Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الياميش" في مصر... موسم الصوم عن طقس رمضاني باهظ الكلفة

تقديرات بارتفاع أسعاره 20 في المئة مع قرب شهر رمضان وسط تراجع حاد في الواردات

بحسب تقديرات الغرف التجارية بلغت فاتورة واردات مصر من الياميش في 2024 نحو 140 مليون دولار (أ ف ب)

ملخص

بعض العلامات التجارية تحايلت على ارتفاع الأسعار بخفض أحجام العبوات وتقديم العروض لتحفيز الشراء

في ميادين القاهرة التاريخية، تجذب الشوادر أنظار المارة بما تبعثه في النفوس بألوانها البهيجة من مسرات، فيما تتراص أصناف المكسرات على الطاولات الخشبية مذكرة المصريين بطقوس استهلاكية لطالما حوفظ عليها لعقود لولا تدني مستويات الإقبال عما كانت عليه في أعوام قد خلت.

يراجع بعضهم ببصره قائمة الأسعار ثم يمضي منصرفاً فيما البعض الآخر يبادر مقارناً بالسؤال حول السعر والمنشأ وربما بعض المشتريات خفيفة الوزن والثمن.

تفصح أشجار الجوز واللوز والفستق عن عديد التغيرات التي ألمّت بأنماط استهلاك المصريين من "الياميش" الذي عُد تقليداً استهلاكياً باهظ الكلفة في ظل تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، واستيراد غالب الكميات بنقد أجنبي عانت البلاد مستويات متباينة من الشح فيه.

تراجع الاستهلاك في مصر

اعتماد مصر في تأمين استهلاكها من صنوف المكسرات على الخارج معروف منذ القدم بفعل مناخها غير الملائم للزراعة، وعُد الاستيراد بديلاً لتوريد السلع الأكثر حضوراً خلال شهر رمضان، وعلى رغم بلوغ الاستهلاك ذروته خلال "كوفيد-19"، إلا أن الواردات والاستهلاك المصري للجوز انخفضا منذ ذلك الحين، بحسب تقديرات أميركية، إذ تعد الولايات المتحدة من أكبر مصدري الجوز الذي يمثل 24.55 في المئة من حجم المكسرات الموردة إلى مصر.

وعلى رغم تقدير المصريين لصنوف الياميش الرمضاني، إلا أن ثمة ما يؤشر إلى مواصلة تراجع استهلاكهم خلال عام 2025، استكمالاً لأربعة أعوام مضت من التخفف، في وقت يمنح المستهلكون أولوية أكبر للأطعمة الأساسية عند المقارنة بما صار يصطلح عليه من "السلع الاستفزازية" أو "الترفيهية" بفعل غلاء الأسعار.

ثمة ما استجد على هيكل استهلاك المصريين من الياميش الرمضاني خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ يؤشر تقرير صادرة عن وزارة الزراعة الأميركية، إلى اقتصار استعمال المكسرات على صناعة الحلويات التقليدية، وأشهرها "الكحك" الذي يقدم خلال الأسبوع الأخير من رمضان وعيد الفطر، علاوة على حضوره الأساس في تحضير الحلويات التقليدية الأخرى محلية الصنع مثل "الكنافة" و"أم علي" و"البقلاوة" و"القطايف" و"البسبوسة"، وكلها تستهلك على نطاق واسع خلال شهر رمضان.

الفول السوداني بديلاً للبندق

تقول أم أحمد (49 سنة) وهي ربة منزل وأم لثلاث من الأبناء، "كنا في الماضي نحرص على اقتناء كميات لا بأس بها من المكسرات للاستهلاك الرمضاني في صنع الكنافة والقطائف، لكن مع ارتفاع الكلفة، أصبح شراء الحلويات الجاهزة أجدى وفراً، وهو أمر يقتصر على الأيام الأولى فقط من الشهر الكريم وسرعان ما يختفي بحلول العشرة الأوائل من الشهر".

