ملخص
تتشكل اللجان والبعثات التابعة للأمم المتحدة عندما تثار ادعاءات حول انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني.
كلنا نعرف عن لجان وبعثات تقصي الحقائق في بلد ما. فبلادنا في المشرق العربي تعج بمثل هذه اللجان والبعثات التي تتشكل في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في مجلس الأمن أو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. فهناك لجان تقصٍ للحقائق في فلسطين منذ عام 1948 حتى اليوم، وعددها يزيد على الـ10، وهناك لجان تعمل في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين فيه، وبعد ما مر فيه العراق منذ ذلك الوقت، وهناك لجان شُكلت من أجل سوريا منذ بدء الحرب الأهلية فيها عام 2011 بعد استخدام الغازات السامة من قبل النظام، وغير ذلك من أعمال عدائية بين المتحاربين اضطرت الأمم المتحدة إلى إرسال بعثاتها للتحقق من الأمر.
وهناك لجان وبعثات للسودان في دارفور وداخل جنوب السودان وشماله، وأخرى بلبنان. إنها بعثات ولجان كثيرة توكل إليها مهام التحقق من شكاوى معينة يتقدم بها فريق ضد آخر، أو التحقق من أعمال تخل بالقوانين الإنسانية وحقوق الإنسان. ولكن كيف يجري تشكيل هذه اللجان داخل أروقة الأمم المتحدة؟ وكيف يجري اختيار أعضائها؟ وما العمل الذي تقوم به؟ وما حدود صلاحياتها؟
الخطوات الإجرائية لتشكيل اللجان والبعثات
تتشكل اللجان والبعثات عندما تُثار ادعاءات حول انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني. وتبدأ العملية عند ورود تقارير عن انتهاكات خطرة، سواء من دول أعضاء أو منظمات غير حكومية أو وسائل إعلام موثوقة. فيجري طرح الشكوى في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أو داخل مجلس الأمن، بحسب الحجم السياسي لهذه الانتهاكات والمصالح السياسية للدول الأعضاء في هذا المجلس للكشف عما يجري على الأرض، أو تناقش الشكوى في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيدور النقاش حول مدى جديتها والحاجة إلى تدخل أممي لوقف الخروق أو الجرائم المنصوص عليها في الشكوى.
حين يجري الاتفاق داخل مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو مجلس حقوق الإنسان على أن المخالفات أو الجرائم المعروضة تخالف القوانين الإنسانية بصورة جسيمة، ثم يُتفق على التحقيق، تُشكَّل لجنة أو بعثة لتقصي الحقائق والقيام بالتحقيق. ومن بعدها يصاغ قرار يحدد نطاق عمل اللجنة ومدتها وهيكليتها ثم عرضه للتصويت.
بعد التصويت ونجاحه، يجري اختيار الخبراء من قبل رئيس الهيئة المعنية بناءً على معايير مثل النزاهة والخبرة في القانون الدولي وحقوق الإنسان، ثم تُخصص الموارد المالية والتقنية التي تحتاج إليها اللجنة في عملها خلال الزيارات الميدانية. ومرحلة النزول إلى الميدان تعني بدء عمل اللجنة في جمع الأدلة ومقابلة الشهود وتحليل البيانات وتوثيق الانتهاكات، وبناء على ما تتمكن هذه اللجنة من جمعه من معلومات تقوم بإعداد تقرير لتقدمه إلى الجهة التي شكلتها، سواء كانت مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو لجنة حقوق الإنسان، وهي من أكبر لجان الأمم المتحدة وأكثرها عملاً وفعالية وموازنة. ويجري بعدها تحليل المعلومات وصياغة التوصيات، ثم مراجعة التقرير من قبل رئيس اللجنة ورؤسائه لضمان الدقة والموضوعية.
وعموماً، بعد تقديم التقرير تقوم الجهة التي شكلت اللجنة أو البعثة بمتابعة التوصيات وتنفيذها وضمان المساءلة من خلال المراقبة المستمرة. وهذا من حيث المبدأ، ولكن التدخلات السياسية والمصالح المختلفة للدول المتنازعة قد تعرقل تنفيذ هذه التوصيات في الغالب الأعم، فتبقى هذه التوصيات حبراً على ورق كما يحدث في معظم الحالات. ولو أن هناك حالات معينة كان لتوصيات اللجان والبعثات دور حقيقي في حل المشكلة القائمة.
وعادة يقوم مجلس حقوق الإنسان بتشكيل لجان التحقيق عبر تصويت الأعضاء، أما اللجان التي يشكلها مجلس الأمن فتمتلك سلطة أقوى، إذ يمكن إحالة التوصيات والقضايا التي تواجهها إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو قد يقوم المجلس بفرض عقوبات على الفئة أو الدولة التي تخالف القوانين الدولية. وبالطبع، هذا ما يحتاج إلى توافق بين الدول الأعضاء في المجلس حول هذا الأمر، وعلى ألا تستخدم أي من دول المجلس الخمس دائمة العضوية حق الفيتو لإيقاف المحاسبة أو فرض العقوبات على جهة معينة في النزاع موضوع التقصي أو التحقيق. وفي حال استخدام الفيتو تتحول القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي قد تضطر للتدخل حين يقع الانسداد السياسي في مجلس الأمن بسبب الفيتو.
