ملخص
في ضربة أخرى لطموحات حزب العمال برفع مستويات المعيشة، قال الصندوق إن الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وهو مؤشر أدق من النمو الكلي، سيكاد يظل راكداً هذا العام، ولن يسجل سوى ارتفاع طفيف عام 2026، مما يقوض تعهد كير ستارمر بتحقيق نمو حقيقي في مستويات المعيشة خلال هذه الدورة البرلمانية
خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، محذراً من أن وزيرة الخزانة رايتشل ريفز لا يمكنها تحميل المسؤولية الكاملة لحرب الرسوم الجمركية التي يشنها دونالد ترمب على التباطؤ الاقتصادي.
وقال الصندوق إن السياسات الحكومية في بريطانيا تغذي الضغوط التضخمية مما سيدفع بمعدل التضخم البريطاني ليكون الأعلى بين دول "مجموعة السبع"، متجاوزاً حتى الولايات المتحدة على رغم استمرار إدارة ترمب في فرض الرسوم التجارية.
وعلى رغم أن الصندوق خفض توقعاته للنمو في معظم الاقتصادات الكبرى خلال العامين المقبلين، فقد أشار إلى أن بريطانيا تواجه "مراجعات سلبية كبيرة"، إضافة إلى الولايات المتحدة، وأن التدهور لا يمكن تفسيره فقط بالحرب التجارية.
كما خفض صندوق النقد توقعاته للنمو العالمي للعامين المقبلين، محذراً من أن الحرب التجارية قد تكلف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 750 مليار جنيه إسترليني (تريليون دولار).
وبحسب التوقعات الجديدة فسينمو الاقتصاد البريطاني بـ 1.1 في المئة هذا العام و1.4 في المئة عام 2026، مقارنة بـ 1.6 في المئة و1.5 في المئة في التقديرات الصادرة قبل ثلاثة أشهر فقط.
وفي ضربة أخرى لطموحات حزب العمال برفع مستويات المعيشة، قال الصندوق إن الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وهو مؤشر أدق من النمو الكلي، سيكاد يظل راكداً هذا العام، ولن يسجل سوى ارتفاع طفيف عام 2026، مما يقوض تعهد كير ستارمر بتحقيق نمو حقيقي في مستويات المعيشة خلال هذه الدورة البرلمانية.
ضربة لوزيرة الخزانة
وأوضح الصندوق أن الأداء الضعيف للنمو في نهاية العام الماضي، والذي جاء بعد حزمة ضرائب بلغت 40 مليار جنيه إسترليني (53.4 مليار دولار) في موازنة ريفز، أسهم في قراره بخفض التوقعات، مضيفاً أن ارتفاع الأسعار نتيجة زيادات حادة في فواتير الطاقة والمياه والضرائب المحلية سيؤثر سلباً في إنفاق المستهلكين.
وعزا الصندوق مراجعة التوقعات إلى "تأثير إعلانات الرسوم الجمركية الأخيرة وارتفاع عوائد السندات الحكومية، وتراجع الاستهلاك الخاص وسط ارتفاع التضخم نتيجة الأسعار المنظمة وكُلف الطاقة".
وتشكل هذه التوقعات ضربة لمحاولات ريفز تحقيق التوازن في المالية العامة، إذ إن تباطؤ النمو وارتفاع كُلف الاقتراض قد يقوضان الهامش الضئيل الذي تعتمد عليه لتلبية قواعد الاقتراض، إذ إن أي تدهور طفيف قد يطيح بالاحتياطي البالغ 9.9 مليار جنيه إسترليني (13.2 مليار دولار).
وتتوجه وزيرة الخزانة البريطانية رايتشل ريفز هذا الأسبوع إلى واشنطن، وتعهدت بـ "الدفاع عن المصالح البريطانية" خلال سلسلة من الاجتماعات، أبرزها اجتماع مرتقب مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في محاولة لإحراز تقدم في صفقة تجارية محتملة بين البلدين.
