ملخص
يستخدم التونسي بذيء الكلام أحياناً في ما يسميه التونسيون "الغشة"، أي دس البذاءة في جمل ذات معنى مجازي مبطن غير الظاهر، ويستغل بعض الباعة في الأسواق الأسبوعية هذا الأسلوب في التغني ببضاعتهم.
بين من يستخدمه للمزاح بين الخلان والأصدقاء، ومن يستعمله لإثبات ذاته وسط المجموعة، تتلون الكلمات البذيئة وتتخلل المنطوق اليومي عند غالب التونسيين من الأطفال والشباب والكهول وحتى المسنين.
والكلام البذيء، أو كما يسميه التونسيون "الكلام الزائد" لم يعد زائداً على الحاجة في بعض السياقات العنيفة، كالشجار بين شخصين أو أكثر، أو في حالات المزاح والفكاهة، أو في فورات الغضب، حينها يعبر التونسي عن سخطه وغضبه باستخدام الكلام البذيء من دون حدود، من خلال استدعاء معجم الأعضاء التناسلية للمرأة والرجل، ويمزجها بالسب والشتيمة، مستهدفاً الأم والأب والأخت.
وخطاب البذاءة ليس دخيلاً على المجتمع التونسي، بل هو ممارسة ضاربة في التاريخ، تعود لمئات السنين، وهناك من يرجعها إلى الحضارة القرطاجية، واستمرت إلى الحقب التاريخية التي عاشتها تونس إلى اليوم.
تاريخ البذاءة ومظاهرها
في حضارة قرطاج (القرن التاسع قبل الميلاد) تحدث القديس أوغسطينوس في اعترافاته، قائلاً "لا يمكن إجراء أية مقارنة مع الانحلال الأخلاقي المخجل والفظ لتلاميذ قرطاج، إنهم يرتكبون بحماقة صفيقة ألف وقاحة من المفروض أن يعاقب عليها القانون".
وتأكيداً أن السفاهة ضاربة في تاريخ المجتمع التونسي، ورد في نص للإمام أبو القاسم البرزلي، وهو فقيه حفصي، تذمره من "تفشي الكلام البذيء في زمانه، فأصبح يجد حرجاً كبيراً في مرافقة أحد أقربائه أو زوجته في الشارع في مدينة تونس".
وفي التاريخ المعاصر، وفي القرن الـ20 عنون بيرم التونسي مقالة له في جريدة "الزمان" يوم الـ14 من أغسطس (آب) 1934، "تونس مدينة الشتائم"، وقال "وتكاد تكون تونس الوحيدة في العالم التي لا يراعي أوباشها آداب السير والحديث، ولا أخص بذلك مسلميها، إذ انغمست كل ألسنة سكانها في البذاءة، وأصبحت كأنها من علامات الرجولة والفتوة".
وفي القرن الـ21 باتت البذاءة في تونس انفلاتاً لغوياً، خارجاً عن السيطرة، وتسللت إلى بعض المنابر الإعلامية في الإذاعات والتلفزيونات، مما استدعى تدخل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، بتسليط عقوبات أو إيقاف برامج بعد أن صدرت عبارات بذيئة عن ضيوف أو إعلاميين، كما أطلق عدد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي سيلاً من الكلام البذيء هذا العام، مما دفع بالقضاء إلى التدخل والزج بعدد منهم ومنهن في السجن قبل أن يتم إطلاق سراحهم.
ويستخدم التونسي بذيء الكلام أحياناً في ما يسميه التونسيون "الغشة"، أي دس البذاءة في جمل ذات معنى مجازي مبطن غير الظاهر، ويستغل بعض الباعة في الأسواق الأسبوعية هذا الأسلوب في التغني ببضاعتهم.
البذاءة والجغرافيا
سمير الفورتي، طالب جامعي (22 سنة)، يقول إن "الكلام البذيء بات جزءاً من الخطاب اليومي عند الإناث والذكور على حد سواء"، ومستدركاً أن "بعض العبارات التي نستعملها يومياً ممنوعة في جهات أخرى مثل الجنوب التونسي، لذلك تنزعج بعض الطالبات من سماعهن للمرة الأولى بعض العبارات".
ويضيف سمير "عندما أكون مع أفراد العائلة أتحسس لساني وعباراتي، قبل أن انطلق في الحديث حتى لا تدفعني الحماسة إلى التفوه بمفردة بذيئة على مرأى ومسمع من أفراد العائلة، ولا يخفي سمير امتعاضه من التجائه إلى استخدام ’لسانه‘ الثاني، أمام عائلته بينما ينفلت من عقاله أمام أصدقائه بالكلام البذيء الذي عادة ما يضفي بهرجاً خاصاً عند سرد نكتة أو حكاية" على حد تعبيره.
في المقابل، أكدت منى أنها "لا تستخدم العبارات البذيئة، بل تجد نفسها مضطرة إلى سماع بعض منها، عندما تكون مع صديقاتها في العمل، أو في المقهى"، مضيفة أن "عدداً من صديقاتها تتشدق بالكلام البذيء الذي نستسيغه في إطار أجواء الترفيه عن النفس".