اللجان وآليات العمل
لو افترضنا أن أمر تشكيل لجنة وبعثة التحقيق أو تقصي الحقائق سار على خير ما يرام في أروقة الأمم المتحدة، فتبدأ بالقيام بعملها الذي يتركز على السعي إلى كشف الحقيقة وتوثيق المجازر الجماعية وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولهذا، يبدأ عمل هذه اللجان في جمع الأدلة والشهادات عبر مقابلات الشهود وتحليل الوثائق والصور والأدلة الرقمية من أجل إعداد تقرير مفصل يحدد الانتهاكات والمسؤولين عنها، ويوصي بالإجراءات اللازمة. وعادة ما يوصي التقرير بإحالة المسؤولين إلى العدالة من خلال المحكمة الجنائية الدولية أو عبر الضغط السياسي والدبلوماسي وفرض العقوبات والملاحقة القانونية أمام المحاكم الوطنية، في حال تعذرت الملاحقة أمام المحاكم الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقوة تأثير تقارير اللجان تعتمد على الجهة التي أنشأتها، فإذا كانت اللجنة مشكلة في مجلس الأمن يمكنها أن تتمتع بسلطات أكبر، مثل التوصية بفرض عقوبات دولية أو محاكمات جنائية. أما تقارير مجلس حقوق الإنسان، فتستخدم عادة للضغط السياسي، وقد تؤثر في القرارات الأممية خلال فترات لاحقة بحسب التبدلات السياسية حول القضية التي تُتناول. وهذا كله في حال لم تعان اللجان من قيود رفض الدول المعنية التعاون معها أو صعوبة الوصول إلى مواقع الأحداث، مما يحد من فعاليتها.
نماذج عملية من البعثات العاملة
خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أنشأ مجلس حقوق الإنسان بعثة مستقلة للتحقيق في الانتهاكات الجارية داخل السودان. وعين القاضي التنزاني محمد شاندي عثمان رئيساً لها، وبدأت البعثة عملها بجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات.
وهناك بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في نزاع غزة، التي شُكلت عام 2009 للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان خلال النزاع داخل غزة بين ديسمبر (كانون الأول) 2008 ويناير (كانون الثاني) 2009. وأصدرت البعثة برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون تقريراً يعرف بـ"تقرير غولدستون"، وثق انتهاكات القوات الإسرائيلية والجماعات الفلسطينية المسلحة ودعا إلى محاسبة المسؤولين. وأثار هذا التقرير جدلاً واسعاً، إذ رفضته إسرائيل وعدَّته متحيزاً، بينما رحبت به جهات أخرى كخطوة نحو المساءلة.
وخلال عام 2021، شُكلت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وإسرائيل، وذلك بعد تصاعد العنف خلال مايو (أيار) 2021، فقرر مجلس حقوق الإنسان إنشاء لجنة دائمة للتحقيق في جميع الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل. وقدمت اللجنة برئاسة نافي بيلاي تقريرها الأول خلال يونيو (حزيران) 2022، مشيرة إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتمييز ضد الفلسطينيين هما السببان الرئيسان للتوتر وعدم الاستقرار. وأكدت أن جميع الدول والمنظمات الدولية ملزمة بإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية، داعية إلى إنهاء الاحتلال كخطوة أساس لتحقيق السلام، مؤكدة مسؤولية المجتمع الدولي في هذا الصدد.
وكي لا نعدد بالتفاصيل جميع اللجان المشكلة حول القضية الفلسطينية، سنقوم بتعدادها، ومنها لجنة التحقيق في ممارسات حقوق الإنسان داخل الأراضي المحتلة عام 1968، بعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. ولجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان داخل الأراضي العربية المحتلة عام 1975، للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان داخل الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
ومنذ إنشاء مجلس حقوق الإنسان عام 2006 وحتى عام 2018، دينت إسرائيل في 78 قراراً، وهو عدد يفوق مجموع الإدانات الموجهة لباقي دول العالم. وبحلول أبريل (نيسان) 2007 كان المجلس أصدر 11 قراراً يدين إسرائيل تحديداً، وخلال دورته الخاصة الثانية في أغسطس (آب) 2006، أنشأ المجلس لجنة للتحقيق في ادعاءات استهداف إسرائيل للمدنيين اللبنانيين، لكن القرار لم يتناول هجمات "حزب الله" ضد المدنيين الإسرائيليين، مما أثار انتقادات حول حيادية المجلس.
ومن اللجان المعروفة أيضاً لجنة التحقيق الدولية المستقلة في شأن سوريا، التي شُكلت عام 2011 ولا تزال قائمة حتى الآن للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة داخل سوريا منذ مارس (آذار) 2011. وقدمت اللجنة عدداً من التقارير التي توثق انتهاكات جسيمة من قبل جميع أطراف النزاع، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وعلى سبيل المثال، في تقريرها الصادر خلال مارس 2024، دعت اللجنة إلى وقف فوري لإطلاق النار في سوريا بسبب التصعيد الكبير في الأعمال العدائية، وعلى رغم توثيق اللجنة للانتهاكات ودعواتها المتكررة للمساءلة، فإن تنفيذ توصياتها كان محدوداً بسبب التعقيدات السياسية وعدم تعاون بعض الأطراف.