العراق ينفذ من حالة الاختناق

سياسة الاحتواء الكلي من إيران للقوى العراقية جعلت البلاد حديقة خلفية لسياستها... وتسببت في إفقارها عبر فرض العسكرة وتوجيه الاقتصاد

متظاهرون مناهضون للحكومة العراقية يشعلون النيران ويغلقون أحد الشوارع خلال مظاهرة في بغداد (أ.ب.)

مراحل حرجة قد تصلها الشعوب هي أبعد وأقسى من مرحلة الديكتاتورية السوداء، حيث تؤول مجمل الأمور إلى الاختناق السياسي الذي يشي بأن المجتمعات وصلت إلى حالة من اليأس، وهذا حال العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الآن.

سبب كل ذلك الفساد الممنهج، الذي عُوّمت فيه الدولة ومؤسساتها ووجودها لصالح كيان سياسي لصيق يتمثل بإيران، التي وجدت في العراق العام 2003 دولة مُخرَّبة ومُنتهَبة مزّقتها ظروف الحرب وكسرت بناءها ومرتكزاتها الأساسية وأحالتها على التقاعد في مجمل مفاصلها، وسعت في اللحظات الحرجة إلى تبني وإشاعة عملية سياسية عرجاء دامت سبع سنوات من بقاء السيطرة الأجنبية التي أمّنت بناء الدولة الجديدة، علهّا تتمكن من توظيف هذا الجسد المثخن بالجراح، لكنها عجزت وانسحبت حينها واكتفت بتوقيع اتفاق يتنازل بموجبه النظام الجديد عن حقوق أبنائه، في سابقة تأريخية فريدة، وقد ساومت فيه إيران ودخلت في مفاصله جميعاً بدعوى ضرورات ملء الفراغ الأمني، ليعيش المجتمع العراقي الجديد مكابدات من طراز فريد لم تمر به دول المنطقة.

تبددت خلال هذه الفترة آمال الناس كما ضاعت ثروات البلاد عبر الشراكة مع الأطراف المهيمنة على العراق المتمثلة بالسلطة وتشكيلاتها، والشركات النفطية التي أخذت حصتها بجولة التراخيص، وإيران التي أدخلت فيالق النخبة في العراق ومدّت أذرعها لسحب ثرواته بتأييد زعامات كانت لاجئة عندهم، بشراكة تمثيلية من المكونات التي تتمثل بشخصيات لا يهمها سوى الاستحواذ على المنافع، أوصلت البلد ليصنف في مقدمة الدول الفاسدة، على حد وصف منظمات الشفافية.

هذا الوضع جعل سريان المال والعقود لمشاريع، جلها وهمية لم تنفّذ قط، يُنفق عليها ملايين الدولارات من الميزانية العامة. وتكشف وثائق النزاهة البرلمانية والحكومية آلافاً من ملفات الفساد المقدمة لها دون حلول.

الطرف الإيراني الحليف للنظام الشيعي الحاكم تخطى في أحلامه المساندة السياسية إلى مرحلة الشراكة والاستحواذ على حصة الأسد من عقود الطاقة والتجارة البينية والعمليات المصرفية، فقد تمكّنت إيران بسياسة الاحتواء الكلي للقوى العراقية من أن تجعل العراق حديقة خلفية لسياستها، وأن تتسبب بإفقار العراق عبر فرض سياسة العسكرة وتوجيه الاقتصاد لمصلحتها كدولة تعاني من العقوبات الغربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن جانب آخر، كان عليها أن تؤمّن شركاء جدداً، هم في الحقيقة منفّذون لإرادتها، ممن ظنوا أن المجتمع في سبات طويل لن يصحو منه إلا بعد انتهاء عصر النفط، وبذلك يكونوا قد عملوا ثروات مليارية معتمدين خطاباً طائفياً مكشوفا يبثون من خلاله آمالا لأتباعهم لكسب الأفئدة والعقول معاً.

أمام هذا الحال، فإن قوى المجتمع العراقي الفاعلة من الأغلبية التي لم تكن صامتة يوماً، تخطّت السكتة الدماغية التي تسببتها الصدمة والترويع من هول ماكينته العملاقة، والأساليب والشعارات غير المقنعة لعامة الناس ونخبهم. فقد شعرت بزيف استخدام الورقة الطائفية والعرقية التي يُصعَّد استخدامها إبّان فترات الانتخابات، بعد كل أربع سنوات في دورات مكررة.

