ملخص
بعد الحرب العالمية أصبح الاقتراض بنداً أساساً في موازنات غالب الحكومات
زادت وتيرة تحذير المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والدراسات والأبحاث من أزمة ديون عالمية، وحديث بعض المتخصصين عن فقاعة مديونية يمكن أن تنفجر مسببة أزمة مالية كبرى. ومع أن الاقتراض والائتمان والديون عموماً مكون مهم وأساس في الاقتصاد الرأسمالي وغيره، إلا أنها أحياناً تتضخم بالقدر الذي يمكن أن يمثل مشكلة للنظام المالي.
قبل نحو قرن كانت الحكومات لا تقترض بكثافة إلا في الظروف الاستثنائية كحالات الحرب أو الكوارث وما شابه، لكن بعد الحرب العالمية أصبح الاقتراض بنداً أساساً في موازنات غالب الحكومات، خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة وتوجه العالم في غالبه نحو الاقتصاد الرأسمالي أو شبه الرأسمالي. وأدمنت الحكومات الاقتراض بإصدار السندات أو الاستدانة المباشرة من دول أو صناديق سواء لسد العجز في الموازنة أو لتغطية الإنفاق العام.
ولم يعد الأمر قاصراً على الدول والحكومات، بل أصبحت الشركات أيضاً تعتمد على الاقتراض سواء بإصدار الأسهم والسندات أو بالتمويل من صناديق الاستثمار الخاصة وغيرها، كذلك زاد حجم الائتمان للأفراد والأسر التي تقترض من البنوك أو عبر استخدام بطاقات الائتمان.
نستعرض فيما يلي 10 معلومات أساس عن مشكلة الديون ومتى تصبح أزمة، أو فقاعة قابلة للانفجار الذي يضر بالنظام المالي العالمي:
1 - ماذا تعني فقاعة الدين العالمي؟
غالباً ما يقصد بمصطلح "الفقاعة" الزيادة بمعدلات كبيرة في الدين العام، أي دين الحكومة، واستمرار الاقتراض بمعدلات عالية لسد عجز الموازنات، وتمويل خدمة الدين من دفع فوائد وأموال الدين المستحقة التي يحين أجلها عند نهاية مدة أذون الخزانة والسندات السيادية والقروض وغيرها من أدوات الدين. ويشير المصطلح إلى "وضع غليان" في سوق الديون غير قابل للاستمرار مع زيادة احتمال الانفجار، أي بداية تخلف الدول عن سداد ديونها العامة (إفلاس)، ما لم يخفض حجم الدين وتبعاته نتيجة نمو كبير في الناتج المحلي الإجمالي و/أو سياسات تقشف مالية مع إعادة هيكلة الديون.
2 - ما الفارق بين الدين وعجز الموازنة؟
عجز الموازنة لأي بلد هو الفارق بين موارده التي تدخل الخزانة العامة وإجمال الإنفاق الحكومي، أما الدين فهو اقتراض الحكومة من الأسواق المالية وغيرها لسد العجز وتمويل المشروعات العامة للدولة. وتستدين الحكومات عبر إصدار سندات سيادية مضمونة من الخزانة وأذون خزانة غالباً قصيرة المدة وبفائدة أعلى تساوي سعر الفائدة الرسمي في الدولة أو تزيد عليه، إضافة إلى قروض مباشرة من حكومات دول أخرى أو من مؤسسات دولية أو صناديق وشركات مالية كبرى.
3 - كيف وصل الدين العالمي إلى حافة الأزمة؟
يصبح حجم الدين العام قريباً من "الأزمة" مع زيادته المستمرة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي، بما يعني توقع ألا يتمكن التوسع في النشاط من زيادة حجم الاقتصاد لتقل نسبة الدين، إضافة إلى تدهور الثقة في الاقتصاد بما يعني صعوبة الاقتراض وارتفاع كلفته، مما يزيد الضغط على الموازنة العامة للدولة. وإذا كان حجم الدين في بعض الدول الكبرى يزيد على نسبة 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن تلك الدول تملك اقتصاداً قوياً مع توقعات بقدرتها على سداد ديونها، لكن المشكلة هي في زيادة عدد الدول الصاعدة والنامية التي تفاقمت مديونيتها.
4 - لماذا يمثل الدين العالمي مشكلة؟
المشكلة هي في تقديرات قدرة الدول المدينة على سداد ديونها في مواعيدها، إضافة إلى قدرتها على دفع الفوائد المستحقة على الديون في مواعيدها وتسديد أصل الدين وقت استحقاقه، ومع تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي منذ أزمة وباء كورونا عام 2020، وحتى قبلها، وارتفاع أسعار الفائدة في الأعوام الأخيرة بعدما ظلت قرب الصفر في العقد السابق كله، ترتفع احتمالات التخلف عن سداد الديون، كذلك فإن الدائنين الذين يتخلصون من السندات وأوراق الدين الأخرى المستحقة على الدول ذات الاقتصاد الضعيف تضطر إلى بيعها بأقل من قيمتها بكثير، ويؤدي ذلك إلى اضطراب أسواق الائتمان ومن ثم هز النظام المالي العالمي.
5 - ما حجم الدين العالمي؟
هناك تقديرات مختلفة لحجم الدين العالمي، وغالباً ما تعتمد تقديرات صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية (الذي يوصف بأنه البنك المركزي للبنوك المركزية حول العالم). بحسب آخر تقديرات يبلغ حجم الدين العالمي الإجمالي 320 تريليون دولار، يشمل الديون العامة (الحكومية) وديون الشركات والديون الشخصية، ويشكل الدين العام ما يصل إلى ثلث إجمالي الدين العالمي، وهو بذلك يقترب من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وذلك هو مصدر القلق الأساس من أزمة الدين وزيادة الحديث عن فقاعة ديون عالمية تهدد النظام المالي.
