ملخص
يواجه الاقتصاد الروسي ضغوطاً متزايدة بسبب التضخم المرتفع وانخفاض قيمة الروبل والإنفاق العسكري الضخم، وبينما لم تكن العقوبات الأوروبية فعالة بالكامل فإن الهجمات الأوكرانية على المنشآت النفطية الروسية ألحقت ضرراً كبيراً باقتصاد الحرب.
هل الاقتصاد الروسي على شفير الانهيار؟ بينما يفتتح مفاوضو دونالد ترمب محادثات مباشرة مع الكرملين، يأمل حلفاء كييف الأوروبيون في أن تكون الدفعة الأخيرة من العقوبات المفروضة على روسيا أمل أوكرانيا الأخير والأفضل في النصر، ذلك أن أوكرانيا تكاد تخسر إلى الأبد كل الأراضي التي تسيطر عليها روسيا حالياً.
قبل ما يقارب ثلاثة أعوام من يومنا هذا، نوى بوتين أن يكون غزوه الشامل لأوكرانيا بمثابة عملية تمتد لثلاثة أيام وتفرض تغيير النظام في كييف، ولم يتوقع ولا مخططوه العسكريون أو الاقتصاديون حرباً طاحنة باتت تستهلك أكثر من 40 في المئة من نفقات الكرملين.
كذلك لم يتوقعوا أن تفرض أوروبا عقوبات جدية، أو حتى تدمير ثلاثة من خطوط أنابيب الغاز الأربعة التابعة لشركة "غازبروم" في قعر بحر البلطيق التي كانت تزود أوروبا قبل الحرب بأكثر من 30 في المئة من غازها.
وبالنتيجة شهدت روسيا معدلات تضخم حادة وصلت حالياً لأكثر من تسعة في المئة، وأسعاراً للفائدة معرقلة للدورة الاقتصادية في حدود الـ 21 في المئة، وزيادات جامحة في أسعار المنتجات الأساس تتجاوز بكثير معدل التضخم الرئيس وتضر الروس بشدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الصيف الماضي قفز سعر البيض 42 في المئة، والموز 48 في المئة، والطماطم 39.5 في المئة، والبطاطس 25 في المئة، وفقد الروبل الروسي أكثر من نصف قيمته منذ غزو بوتين شبه جزيرة القرم للمرة الأولى عام 2014، وجرى تجميد أكثر من 600 مليار دولار من احتياطات الكرملين من العملات الأجنبية في المصارف الغربية، وانسحبت أكثر من 1000 شركة غربية، بما في ذلك "إيكيا" و"ماكدونالدز"، وكذلك شركات تصنيع السيارات الغربية، ويجري الآن توجيه واردات المنتجات الغربية، ولا سيما التكنولوجية، في صورة مكلفة عبر بلدان مجاورة تنتهك العقوبات مثل كازاخستان وجورجيا، والشهر الماضي رفعت شركات المرافق الروسية أسعار الكهرباء بنسبة تصل إلى 250 في المئة.
تقول ألكسندرا (39 سنة) وهي صحافية سابقة تعيش في موسكو في حين يقاتل زوجها السابق في أوكرانيا، إن "الجميع يقودون سيارات صينية هذه الأيام، لكن قطع الغيار غير متوافرة، والسيارات الأجنبية الوحيدة التي يستطيع المرء شراءها هي السيارات [اليابانية] ذات المقاود اليمنى، وأي شخص لديه قرض عقاري يدفع فائدة مجنونة، والناس يشتكون من كلفة كل شيء".
النيران الأوكرانية تلحق باقتصاد الحرب الروسي أضراراً فشلت العقوبات الأوروبية في تحقيقها
أنفقت روسيا على جيشها عام 2024 أكثر من مجموع إنفاق الدول الأوروبية الأخرى مجتمعة، وفق أحدث تقارير التوازن العسكري الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية International Institute for Strategic Studies، وهو مبلغ مذهل يبلغ 462 مليار دولار إذا جرى تعديله بحسب القوة الشرائية.
طفرة إنفاق الكرملين على المجهود الحربي هذه أسهمت في ولادة فئة رابحة، ولا سيما منهم الـ 1.5 مليون جندي الذين يخدمون حالياً في جيش بوتين، ويتقاضى كل منهم للقتال ما يصل إلى 2500 دولار شهرياً ليشاركوا في القتال، أي أربعة أضعاف متوسط الراتب في أكثر المقاطعات فقراً داخل روسيا.
كذلك أدت الخسائر الفادحة التي تشهدها ساحة المعركة إلى تفاقم نقص العمالة، في حين انخفض معدل البطالة إلى مستوى قياسي يبلغ 2.4 في المئة، وتعمل المصانع بأقصى طاقتها الإنتاجية وأكثر، وحذرت محافظة المصرف المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا البرلمان الروسي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من أن الاقتصاد الروسي "وصل إلى حدود قدرته الإنتاجية بينما يستمر تحفيز الطلب"، وتوقعت مزيجاً قاتلاً من الركود الاقتصادي والتضخم معروف باسم "الركود التضخمي".
