Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا بقيت الاختصاصات الطبية الصعبة حكرا على الرجل؟

أظهرت المرأة قدرات فائقة في المعالجات وحققت نجاحات نافست بها الجنس الآخر ضمن خيارات معينة لكنها بقيت بعيدة من بعضها

تفوقت الأنثى  في اختصاصات طبية محددة لكن بقيت هناك اختصاصات لم تستطع أن تخترقها وبقي الرجال الأقوى فيها (ا ف ب)

ملخص

 على رغم نجاحات المرأة في مجال الطب اليوم فإن هناك اختصاصات لم تتمكن أو أنها لم ترغب في اختراقها، فما السبب؟

استطاعت المرأة أن تثبت قدراتها في مجالات عدة كانت حكراً على الرجل، فكان بعضهم ينظر إليها بسلبية ويقلل من شأنها قبل عقود مضت، لكنها استطاعت أن تسهم في تطور المجتمعات عبر دخولها في مختلف المجالات التي كان الرجل وحده يعمل فيها، فيما اعتبر دخول المرأة إليها ممنوعاً إلى حد كبير.

ويعتبر الطب من المجالات التي فرضت نفسها المرأة فيها قبل أعوام وثبتت حضورها، حتى إنها باتت اليوم تنافس الرجل في اختصاصات عدة في هذا القطاع وتفوقت عليه أحياناً.

وفيما أكدت الأنثى وجودها في اختصاصات طبية معينة حتى أصبحت تُسجل فيها أكثرية نسائية، بقيت هناك اختصاصات لم تستطع أن تخترقها، وبقيت فيها الكلمة الأقوى للرجل بالأكثرية الساحقة.

في التمريض المرأة أولاً

لطالما استقطبت مهنة التمريض العنصر النسائي بخاصة، من تاريخ دخول الممرضة الأولى فلورنس نايتنغيل في هذا المجال عام 1820 في إيطاليا، فكانت الرائدة في مجال التمريض، واهتمت آنذاك بجرحى الحرب.

وفاق دوماً عدد النساء في مجال التمريض ذاك الذي للرجال، وتعتبر نقيبة الممرضين والممرضات في لبنان عبير علامة أن هذا المجال استقطب المرأة بصورة أساس، ربما لأنها تمتاز بالرعاية والحنان والعاطفة وربط بين دورها في رعاية المرضى في المهنة ودورها كأم، بخاصة أنها مهنة تتطلب كثيراً من الرعاية والصبر والاهتمام، وبما أن المرأة كانت أول من انطلق بهذا المجال فقد استمرت النساء بالتوجه إليه بصورة أساس عبر التاريخ.

ومع التطور الحاصل في العلم وفي مجال التمريض، تطور مفهوم التمريض وأدرك الناس طبيعة المهنة بصورة أفضل فظهرت أهميتها وأصبحت مطلوبة من قبل الجنسين، كما أصبح هناك شغور في أماكن العمل فيها مما جعلها اختياراً مفضلاً لكثيرين، بخاصة أن الأجور ترتفع فيها داخل دول معينة مثل تلك الأوروبية.

أما في لبنان فتستمر المساعي إلى رفع الأجور في مهنة التمريض، وبين ارتفاع الأجور والتحول الحاصل في مفهوم مهنة التمريض والفهم الأفضل لها وتطور العلم فيها، انجذب الشباب إليها من الجنسين، يضاف إلى ذلك أنها مهنة تتطلب قوة جسدية لرعاية أشخاص يحتاجون إلى من يحملهم في رعايتهم، ولذلك تشدد علامة على أنها مهنة تحتاج إلى العنصرين النسائي والذكوري، فيما بعضهم لا يفضل أن يكون من يقدم له العناية من الجنس الآخر، ولذلك بلغت نسبة النساء في التمريض 65 في المئة، وبالتالي باتت نسبة الجنسين متقاربة خلال الأعوام الأخيرة في المجال.

المرأة في اختصاصات طبية معينة

في مجالات أخرى من عالم الطب يبدو المشهد مختلفاً، فصحيح أن المرأة رسخت وجودها في اختصاصات طبية عدة لكن بقيت هناك اختصاصات أخرى حكراً على الرجل، وإن عدنا للتاريخ نجد أن المرأة مُنعت أولاً من العمل  في المجال الطبي وبخاصة في الجراحة، وكان دورها أولاً يقتصر على دور مساعد للطبيب أو على مجال التمريض قبل أن تبدأ باختراق اختصاصات معينة محددة في عالم الطب، علماً أن المرأة الأولى في تاريخ الطبيب كانت الفرعونية ميريت بتاح عام 2700 قبل الميلاد إلى أن ظهرت في القرن الـ 12 الطبيبة الإيطالية تروتا من مدينة ساليرنو الساحلية، وشكل وجودها حينها ظاهرة استثنائية في جامعات أوروبا التي كان يديرها رجال دين ويمنع دخول النساء إليها.

