ملخص
عندما تزايدت احتمالات فوز ترمب في الانتخابات، كان زوكربرغ يحول نفسه وشركته تدريجاً لتغيير العلاقة والفوز بالرئيس المنتخب.
بعد تنصيب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية، ظهر في خلفية المشهد من بين الحاضرين عدد من أكبر الأسماء في صناعة التكنولوجيا الأميركية الذين دعموا الرئيس الـ47 مع عودته للمكتب البيضاوي، لكن بينما تقرب قادة هذه الشركات من ترمب منذ فوزه بالانتخابات، ثارت تساؤلات حول الفوائد والأضرار التي يمكن أن تنعكس على الولايات المتحدة بسبب هذا التقرب. فما قدرة قطاع التكنولوجيا على الصمود أمام الضغوط السياسية الحكومية؟ وكيف يمكن لهذه الشركات العملاقة تحقيق التوازن بين مصالحها الاقتصادية والاستقلالية في عالم يتغير بسرعة وباستمرار؟
لم يكن من المستغرب أن يعج تنصيب الرئيس العائد للبيت الأبيض بأكثر الشخصيات شهرة وأغناهم ثروة في مجال التكنولوجيا، سواء أولئك الذين كانوا على مقربة منه منذ فترة طويلة مثل الرئيس التنفيذي لشركة "أبل" تيم كوك والرئيس التنفيذي لشركة "تسلا" إيلون ماسك، أو هؤلاء الذين كانوا في علاقة متوترة معه في الماضي قبل أن تتغير بصورة لافتة مثل مؤسس شركة "أمازون" جيف بيزوس والرئيس التنفيذي لشركة "ميتا" مارك زوكربرغ، فضلاً عن الرئيس التنفيذي لشركة "تيك توك" شو تشيو، الذي سمح ترمب لمنصته للتواصل الاجتماعي بالاستمرار 75 يوماً من دون تنفيذ الإغلاق الفعلي إلى حين شراء العمليات الأميركية من طرف أميركي.
يفسر ترمب هذا الاحتفاء الخاص حينما قال قبل أيام بمنتجعه في مارالاغو، "في ولايتي الأولى كان الجميع يحاربونني، لكن في هذه الولاية يريد الجميع أن يكونوا أصدقائي"، وهو بذلك يشير إلى تلك الزيارات المتتالية وحفلات العشاء والتعهدات المالية والمبادرات التي أكدت انضمام أصحاب شركات التكنولوجيا العملاقة إلى موكب من قادة الأعمال الآخرين، في محاولتهم تحسين مكانتهم مع الرئيس المنتخب حتى قبل توليه منصبه.
زيادة غير مألوفة
لم يشغل المديرون التنفيذيون مقاعد في حفلة التنصيب فحسب، بل تسابق هؤلاء في دعم ترمب بملايين الدولارات منذ فوزه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن لا شيء من هذا يعد خارجاً عن المألوف في فعاليات تنصيب الرؤساء الأميركيين، بما فيها شركات التكنولوجيا والمديرون التنفيذيون الذين تبرعوا أيضاً للجنة حفلة تنصيب الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن، لكن المثير في الأمر أن شركات التكنولوجيا ضخوا ملايين الدولارات في صندوق تنصيب ترمب بزيادة حادة تصل إلى 25 في المئة مقارنة بتبرعاتهم السابقة للرؤساء القادمين. كما أن ترمب دخل في جدال علني مع عدد من قادة التكنولوجيا في الماضي، بما في ذلك بيزوس وزوكربرغ، حتى أنه ذهب إلى حد التهديد بسجن الأخير، فما الذي تتوقعه صناعة التكنولوجيا من علاقاتها المتجددة مع ترمب؟
يشير ذلك إلى سببين، الأول أن شركات التكنولوجيا أدركت على مدى الأعوام الخمسة الماضية أن واشنطن تشكل عاملاً حاسماً في مستقبلها، وبالتالي تبلور لديهم استعداد طبيعي للعمل بصورة أوثق مع الإدارة الأميركية، أما السبب الثاني فهو أن ترمب يقدر الولاء، وإحدى الطرق التي يعبر بها الناس عن ولائهم له هي منحه المال، وبالتالي لكي يأخذك على محمل الجد، عليك أن تدفع في مقابل ذلك، كما يقول جين مونستر الشريك الإداري لشركة "ديب ووتر" لإدارة الأصول المالية.