وفي ردها على توقعات صندوق النقد الدولي، شددت ريفز على أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يُتوقع أن ينمو بوتيرة أسرع من فرنسا أو ألمانيا هذا العام، وقالت "يظهر التقرير بوضوح أن العالم قد تغير، ولهذا السبب سأكون في واشنطن هذا الأسبوع للدفاع عن المصالح البريطانية والدعوة إلى تجارة حرة وعادلة."
لكن تحليلاً آخر من صندوق النقد قد يثير قلق بنك إنجلترا(المركزي البريطاني)، إذ أشار إلى أن ارتفاع الأسعار خلال الأعوام الأخيرة أدى إلى تآكل ثقة الجمهور في قدرة البنك المركزي على السيطرة على التضخم، ويعتقد كثير من الأسر الآن أن قدرة بريطانيا على تحقيق هدفها التضخمي خلال خمسة أعوام أصبحت أقرب إلى دول ناشئة مثل البرازيل أو الهند، منها إلى اقتصادات متقدمة كأميركا أو ألمانيا.
ويتوقع صندوق النقد أن يبلغ متوسط التضخم في بريطانيا هذا العام 3.1 في المئة، وهو الأعلى بين دول "مجموعة السبع" وأعلى من الولايات المتحدة التي يتوقع أن تسجل ثلاثة في المئة، على رغم التحذيرات من أن الرسوم الجمركية الأميركية قد تؤدي إلى ارتفاع أكبر في الأسعار.
ومن المتوقع أن ينخفض معدل التضخم البريطاني إلى 2.2 في المئة بحلول عام 2026، وهو أقل من المعدل الأميركي المتوقع عند 2.5 في المئة، وقال صندوق النقد الدولي إن كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة "تبرزان من حيث اتجاه وحجم المراجعات في توقعات التضخم، مشيراً إلى أن الارتفاع يعود بشكل رئيس إلى "تغييرات سعرية منظمة لمرة واحدة" مثل ارتفاع فواتير الخدمات، فقد ارتفعت فواتير المياه في إنجلترا بـ وصلت إلى 47 في المئة هذا الشهر، مما جعل بعض الأسر تدفع ما يصل إلى 225 جنيهاً إسترلينياً (300.8 دولار) إضافياً سنوياً، كما ارتفع الحد الأقصى لفواتير الطاقة ستة في المئة ليصل إلى 1849 جنيهاً إسترلينياً (2471 دولار) سنوياً للأسرة المتوسطة، إضافة إلى زيادة في ضرائب المجالس المحلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتزامنت هذه العوامل مع زيادات كبيرة في الحد الأدنى للأجور ومساهمات التأمين الوطني من أرباب العمل، مما دفع صندوق النقد لتوقع أن يتجاوز معدل التضخم البريطاني ثلاثة في المئة خلال أبريل (نيسان) الجاري، ارتفاعاً من 2.6 في المئة خلال مارس (آذار) الماضي، وفي الوقت ذاته خفض الصندوق توقعاته للنمو في الولايات المتحدة والعالم، محذراً من أن الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب ضمن ما يُعرف بـ "يوم التحرير الاقتصادي" ستلحق ضرراً طويل الأمد بالاقتصاد العالمي.
وقال الصندوق في أحدث تقرير لآفاق الاقتصاد العالمي إن "للرسوم الجمركية تأثيراً كبيراً في النشاط العالمي"، مقدراً أن "الضربة السلبية للنشاط قد تتراوح بين 0.4 و واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2027"، أي ما يعادل أكثر من تريليون دولار نقداً.
صندوق النقد مزق توقعاته بعد رسوم ترمب الجمركية
وبات من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بـ 2.8 في المئة هذا العام وثلاثة في المئة عام 2026، انخفاضاً من توقعات سابقة في يناير (كانون الثاني) الماضي عند 3.3 في المئة لكلا العامين، أما الاقتصاد الأميركي فيتوقع له أن يتوسع بـ 1.8 في المئة عام 2025، وهو معدل أسرع من معظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى لكنه أقل بكثير من توقعات سابقة عند 2.7 في المئة، وحذر كبير اقتصاديي الصندوق، بيير أوليفييه غورينشاس، من أن النمو العالمي قد يتعرض لضربة إضافية إذا تصاعدت التوترات التجارية، قائلاً إن "الأخطار لا تزال مائلة بقوة نحو الاتجاه السلبي".