6 - أيهما أكبر، الديون الحكومية أم الخاصة؟
بحسب أحدث تقديرات المؤسسات الدولية يزيد الدين العام، الحكومي أو السيادي العالمي على 102 تريليون دولار، بينما الناتج المحلي الإجمالي العالمي لا يزيد على 110 تريليونات دولار، أما الديون الخاصة، أي ديون الأفراد والأسر مثل ما على بطاقات الائتمان أو قروض السيارات وغيرها، فهي أقل من خمس إجمالي الدين العالمي، تبقى ديون الشركات والأعمال هي الأكبر من بين إجمالي الدين العالمي، لكنها في الغالب لا تمثل مشكلة كبيرة لما لدى الشركات من نشاط وعائدات وأرباح وأصول يمكن أن تغطي الدين، كذلك فإن إفلاس الشركات ليس مشكلة في الاقتصاد وهو أقل خطراً بكثير من إفلاس الحكومات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
7 - ماذا تعني خدمة الدين؟
تعني خدمة الدين كلفة دفع أقساط الفائدة المستحقة عليه وتسديد أصل الدين عندما يحين موعد استحقاقه، فسندات الدين تكون لمدة محددة ويدفع المقترض فائدة بنسبة معينة كعائد على السندات لحامل السند حتى يحين موعد سداد أصل الدين، أما أذون الخزانة فكلفتها أعلى كما أنها لمدة قصيرة تكون بالأشهر. ومما يحدد كلفة الدين سعر الفائدة في البلد المعني وسعر الفائدة في العالم في المتوسط الذي يحكم العائد على سندات الدين في أسواق السندات، وبالطبع كلما كانت أسعار الفائدة مرتفعة زادت كلفة خدمة الدين، وهي من كبرى المشكلات التي تدفع مشكلة الدين العالمي حالياً نحو الأزمة.
8 - من أكبر الدولة المدينة ومن أقلها مديونية؟
أكبر دولة مدينة في العالم هي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، أي الولايات المتحدة، ويقاس ذلك أساساً بحجم الدين العام، وليس بإجمالي الدين، ومع نسبة دين عام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند 127 في المئة يزيد الدين العام الأميركي بمقدار الربع على حجم اقتصادها، فالدين العام أكثر من 36 تريليون دولار، بينما حجم الاقتصاد أقل من 30 تريليون دولار، وعامة تحوز الاقتصادات الكبرى على النسبة الكبرى من إجمالي حجم الدين، لكن في ثاني أكبر اقتصاد في العالم بالصين تظل نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي أقل من 70 في المئة، أما أقل الدول مديونية، أي تلك التي لا تجد على كشوف حساباتها العامة ديناً عاماً كبيراً فهي مثلاً سنغافورة والكويت.
9 - ما مستقبل مشكلة الدين العالمي؟
بحسب تقديرات الاقتصاديين والمحللين في المؤسسات الكبرى في العالم، فإن استمرار معدلات الاقتراض الحالية من قبل الحكومات تعني أن أزمة الدين العالمي في طريقها إلى التفاقم أكثر، مما يهدد بانفجار يشل النظام المالي العالمي، وما لم تتضافر عوامل عدة وبسرعة لوقف تغذية فقاعة الدين وغليانها في دائرة مغلقة من الاقتراض لسد العجز وخدمة الدين الحالي ستنفجر الفقاعة، وتبدو نذر ذلك في زيادة عدد الدول التي تتخلف عن سداد مستحقات ديونها في مواعيدها في وقت لا تستطيع فيه الاقتراض من الأسواق العالمية أو من مقرضين مباشرين كالدول الأخرى أو الصناديق الخاصة. وتعد أسواق السندات العالمية مؤشراً إلى مستقبل أزمة الدين العالمي، لذا يراقبها الجميع بخاصة في وقت ما زالت شروط الائتمان مشددة مع استمرار أسعار الفائدة العالية، والمأمول أن تواصل البنوك المركزية حول العالم خفض أسعار الفائدة مع اعتدال نسب التضخم، مما يقلل من كلفة خدمة الديون ويسحب بعض الغليان من فقاعة الدين.
10 - هل من حلول لمواجهة أزمة الدين؟
هيمنت أزمة الديون العالمي على الاجتماعات نصف السنوية الأخيرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كذلك فإنها تصدرت تقارير توقعات مستقبل الاقتصاد بنهاية العام. وفي كل تلك الاجتماعات والدراسات تطرح حلول مختلفة لمواجهة أزمة الدين العالمي تأتي في مقدمها إجراءات الانضباط المالي، بمعنى الحفاظ على عجز الموازنة عند نسبة منخفضة لا يمكن تجاوزها، فمثلاً يحدد الاتحاد الأوروبي سقف نسبة العجز عند ثلاثة في المئة، ويعني ذلك سياسات تقشف مالية للحكومات من ضغط الإنفاق والعمل على زيادة الموارد، وأهم عامل في زيادة موارد الخزانة العامة هو توسع النشاط الاقتصادي، أي نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما يزيد حصيلة الضرائب ويخفف من عبء المديونية. هناك أيضاً حلول لمساعدة الدول الصاعدة والنامية على مواجهة مشكلة الدين مثل قروض المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي ومفاوضات مع الدائنين لإعادة هيكلة الديون.