواتهم للمرشحين الذين يترددون على ديوانياتهم. هذا العامل، إلى جانب الانتماءات القَبَلية، يرسم ملامح الخريطة الانتخابية بشكل واضح".
أما على الصعيد الاجتماعي، فتوضح الدراسة أن "الديوانية تلعب دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي، إذ يرى 80 في المئة من المشاركين أن علاقاتهم داخل الديوانية أقوى وأعمق من علاقاتهم في أي فضاء اجتماعي آخر، ما يجعلها ركيزة أساسية في بناء الثقة والتأثير والتعبئة السياسية".ويوضح الباحث وأستاذ الأنثروبولوجيا والاجتماع ومدير مركز دراسات الخليج بجامعة الكويت، أن الديوانية الكويتية نشأت بوصفها امتداداً لمجالس شيوخ القبائل، وتطورت مع قيام الدولة على يد العتوب وآل صباح لتأخذ شكلها المدني المعروف اليوم.
ويؤكد الكندري أن خصوصية التجربة الكويتية تكمن في التوازن الذي نشأ بين السلطة السياسية ممثلة بآل صباح والسلطة الاقتصادية المتمثلة بكبار التجار، ما أفرز ديوانيات لكل طرف، وأسهم في ترسيخ مبدأ الشراكة المجتمعية غير الرسمية.ويضيف: "من يمتلك ديوانية مؤثرة، يمتلك مكانة سياسية واجتماعية"، مشيراً إلى أن الديوانية تجاوزت دور الضيافة لتصبح منصة للحوار وصياغة الرأي وتوجيه المزاج العام، ووسيلة مباشرة لنقل نبض الشارع إلى أصحاب القرار.
ويوضح أن ما يميّز الديوانية الكويتية هو تعدّد وظائفها وتنوّع أدوارها، فهي فضاء سياسي، ومنبر إعلامي، وحاضنة ثقافية وتربوية في آنٍ واحد، مشدداً على أن هذا الدور المركب لا تضاهيه أي مؤسسة اجتماعية أخرى في الخليج أو العالم العربي.