46 عاما على حرب أكتوبر... الكاميرا لم تكن على قدر الحدث

السينما المصرية لم تنتبه لدور هوليوود في توثيق حروبها... و"الممر" وحده لا يكفي  

فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" (موقع السينما دوت كوم)

تظل الذكرى حاضرة في كل الأيام، من عاشها ومن بالكاد استمع إلى حكاياتها من بعض أبطالها، يوم النصر الكبير في تاريخ المصريين الحديث، "حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973"، الأمر أكبر بكثير من موضوع التعبير الذي يطلبه مدرس اللغة العربية بشكل روتيني كل عام من الطلبة، القلب يظل يستشعر بهاء وهيبة وضخامة الحدث الذي يسكن وجدان كل الأجيال، فيما تقف الأعمال الفنية على مسافة بعيدة جدا عن المناسبة، عدد أفلام لا يوازي قيمة الحدث، ومستوى أعمال تبدو اليوم فقيرة جدا فيما كان من الممكن إنجاز ما هو أهم إنتاجا وفنا، ما السبب؟!

"الممر"... التقنيات العالية تدخل ساحة المعركة أخيرا

قد يكون فيلم "الممر" للمخرج شريف عرفة، الذي أنتج هذا العام هو العمل الأعلى تقنيا، والأكثر سخاءا فيما يتعلق بالميزاينة الذي تناول حرب الاستنزاف التي سبقت نصر أكتوبر، وقد حقق الفيلم إيرادات وصلت إلى 75 مليون جنيه مصري "ما يزيد على 4.5 مليون دولار"، ولكنه يأتي بعد مرور أكثر من عشر سنوات على عرض آخر فيلم عن الحرب، فيما هناك أعمال تنتج بصفة دورية عن عمليات وقعت في كواليس الحرب العالمية الثانية وغيرها حتى الآن، وقدمت هوليوود عددا هائلا من الأفلام المهمة ذات التقنية العالية خلدت من خلالها حروبا في فيتنام والعراق وكثير من العمليات العسكرية التي لم تكن كلها بطولات بالطبع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أفلام في مستوى الحدث... ولكن!

وعلى الرغم من الإشادة النقدية التي حظي بها فيلم "الممر"، باعتباره العمل الذي أعاد للأفلام الحربية المصرية هيبتها، فإنه يبدو عمل واحد وسط كثير من الأفلام التي صنعت على عجل، ولم يتم تصحيح المسار بإنتاج أخرى مصنوعة على مهل وبتكنيك عال، في المقابل يظل فيلم "حكايات الغريب" الذي أنتج عام 1992 من أكثر الأعمال المؤثرة التي رصدت أجواء الهزيمة والانكسار وفترة حرب الاستنزاف حتى تحقيق النصر واستعادة أرض سيناء من العدو الإسرائيلي بصدق وبفنيات عالية، فلم يركز فقط على البطولات والناحية العسكرية، وكان سباقا بعرض دراما حقيقية جعلته قريبا من نفوس المشاهدين حتى الآن.

مخرجة الفيلم إنعام محمد علي، قدمت أيضا واحدا من أفلام تلك الحقبة المهمة، وهو "الطريق إلى إيلات"، الذي رصد التحضير وتنفيذ سفينتين حربيتين في ميناء إيلات الإسرائيلي، ويعد من أكثر الأفلام شعبية أيضا وقد عرض عام 1993، وهي فترة عملية شبيهة بما رصده فيلم "يوم الكرامة" الذي عرض عام 2004، ولكنه لم يحقق نفس النجاح واعتبره النقاد أقل في الجودة الفنية كذلك.

 

 

أفلام محمود ياسين الأكثر شعبية

وعلى الرغم من أن الأفلام التي بدأ تصويرها مباشرة في ذروة الحماسة في نفس عام الحرب، تبدو نبرة الخطابية بها واضحة وتنتصر لصالح المباشرة بعيدا عن الفنيات، فإنها تبدو تأريخا لا يمكن تجاهله خصوصا أن بعضها تم تصويره في الأماكن الحقيقية للمعارك التي كانت لا تزال دائرة حينها، ومنها الفيلم الأبرز "الرصاصة لا تزال في جيبي" للفنان محمود ياسين، الذي قدم أيضا فيلمي "بدور" و"الوفاء العظيم" في نفس الأجواء وقد عرض ثلاثتها في عام 1974، في الذكرى الأولى لنصر أكتوبر، وأعمال محمود ياسين على الجبهة، مثلما يحب أن يسميها البعض، باعتباره من أكثر النجوم تقديما لأفلام تناولت حرب أكتوبر تعتبر من أكثر أفلام تلك المناسبة شهرة وعرضا على الشاشات.