وشددت على أنها "ترفض أن يتلفظ أبناؤها بالكلام البذيء إلا أن الشارع لا يرحم"، مشيرة إلى أن "غالب الشباب والأطفال في الشارع يتفوهون ببذيء الكلام من دون احترام للمارة من النساء أو الرجال".
يعد خطاب البذاءة من بين التعبيرات الشعبية التي ارتبطت بالمجتمع التونسي لمئات السنين، فما الجذور الثقافية والسوسيولوجية لهذه الظاهرة؟ وما أبرز مظاهرها؟ وهل فشلت سياسات الضبط الاجتماعي والقانوني في الحد منها؟
مجتمعات الاختلاط
لم يغير الاستعمار الفرنسي، ولا الثورة الاتصالية، من انتشار البذاءة والسفاهة في الخطاب اليومي عند التونسيين، بل تغيرت أشكاله، وغزا أحياناً وسائل الإعلام بالإيحاء والتلميح، ووسائل التواصل الاجتماعي بصورة مباشرة.
ويؤكد الأمين البوعزيزي، متخصص الإنثروبولوجيا الثقافية في الجامعة التونسية، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن "مجتمعات الاختلاط والمفتوحة على البحر هي التي ينتشر فيها أكثر من غيرها الكلام البذيء، وكلما اختلطت المجتمعات تقلصت الروابط الاجتماعية وضمر الضبط الاجتماعي"، لافتاً إلى أن "البذاءة متفشية في المدن أكثر منها في الأرياف لكثافة مرجعيات الضبط الأخلاقي عكس المدينة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويفضل البوعزيزي أن "يسود القانون في المجتمعات الحديثة، ويقع الفصل بين الفضاء العام والفضاء الحميمي الخاص بكل فرد الذي لا يتدخل فيه أحد، بينما الفضاء العام هو فضاء للتعايش المشترك، بما يعني ذلك من احترام الخصوصيات والهويات، ومنع التلوث السمعي والعنف اللفظي، من خلال صرامة القوانين، فمن حق أي مواطن في مجتمعات المواطنة ألا يسمع ما يلوث أذنه".
والمفارقة في سلوك التونسيين أن بعض المتلفظين بالبذاءة يجدون لذة في المجاهرة بها، من دون احترام للفضاء العام، ويرجع المختصون في علم الاجتماع ذلك إلى اختلاف البيئة التي نشأ فيها المتفوه بالكلام البذيء.
التنشئة الاجتماعية
ويؤكد متخصص علم الاجتماع السياسي في الجامعة التونسية بالعيد أولاد عبدالله أن "التنشئة الاجتماعية هي التي تفرض عبارات بذيئة أو إيحاءات جنسية ويتم تداولها في المحيط الأسري، ولا يمكن استخدامها في بيئة اجتماعية أخرى".
ويعول المختص في علم الاجتماع على "التوعية والتمكين الاجتماعي، أكثر من الضبط القانوني والردعي، لمقاومة ظاهرة تفشي الكلام البذيء في الشارع التونسي"، معتبراً أن "المجتمعات التي تعيش ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً وتعاني الإحباط وغياب آليات التعبير، تندفع إلى استخدام الكلام البذيء، كصورة من صور رد الفعل الساخط على الواقع".
الضبط القانوني
جرم المشرع التونسي منذ عهد الباي عام 1923 الاعتداء على الأخلاق الحميدة، بالقول أو بالفعل أو بالإشارة.
ويقول متخصص القانون عمار الدربالي إن "المشرع ألغى الأمر عام 2017، وتم إدراج جريمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة في المجلة الجزائية، وأصبحت العقوبة ستة أشهر بدلاً من ثلاثة أشهر".
وجاء في الفصل 226 مكرر من المجلة الجزائية "يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار (312 دولاراً) كل من يعتدي علناً على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول، أو يعمد علناً إلى مضايقة الغير بوجه يخل بالحياء".
ويضيف أستاذ القانون أنه على رغم "تجريم هذا الفعل فإن الظاهرة في تفاقم، لأن مفهوم الأخلاق الحميدة مفهوم واسع يخضع لاجتهاد القاضي، وتحتمل العقوبة التشديد والتخفيف في الوقت نفسه، لأن المفردات البذيئة تختلف من جهة إلى أخرى".
في المقابل يؤكد أستاذ الحضارة والعلوم الإسلامية لطفي عبيد أن "المسلم لا يجوز له أن يكون فاحش اللسان، لأن الفحش في القول وبذاءة اللسان حرمهما الله تعالى على عباده صوناً لهم وتقديراً لإنسانيتهم".
"ولا ينبغي للمسلم أن يأتي ما حرمه الله"، مؤكداً أن "الكلام البذيء ظاهرة اجتماعية خطرة انتشرت بين الناس، وتتطلب من الجميع دولة ومؤسسات وإعلاماً ومجتمعاً مدنياً أن يضع لها من البرامج ما يمكن من الحد من خطورتها على الأجيال القادمة".
من قرطاج القديمة، إلى تونس الحديثة، تعاقبت حقب تاريخية وحضارية متنوعة، ولم تغير في معجم وخريطة انتشار الكلام البذيء، كما لم تنجح أدوات الضبط القانوني في الحد من الظاهرة، واليوم أمام طفرة وسائل التواصل الاجتماعي وجدت البذاءة قنوات جديدة للانتشار.