في حديثها لـ"اندبندنت عربية"، تشير إلى أن بعض الأسر استبدلت المكسرات باهظة الكلفة بأخرى أقل ثمناً، كأن يستخدم الفول السوداني بعد دشّه بديلاً للبندق وعين الجمل أو الفستق في حشو القطائف أو غيرها من الحلويات، للتغلب على غلاء الأسعار.

وفي مارس (آذار) 2024، رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة، مخفضاً قيمة الجنيه إلى مستوى قريب من 50 جنيهاً للدولار من 30 جنيهاً، والتزمت القاهرة بخفض الإنفاق على مشاريع البنية التحتية في مقابل توسع إضافي بقيمة 5 مليارات دولار في حزمة قروض صندوق النقد الدولي بدلاً من 3 مليارات فقط، وأدى خفض قيمة العملة إلى جعل المنتجات الغذائية المستوردة، مثل المكسرات، أكثر كلفة بالنسبة للمستهلك المصري.

ارتفاع أسعار المكسرات

يحوم متوسط سعر الجوز في مصر حول 300 جنيه (5.96 دولار) للكيلوغرام، وسعر اللوز 1100 جنيه (21.87 دولار)، والفستق 1200 جنيه (23.86 دولار)، بحسب بيانات شعبة العطارة بالغرف التجارية المصرية، وسط تقديرات بارتفاع في أسعار المكسرات يراوح ما بين 15 و20 في المئة عن عام 2024، عزته إلى ارتفاع كلفة الاستيراد والنقل، جنباً إلى جنب والتغيرات المستمرة في سعر صرف العملات الأجنبية، علاوة على ارتفاع الطلب الذي يسبق حلول شهر رمضان.

عند حديثنا عن أسعار الياميش الرمضاني دهمت الابتسامة وجه الموظف الأربعيني محمود عبدالتواب، ليقول لـ"اندبندنت عربية"، إن أولويات إنفاقه حالياً منصبة على الضروريات من مأكل ومشرب، لكن حضور هذه الأصناف من المكسرات على مائدته يكاد يقتصر على اليوم الأول والثاني من الشهر الكريم.

ظروف مناخية غير ملائمة

وعلى رغم غياب التقديرات الرسمية حول زراعة الجوز واللوز والفستق في مصر، إلا أن تقديرات لمراقبين في قطاع البستنة المصري، يقدرون وجود عدد قليل من المنتجين المصريين في أماكن متفرقة من البلاد، من دون تركز إنتاجي، إلا أنه من المؤكد أن إنتاجهم ضئيل للغاية، وهو في المقام الأول للاستخدام الشخصي، إذ تتطلب أشجار الجوز على سبيل المثال ما بين 4000 إلى 15 ألف ساعة تبريد في السنة خلال فصل الشتاء، مما يعني أنها تحتاج إلى التعرض لدرجات حرارة تتراوح بين 32 درجة فهرنهايت (0 درجة مئوية) و45 درجة فهرنهايت (7.2 درجة مئوية)، لكسر الخمول والإزهار بشكل صحيح، وهي الظروف التي يصعب توفيرها في مصر نظراً لمناخ البلاد المائل للدفء.

في الماضي، كانت المكسرات من أشكال المُسليات الخفيفة في مصر قبل أن تستبدل مُسليات أخرى مالحة أقل كلفة وأسرع نمواً من حيث حجم مبيعات التجزئة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتدني القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المصريين.

استهلاك الجائحة

ويلفت تقرير وزارة الزراعة الأميركية إلى ارتفاع استهلاك المصريين من الجوز وغيره من صنوف المكسرات في عام 2021، وسط جائحة فيروس كورونا، إذ كانت شريحة أكبر من السكان تتناول المكسرات كوجبات خفيفة بسبب قيمتها الغذائية، ومع ذلك، عاودت مستويات الاستهلاك إلى ما قبل الجائحة بحلول عام 2022 مع انخفاض استهلاك الجوز بسبب ارتفاع سعره.