وشهدت السبعينيات ذروة الإنتاج الفني لأفلام التي تغنت بالانتصار وتفاوتت قيمتها الفنية، ولكن تبقى قوتها في قربها من الحدث وفي حماستها الطازجة، ومن بينها "العمر لحظة"، و"حتى آخر العمر"، و"أبناء الصمت" حيث طغت الرومانسية على العملين الأولين، فيما كان "أبناء الصمت" ذا صبغة حربية أقوى، وتراجيدية زاعقة كذلك، حيث يعرض لحال الناس الذين شعروا بمرارة نكسة 1967 وينتظرون الحرب والثأر بفارغ الصبر، وسط قصص اجتماعية قاتمة لا تنفرج إلا بعد تحقيق الانتصار.

كان من المفترض أن تمر تلك المرحلة ويبدأ صناع الأعمال الفنية في تقديم قصص درامية "مشغولة" تأخذ حقها في التحضير، ولكن التجارب كانت تأتي قليلة وعلى فترات متباعدة.

يعلق الناقد إيهاب التركي لـ"إندبندنت عربية"، "أفلام حرب أكتوبر بمقاييس الفيلم الحربي تعتبر فقيرة جداً من ناحية التنفيذ، والهدف كان تمجيد الحدث دون التركيز على التكنيك في تقديم المعارك، فهي أفلام درامية عادية تحاول التركيز على قصص تحمل رموزا عن النصر بعد الهزيمة ومعظمها يدور في فلك فكرة واحدة وهي القدرة على تجاوز أزمة النكسة والانتصار على العدو الاسرائيلي، هناك بالطبع أعمال اقتربت كثيرا من أهمية الحدث، وحاولت تقدمه من زاوية غير نمطية، ومنها فيلم "أبناء الصمت" عام ،1974، الذي حاول صناعه تقديم فيلم حربي بدراما مباشرة عن المعارك في حرب الاستنزاف لينتهي بحرب أكتوبر".

يرى التركي أيضا أن فيلمي "يوم الكرامة" و"الطريق إلى إيلات" حاولا أيضا الاقتراب كثيرا من شكل الفيلم الحربي الذي تدور أحداثه في مسرح العمليات وكواليس المعارك الفارقة.

 

حرب أكتوبر في الأعمال الفنية العالمية

فيما المسلسلات الفنية حاولت هي الأخرى تأريخ الحدث المهم، ويعتبر مسلسل "رأفت الهجان"، الذي بدأ عرضه عام 1988 والمأخوذ عن قصة حقيقية من ملفات المخابرات المصرية من أهم الأعمال التليفزيونية التي جسدت بطولات الجانب المصري وعرضت باستفاضة لفترة التخطيط للحرب وحتى خداع العدو وتحقيق الانتصار، وأيضا "ليالي الحلمية" من الأعمال البارزة التي عرضت لفترتي الانتصار والنكسة بطريقة لمست وجدان المصريين، كما مرت أيضا لمحات من النصر في مسلسلات أخرى مثل "المال والبنون"، و"بنت اسمها ذات" و"العندليب".

حدث بحجم نصر أكتوبر أيضا كان له ظهوره في أفلام ومسلسلات عالمية، حيث تم عرض لقطات لمعارك أكتوبر في مقدمة فيلم The Sum of All Fears عام 2002، لمورغان فريمان وبن أفليك، حيث كان يعرض لرواية تشير إلى أن هناك صاروخا مفقودا في صحراء سيناء حيث دارت المعركة. الحرب أيضا كان لها دورها فيلم "the angel"، الذي عرض لوجهة النظر الإسرائيلية حول الجاسوس المصري أشرف مروان وعرضته شبكة نتفليكس وسط جدل واسع فيما تميز العمل بالضغف الشديد في مستواه وحبكته، كما تم التطرق لحرب أكتوبر في المسلسل الأميركي Sadat‏ ‏في مطلع الثمانينيات حول سيرة الرئيس المصري أنور السادات بطل الحرب والسلام، رغم ما حمله العمل من مغالطات وخيالات تنافي ما جرى في الواقع.

يرى الناقد إيهاب التركي، أن الطرف الآخر في الحرب صنع أفلاما أيضا حول الحدث الذي يؤرخ لهزيمته، لافتا أن أغلب الأعمال الفنية الإسرائيلية تعتبر "بروباغندا" تحاول تصوير الحرب من وجهة نظرهم، وبعضها كانت أفلاما تتحدث عن ويلات المعارك وضربات الجيش المصري المتوالية، وحالة الهلع التي أصابت المجتمع والجيش بعد صدمة الهزيمة.

المزيد من فنون وأضواء