الأساليب الترويجية لكسب الناخبين، وحرق الصناديق لقطع الطريق على المعترضين، مع تدني قدرة النظام السياسي الجديد على احتواء التناقضات السياسية والاجتماعية بتحويلها إلى توافقات، أضافت عبئا على استمراره، رافقه اتّساع الفساد المالي والإداري باعتماد أسلوب التعيينات العشوائية مقابل كسب الأصوات في الانتخابات.

أمام هذا الوضع المعقد وشراهة الساسة الذين كانوا يراهنون عبثاً على استمرار واقع الحال، مستشهدين بالقمع الذي كان سائدا إبان النظام السابق، وكيف استمر لربع قرن من الزمن، وقيامهم برفع رواتب الموظفين أضعاف ما كان يتقاضونه أيام صدام، مع اعتقاد بأن الحكم يمثل الأغلبية الطائفية الشيعية التي ليس من مصلحتها التغيير والانتفاض كما كانوا يتخيلون.

حتى وجدوا أنفسهم وهم يصحون صباحاً في وقت كانت فيه حكومة عادل عبد المهدي تهم بمناقشة مذكرات التفاهم التي وقّعتها مع الصين دون أن يعلموا تراكم الحشود إلى ساحة التحرير.

وهم يسمعون هتاف الحناجر الغاضبة تهدر و تطالب بتحسين ظروف المعيشة وحل أزمة البطالة وسوء الخدمات وانعدامها ومعالجة الواقع الصحي، التي تبدو مطالب مشروعة، لكن قسوة رد فعل السلطة وقمعها للناس بالرصاص الحي الذي تسبب بمقتل العشرات وآلاف الجرحى رفع مستوى المطالبات إلى تغيير بنية العملية السياسية برمتها، ورفض نظام الحكم وإلغاء العملية السياسية.

لم يفهم الشاغلون الجدد لقصور صدام من أعضاء الدولة الجديدة، أن تلك القصور لعنة أبدية لأنها خارج منظومة حاجات الجياع والمحرومين في المدن العشوائية التي باتت تلفّ مدن وأقضية المحافظات، وليس في أطراف بغداد، لأكثر من ثلاثة ملايين من سكانها المعدمين، يديم وجودها ملايين العاطلين عن العمل بعد إقفال أكثر من 13 ألف مصنع ومعمل حكومي كان مخصصا للصناعة الحربية، وتفكيكه كـ"خردة" دون حتى التفكير بتحويله إلى الصناعة المدنية لاستيعاب الأيدي العاملة المليونية، إضافة إلى ضرب الصناعة في القطاع الخاص التي تركت دون حماية وطنية من الاستيرادات الرخيصة وفتح السوق الاستهلاكية على مصراعيه، إضافة إلى عدم الاكتراث لحماية المنتج الوطني، وفتح مزاد بيع العملة الذي حرم الاقتصاد العراقي من العملة الصعبة وجعلها بيد مصارف، جلّها تحت الإدارة الإيرانية المباشرة وغير المباشرة. 

حتى أدركت أجيال من الشباب العراقي أنها لن تتمكن من مواصلة الحياة الكريمة ولا تثق بعد بوعود السلطة ولا بقدرتها على توفير لقمة العيش، أمام ثراء فاحش للطبقات المنتفعة المحمية سياسيا، والملتصقة بالأحزاب الحاكمة التي سدّت مجريات العيش الكريم للفئات التي دون خط الفقر.

الانفجار المجتمعي لم يأتِ من عوامل خارجية، بل من مثيرات داخلية، تؤطر بمجتمع الحرمان والعوز والتطلع إلى رفع الدخول في ظل بطالة ملايين الشباب. إنها حركة محرومين تفتح كوة الأمل للتغيير ورفع الاختناق عن كاهل أجيال لا تقبل بعد أن يصادر حضورها الوطني والإنساني وتضحيات أسرها، وهي تقف كل يوم أمام لافتات الضحايا الذين يسقطون في معارك جلها خاسرة.

إن الحشود الشبابية التي تواجه الرصاص بصدور عارية اليوم تواجه غطرسة السلطة الفارغة والمرتهنة لعوامل خارجية ظنت أن الداخل تحت سيطرة الولاء الطائفي المطلق، وتحت تأثير الجهل المقدس الذي لم يراعِ حاجات المجتمع الحقيقية وتعالت على صبر الناس وتطلعهم لحياة كريمة. 

المزيد من تحلیل