من التوتر إلى الرضوخ
ربما يكون بيزوس وزوكربرغ الأكثر استفادة من التحول الذي نشأ في علاقتهما مع ترمب، إذ كانت علاقة بيزوس بالرئيس الجديد مضطربة خلال فترة ولايته الأولى، بسبب حقيقة أن رئيس مجلس إدارة "أمازون" يمتلك أيضاً صحيفة "واشنطن بوست"، إذ كان ترمب يتشاجر بانتظام مع بيزوس عبر منصات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، وربط تغطية صحيفة "واشنطن بوست" له ببيزوس نفسه في الفترة التي سبقت الانتخابات. ولهذا اتخذ بيزوس خطوة لمنع هيئة تحرير الصحيفة المرموقة من دعم نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس في انتخابات الرئاسة الماضية، قائلاً إن التأييد يخلق تصوراً للتحيز، وهو القرار الذي كانت له تبعات غاضبة، إذ استقال عدد من الصحافيين البارزين، كما ألغى مئات آلاف من مشتركي "واشنطن بوست" اشتراكاتهم.
لكن أعين بيزوس كانت تتجه لشيء آخر، فهو يمتلك شركة "بلو أوريغين" المنافس لشركة "سبيس إكس" التي يديرها إيلون ماسك، وقد يعني التقارب والوصول إلى الجانب الجيد لترمب فرصاً أفضل للفوز بعقود حكومية في الأعوام المقبلة.
أما زوكربرغ فظل على الجانب السيئ لترمب لأعوام وانتقده الرئيس خلال فترة ولايته الأولى، مدعياً أن الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا" كان يتعمد إسكات الأصوات المحافظة على منصاته، وساءت الأمور أكثر عندما أوقف زوكربرغ حساب ترمب على "فيسبوك" في أعقاب هجوم السدس من يناير (كانون الثاني) 2020 على مبنى الكابيتول.
وعندما تزايدت احتمالات فوز ترمب في الانتخابات، كان زوكربرغ يحول نفسه وشركته تدريجاً لتغيير العلاقة والفوز بالرئيس المنتخب، وعلى سبيل المثال اتخذ الرئيس التنفيذي لـ"ميتا" خطوات مثيرة للجدل، بما في ذلك القضاء على برنامج التحقق من حقائق المعلومات لصالح أسلوب يسمى ملاحظات المجتمع على غرار منصة "إكس". ووضع زوكربرغ حداً لجهود برامج التنوع والمساواة والشمول في الشركة، وانضم إلى عدد من المديرين التنفيذيين الذين اتخذوا إجراءات مماثلة.
فوائد منتظرة
وفي المقابل تتوقع كبريات شركات التكنولوجيا كثيراً من الفوائد خلال ولاية ترمب الثانية، ويشجعهم في ذلك أن الإدارة الجديدة تبدو أكثر اهتماماً بسماع القضايا المهمة للصناعة من إدارة بايدن، كما يشير الرئيس التنفيذي لشركة "سيلزفورس" مارك بينيوف.
كما ثبت أن الشركات التي تمكنت من تعزيز علاقاتها مع الحكومة الأميركية، حققت فوائد اقتصادية ملموسة تشمل خفض الضرائب وزيادة الدعم الحكومي للابتكار، ووفقاً لتقرير صادر عن معهد بروكينغز في واشنطن، شهدت الشركات التكنولوجية متوسط زيادة في الأرباح 15 في المئة خلال فترة ولاية ترمب الأولى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي حين يدعم كل هؤلاء المديرين التنفيذيين الرئيس ترمب بالتبرعات النقدية، فإنهم يراهنون أن يكون دعم الإدارة للأعمال التجارية أكثر مما كان عليه في عام 2017، ومن خلال تبرعاتهم الكبيرة يمكن أن يكون لهم صوت على الطاولة عندما يتم وضع السياسات، وهو ما يتجسد عملياً بصورة سريعة في تصرفات ترمب الذي تحدث عشية تنصيبه مع تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة "أبل"، وهي الأعلى قيمة في العالم للشروع في استثمارات ضخمة، ستساعد في ضمان بناء الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والصناعات الأخرى في الولايات المتحدة.