وأضاف التقرير أن "الأخطار السلبية المتزايدة تهيمن على التوقعات، فتصعيد الحرب التجارية وارتفاع عدم اليقين في شأن السياسات التجارية قد يؤديان إلى تقليص النمو على المدى القريب والبعيد".
وحتى في حال حدوث تراجع كبير في الرسوم الأميركية، فقد شدد صندوق النقد على أن ذلك سيكون غير كاف لإنقاذ النمو العالمي، وقال غورينشاس إن الصندوق اضطر إلى تمزيق توقعاته السابقة بعد إعلان ترمب حزمة الرسوم العالمية في الثاني من أبريل الجاري.
وبينما تستند التوقعات الأساس لصندوق النقد الدولي إلى رسوم جمركية تصل إلى 50 في المئة على الشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة، فقد حذر من أن تمديد فترة الإعفاء الموقت من الرسوم (90 يوماً) لبعض الدول مثل فيتنام وإسرائيل لن يُحدث فارقاً يذكر في التوقعات الاقتصادية، إذا ظلت الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين أعلى من 100 في المئة، موضحاً أن "المكاسب الناتجة من انخفاض معدلات الرسوم الفعلية لتلك الدول التي كانت تخضع سابقاً لرسوم أعلى ستقابل الآن بنتائج نمو أضعف في كل من الصين والولايات المتحدة بسبب تصاعد معدلات الرسوم، وستتسع الخسائر في الصين والولايات المتحدة بحلول عام 2026 وما بعده، بينما تتلاشى المكاسب في مناطق أخرى"، مما يؤدي إلى نمو عالمي يبلغ 2.8 في المئة عام 2025 و2.9 في المئة عام 2026.
وعلى رغم أن مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا أكدت أن العالم سيتجنب الركود هذا العام، فإن الصندوق حذر من إشارات إنذار باكرة تتمثل في انخفاض أسعار السلع الأساس مثل النحاس والنفط، مضيفاً أن خطر حدوث ركود في الولايات المتحدة بات الآن بواقع واحد من كل ثلاثة، ارتفاعاً من واحد من كل أربعة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأن خطر تجاوز معدل التضخم الأميركي العام عتبة 3.5 في المئة عام 2025 ارتفع إلى أكثر من 30 في المئة مقارنة بـ 13 في المئة خلال أكتوبر الماضي.
وفيما تواصل الأسواق المالية تقلبها جراء تصريحات ترمب، قال صندوق النقد إنها قد تؤدي في النهاية إلى أزمة مالية، وجاء في التقرير أن "السياسات المتباينة والمتغيرة بسرعة، أو تدهور المعنويات، قد تؤدي إلى إعادة تسعير أوسع للأصول بما يتجاوز ما حدث بعد إعلان الرسوم الجمركية الأميركية في الثاني من أبريل الجاري"، مضيفاً أنه
"قد ينجم عن ذلك اضطراب مالي أوسع بما في ذلك إلحاق ضرر بالنظام النقدي الدولي".
كما حذر الصندوق من أن ضعف آفاق النمو حول العالم قد يشعل احتجاجات اجتماعية في ظل عجز الحكومات المثقلة بالديون عن مواجهة الأزمات المقبلة، ودعا صناع السياسات إلى مواجهة خطر ما وصفه بـ "النمو المتوسط الدائم"، وختم بأن "الآثار المستمرة لأزمة كُلف المعيشة الأخيرة، إضافة إلى تآكل هامش التحرك السياسي وتراجع آفاق النمو على المدى المتوسط، يمكن أن تعيد إشعال الاضطرابات الاجتماعية".