خلال الأعوام الثلاثة الأولى من الحرب غذى إنفاق الكرملين على الحرب نمو الناتج المحلي الإجمالي حتى بلغ ذروة عند 5.4 في المئة أوائل عام 2024، لكن عام 2025 سيكون العام الذي يتوقف فيه الاقتصاد عن النمو، بحسب توقعات خبراء.
وتمكن الكرملين من تحمل الطفرة في إنفاقه بفضل الهند والصين في المقام الأول، فالدولتان واصلتا استيراد النفط الروسي بكميات قياسية، وكان الاتحاد الأوروبي نظرياً وضع سقفاً للسعر الذي يمكن للعملاء دفعه في مقابل خام الأورال الروسي عند 60 دولاراً للبرميل، وهو سعر يقل إلى حد ما عن سعر السوق الحالي البالغ 67 دولاراً، لكن ما يُسمى بـ "الاحتيال في الإثبات"، مثل تعويض الفارق عبر إدراج كُلف النقل وكُلف أخرى مزيفة، يجعل من السهل الالتفاف على القواعد.
لم يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الغاز الطبيعي على الإطلاق، وحتى الأول من يناير (كانون الثاني) من هذا العام كان 13 في المئة من الغاز الأوروبي المنقول بالأنابيب لا يزال يُشحن من روسيا عبر خطوط الأنابيب الأوكرانية إلى سلوفاكيا وهنغاريا، ويواصل جنوب أوروبا استيراد ملايين الأمتار المكعبة من الغاز الروسي عبر تركيا.
وعلى رغم موقف أوروبا لا تزال القارة تحصل على أكثر من 15 في المئة من غازها الطبيعي المسال من روسيا مع تفريغ حوالى 17.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في الموانئ الأوروبية عام 2024، بزيادة أكثر من مليوني طن عن العام السابق، وفق مؤسسة "ريستاد للطاقة" Rystad Energy المتخصصة في التحليلات.
وفي الواقع فإن العقوبات الفعالة الوحيدة على قطاع الطاقة الروسي الذي يشكل أكثر من ثلثي إيرادات الحكومة جاءت على شكل هجمات أوكرانية بالطائرات المسيرة على مصافي النفط ومحطات الضخ ومنشآت التخزين الروسية، فالنيران الأوكرانية تسبب حالياً ضرراً لاقتصاد الحرب الروسي أكثر مما تمكنت "العقوبات" الأوروبية من تحقيقه.
ويجعل الضغط الدولي من الصعب، ولكن ليس من المستحيل، حصول آلة الحرب الروسية على مكونات مهمة مثل أشباه الموصلات، ومن المؤكد أن العقوبات "حققت الهدف المهم المتمثل في إبقاء الاقتصاد الروسي غير مستقر إلى حد كبير في الأجل المتوسط إلى الأجل البعيد"، وفقاً لأوليفر روث، عضو المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن.
وتُعد مستويات الإنفاق المجنونة الحالية غير مستدامة، ولذلك يملك بوتين حافزاً اقتصادياً قوياً لإنهاء حربه، وفي الناحية الأخرى فإن الاقتصاد الأوكراني أيضاً يتعرض للضغط الشديد.
وحتى مع انزلاق الاقتصاد الروسي إلى ركود تضخمي يُعد أداء الاقتصاد الأوكراني أسوأ بكثير، فقد تتسبب الهجمات الروسية المتضافرة والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية الحيوية للطاقة والهجرة الجماعية في أضرار كارثية تصل إلى 40 في المئة من ناتج البلاد المحلي الإجمالي قبل الحرب، ويسدد الاتحاد الأوروبي حالياً المدفوعات التي خصصتها كييف في موازنتها إلى ملايين الجنود والموظفين الحكوميين، وفي غياب هذه الإعانات التي مثلت نصيب الأسد من الدعم المالي المباشر الذي أرسلته بروكسل حتى الآن والبالغ 60 مليار يورو (62.7 مليار دولار) ستنهار مالية الحكومة الأوكرانية على الفور.
كان حلفاء أوكرانيا الأوروبيون يأملون في أن تجبر العقوبات بوتين على التراجع باكراً وتؤدي إلى انهيار اقتصاده ولكن لم يحدث هذا بعد، ويرجع ذلك إلى حد كبير لأن أوروبا لم تتمكن من التخلص من إدمانها الغاز الروسي، وأن الولايات المتحدة لم ترغب في المخاطرة بحصول قفزة في أسعار النفط العالمية إن هي حظرت الصادرات الروسية تماماً.
لكن في حين أن الطرفين لم يجبرا بوتين على الخضوع فقد جعلا الحرب كارثة على روسيا، ومع بدء موسكو وواشنطن محادثات في الرياض، وعقد القادة الأوروبيين اجتماعهم الطارئ، يبقى الحفاظ على الضغط الاقتصادي الممارس على بوتين السلاح الحقيقي الذي لا يزال الطرفان يمتلكانه في ترسانتهما.
© The Independent