تطوير الذكاء الاصطناعي
ويبدو أن الذكاء الاصطناعي يحظى باهتمام خاص مع الإدارة الجديدة بسبب التغييرات المتسارعة فيه والتطور الهائل في قدراته، ولهذا حث المسؤولون التنفيذيون في شركة "مايكروسوفت" حليف ترمب الوثيق، المستثمر مارك أندريسن، لنقل نهجهم تجاه سياسة الذكاء الاصطناعي، وحثوا الحكومة على التراجع عن محاولة تعزيز قوانين حقوق النشر التي من شأنها أن تجعل من الصعب على الشركات استخدام البيانات المتاحة للجمهور لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
وبالفعل ألغى ترمب الأمر التنفيذي الشامل للرئيس السابق جو بايدن في شأن الذكاء الاصطناعي، الذي سعى إلى حماية حقوق الناس وسلامتهم من دون خنق الابتكار، ومع ذلك لم يحدد ترمب ما سيفعله بدلاً من ذلك، لكن حملته قالت إن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون جزءاً أساساً في حرية التعبير والازدهار البشري.
ولأن الشركات التقنية حريصة على الاستماع إلى ترمب لضمان حصولها على دعمه عندما يتعلق الأمر بأية لوائح قانونية أو تنظيمية مستقبلية محتملة للذكاء الاصطناعي، كانت شركة "أوبن أيه آي" التي يقودها سام ألتمان من أبرز المتبرعين لجهود تنصيب ترمب، وعلى رغم أن ماسك المقرب جداً من الرئيس الـ47 يحاول تفكيك الشركة يضمن ألتمان بتبرعاته التعامل بصورة جيدة مع ترمب.
وفي ما يبدو أنه رد مبشر من إدارة سيد البيت الأبيض، تحدث دوغ بورغوم مرشح ترمب لرئاسة وزارة الداخلية علناً عن الحاجة إلى تعزيز إنتاج الكهرباء لتلبية الطلب المتزايد من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وفي إشارة إلى الذكاء الاصطناعي أشار إلى أن معركة الذكاء الاصطناعي تؤثر في كل شيء من الدفاع إلى الرعاية الصحية إلى التعليم إلى الإنتاجية، والذكاء الاصطناعي الذي سيأتي في الأشهر الـ18 المقبلة سيكون ثورياً، لذلك هناك شعور بالإلحاح والفهم في إدارة ترمب لتتعامل معه بالصورة المناسبة.
الاندماج والمنافسة
تأمل شركات التكنولوجيا أيضاً أن يتغير نهج الإدارة الجديدة في إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار بصورة كبيرة من أجل تخفيف الرقابة على منصات التكنولوجيا الكبرى، وجعل بيئة الاندماج والاستحواذ الأوسع أكثر تساهلاً، بما يؤدي إلى زيادة فرص الدمج، بخاصة لشركات التكنولوجيا المتوسطة الحجم، على رغم أن منصات التكنولوجيا الكبيرة قد لا تزال تواجه التدقيق.
ومن المرجح أن تستفيد كل من شركتي "مايكروسوفت" و"غوغل" من كونهما في علاقة مميزة مع ترمب في وقت تواجه فيه الشركتين تدقيقاً متزايداً حول عمليات الاندماج والاستحواذ، كما يمكنهما طلب المساعدة عندما يتعلق الأمر بمسائل مكافحة الاحتكار.
التجارة وسلاسل التوريد
يتوقع أن تؤثر سياسات التجارة الدولية بصورة كبيرة في قطاع التكنولوجيا، بخاصة في ما يتعلق بالعلاقات مع الصين، إذ اقترح ترمب فرض تعريفات جمركية كبيرة على الواردات، مع التركيز بصورة خاصة على السلع من الصين، مما قد يعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية لشركات التكنولوجيا، ويؤدي إلى زيادة تكاليف المكونات والمنتجات النهائية، وربما يدفع الشركات إلى إعادة هيكلة استراتيجيات التصنيع والتوريد الخاصة بها.