ومنذ عام 2022، عانت مصر من عدد لا يحصى من التحديات الاقتصادية خصوصاً النقص الحاد في العملات الأجنبية، والتي تحدت سلاسل توريد السلع الأساسية، ومما زاد من تفاقم هذا التحدي التأثيرات المستمرة على الاقتصاد من فيروس كورونا، والحرب الروسية على أوكرانيا، والصراعات الإقليمية في البلدان المجاورة، وهجمات الحوثيين على الشحنات في البحر الأحمر، وأدى التأثير الجماعي لهذه التحديات، جزئياً، إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى 25.5 في المئة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وبحسب تقديرات نائب رئيس شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية شادي الكومي، بلغت فاتورة واردات مصر من الياميش في 2024 بنحو 140 مليون دولار، بتراجع قدره 20 في المئة من حيث الكميات عن تلك المستوردة في عام 2023.

الأولوية للأطعمة الأساسية

وفي حين من المتوقع أن ينخفض التضخم السنوي من متوسط 29 في المئة في عام 2024 إلى متوسط 15-16 في المئة في عام 2025، فمن غير المتوقع زيادة استهلاك أنواع المكسرات، إذ سيستمر المستهلكون في إعطاء الأولوية للأطعمة الأساسية على العناصر غير الإلزامية. وللحفاظ على المبيعات، قلل بعض مصنعي المواد الغذائية من حجم عبواتهم كوسيلة لخفض أسعار المستهلك، وأصبحت العروض الترويجية والخصومات على المنتجات الاستهلاكية في منافذ البيع بالتجزئة الحديثة شائعة بشكل متزايد، بما في ذلك التسوق عبر الإنترنت، إذ تقدم منافذ التسوق الإلكترونية خصومات بشكل متزايد، وسط اهتمام متزايد من جانب المستهلكين بالعلامات التجارية المحلية، والتي تستفيد من انخفاض الأسعار مقارنة بنظيراتها المستوردة، فضلاً عن كونها متاحة على نطاق أوسع.

وخلال السنوات الخمس الماضية (2019-2023)، بلغ إجمالي واردات مصر من المكسرات 138233 طناً، وشمل ذلك الجوز واللوز والفستق بواقع 54053 طناً و76825 طناً و7355 طناً على التوالي، بحسب تقرير وزارة الزراعة الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان الموردون الرئيسيون في الفترة ما بين عامي 2019-2023 هم الولايات المتحدة وتشيلي وبلغاريا، ومع ذلك، في عام 2021، شهدت مصر عدداً قياسياً من واردات الجوز وكان سبب الزيادة الهائلة في عام 2021 عائد إلى زيادة استهلاكه خلال "كوفيد-19"، إذ اختار الناس وجبة خفيفة أكثر صحة.

وفي حديثه، يلفت وكيل شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية، وائل سعدة، إلى وجود شحنات من المكسرات لا تزال في الموانئ منذ العام الماضي، إذ لم يسعفها الحظ في البيع، وهو ما يجعل من طرحها في الموسم الحالي بالأسعار الجديدة أمراً متوقعاً.

مع ذلك، ثمة ما يؤشر إلى استمرار نمط الاستهلاك المقتصر على الضروريات في مصر خلال عام 2025، إذ قدرت مؤسسة "فيتش سوليوشنز" في أحدث تقاريرها العام الحالي، أن الإنفاق على قطاع السلع الغذائية كالطعام والمشروبات الأساسية غير الكحولية، والإسكان والمرافق، والملابس والأحذية، والنقل والاتصالات لا يزال هو المسيطر على إنفاق الأسر في البلاد.

ويتوقع التقرير، نمو حجم الإنفاق على تلك الضروريات من 8.2 تريليون جنيه (178.7 مليار دولار) في عام 2024 إلى 10 تريليونات جنيه (202.8 مليار دولار) في عام 2025، لافتاً إلى وصول حجم الإنفاق على السلع الأساسية إلى 14.1 تريليون جنيه (271.4 مليار دولار) بنهاية عام 2028.

اقرأ المزيد