وقد تحتاج الشركات إلى التفكير في التصنيع بالداخل أو تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها للحد من التعرض للتعريفات الجمركية المحتملة والقيود التجارية، ومن المحتمل أن تواجه صناعة أشباه الموصلات، تغييرات كبيرة مع قيام الإدارة بإعادة تقييم السياسات الحالية في شأن دعم التصنيع المحلي والعلاقات التجارية الدولية.
ولهذا يأمل تيم كوك رئيس شركة "أبل" أن يكون ترمب على استعداد لمناقشة التعريفات الجمركية التي يعتزم فرضها وتأثيرها في إيرادات الشركة، فضلاً عن قضايا مكافحة الاحتكار المستمرة التي تعرضت لها شركته.
الهجرة والمواهب
من المحتمل أن تؤثر التغييرات في سياسة الهجرة التي يتوقع أن يتبعها الرئيس ترمب في قدرة قطاع التكنولوجيا على جذب المواهب العالمية والاحتفاظ بها، وتخشى الصناعة التعديلات المحتملة لبرامج تأشيرة "أتش 1 بي" وسياسات الهجرة الأخرى التي كانت حاسمة تقليدياً لتطوير القوى العاملة في مجال التكنولوجيا، بخاصة بعد الضجة التي أثيرت حول هذه التأشيرة عندما طرحها فيفيك راماسوامي، الذي عينه ترمب لمشاركة إيلون ماسك في إدارة الكفاءة الحكومية، وتعرض لتعليقات عنصرية ربما كانت السبب في تفضيله الانسحاب من إدارة ترمب.
وربما تحتاج الشركات إلى تكييف استراتيجيات المواهب الخاصة بها، والنظر في نهج بديل لمعالجة فجوات المهارات، وقد يشمل ذلك زيادة الاستثمار في برامج التدريب المحلية أو تطوير خيارات العمل عن بعد للوصول إلى مجموعات المواهب العالمية أثناء التنقل عبر قيود الهجرة.
أضرار التقرب من الحكومة
على رغم مزايا التقرب من الإدارة الأميركية للحصول على إعفاءات ضريبية وتشجيع النمو والحد من اللوائح التنظيمية المقيدة، يشير المحلل في المجال التكنولوجي الدكتور جيمس هاريس إلى أن التقرب من الحكومة يمكن أن يؤدي إلى اعتماد سياسي مفرط، فقد تجد الشركات نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات تتعارض مع قيمها أو استراتيجياتها طويلة الأمد.
وهناك مخاوف أخرى من أن تجعل هذه العلاقة الشركات أكثر تقبلاً للضغوط السياسية بما يحد من قدرتها على الابتكار بحرية، كما يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل الدكتور روبرت ميلر، الذي يرى أن التقرب من الحكومة هو سيف ذو حدين، ففي حين يوفر فرصاً اقتصادية، فإنه يضع الشركات تحت ضغط سياسي كبير قد يؤثر في قراراتها الاستراتيجية.
خطر فقدان الاستقلالية
ولكن هل يمكننا القول إن الشركات فقدت استقلاليتها؟ الجواب ليس بسيطاً، إذ إن الشركات الأميركية الكبرى ما زالت تحتفظ بقدرة كبيرة على اتخاذ قراراتها الخاصة، ولكن هذا لا ينفي أن هناك تأثيراً واضحاً للسياسات الحكومية في هذه القرارات، كما يشير الدكتور كارلوس رودريغيز أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا. ويقول إن الاستقلالية الحقيقية تعني القدرة على اتخاذ القرارات من دون ضغوط خارجية، وعلى رغم أن الشركات تحتفظ بقدر كبير من الحرية تضيف العلاقات الوثيقة مع الحكومة طبقة من التعقيد.
لكن أستاذة الإدارة بجامعة هارفارد لورا مارتينيز تحذر من أن التقرب من الحكومة يمكن أن يؤدي إلى فقدان الاستقلالية، لأن الشركات قد تجد نفسها مضطرة إلى الامتثال لطلباتها، حتى لو كانت تتعارض مع مصالح أصحاب المصلحة الأخرى.