لكن أتت لاحقاً مرحلة استطاعت فيها المرأة أن تبدل المعادلة في مختلف دول العالم، وإن كانت هناك حتى اليوم دول لا تفتح المجال للجنسين للعمل في المجال الطبي بالتساوي، وعندما مارست المرأة مهنة التمريض والقبالة خلال القرنين الـ 18 والـ 19، اكتسبت حق الانتساب إلى مؤسسات التعليم الطبية في دول عدة، ومنذ عام 1900 بدأ ارتفاع أعداد النساء الطبيبات، وعلى رغم انخفاضه عام 1950، فقد ارتفع مرة ثانية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وأصبحت النساء يشكلن تسعة في المئة من الطلاب الملتحقين بكليات الطب داخل الولايات المتحدة عام 1969، ثم في عام 1985 أصبحت النساء اللواتي يعملن في مجال الطب يشكلن 14 في المئة من الأطباء العاملين في البلاد.

وفي بداية القرن الـ 21 تساوت المرأة مع الرجل في كثير من الاختصاصات الطبية،  وخلال العام الدراسي 2007 - 2008 شكلت النساء 49 في المئة من المتقدمين لدرس الطب و 48 في المئة من المقبولين، كما تقول دراسات في هذا المجال.

اختصاصات بقيت للرجل

من الواضح أن الرجال يشكلون الأكثرية حتى اليوم في ممارسة الطب وخصوصاً في بعض التخصصات الطبية مثل الجراحة، فيما هناك اختصاصات تهيمن عليها المراة مثل طب الأطفال والطب النفسي وعلم الأمراض، وهذا ما يؤكده نقيب الأطباء في لبنان الدكتور يوسف بخاش، مشيراً إلى أنه على رغم الدور الجوهري والفاعل الذي باتت المرأة تلعبه في عالم الطب فثمة تفاوت في مشاركتها فيه، فهي بالفعل دخلت في درس الطب الذي يتطلب جهداً ومتابعة ووقتاً، ولها وجود بارز متزايد في كليات الطب والمستشفيات، لكن يُلاحظ أن عدد النساء في مجال الطب يزيد في اختصاصات معينة لا تتطلب جهداً جسدياً كبيراً، مثل طب الأطفال والأمراض الجلدية، فيما تنخفض في اختصاصات أكثر تعقيداً مثل جراحة العظام والشرايين والأعصاب. وتظهر الأرقام التي يعطيها بخاش أن أعلى نسبة مشاركة للمرأة في المجال الطبي كانت في اختصاص طب العائلة وتصل إلى 52.3 في المئة، يأتي بعدها التخصص في درس الأنسجة الذي لا يحوي حالات طارئة ويكون العمل بدوام محدد مع نسبة 45 في المئة، وبعدها تأتي الأمراض الجلدية بـ 45 في المئة، ويلي الأمراض الجلدية طب التخدير بـ 41 في المئة من النساء، وهي أرقام أفادنا بها بخاش. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي طب التوليد والأمراض النسائية تصل نسبة النساء اللواتي يخترنه إلى 39.7 في المئة، ونسبة النساء في اختصاص الأمراض الداخلية 34 في المئة، 33 في المئة منهن في أمراض المفاصل، و25 في المئة في اختصاص الأمراض الصدرية والرئوية.

في المقابل يشير بخاش إلى أن من اللافت أنه ليست هناك أية امرأة طبيبة في اختصاص المسالك البولية على رغم أنه يخص الرجال والنساء، كما أن نسبة النساء في جراحة الشرايين لا تتخطى 1.7 في المئة.

الضغوط الاجتماعية هي الأساس

وبالعودة للأسباب التاريخية التي عززت وجود الرجل في عالم الطب مقارنة مع حضور المرأة فيه، تشير الاختصاصية النفسية والاجتماعية لانا قصقص إلى القيود الاجتماعية التي أسهمت في ذلك، إضافة إلى نمط عيش النساء في الحضارات القديمة التي جعلت الطب حكراً على الرجل، بخاصة عندما كان الطب في طور التطور فبقي هذا المجال ذكورياً بحتاً، وفي الوقت نفسه اعتُبرت المرأة غير مؤهلة للعمل في مجالات معينة مثل المجالات الطبية والجراحية والتقنية التي تتطلب التفكير العملاني، وكان دورها محصوراً في التربية ومجالات أخرى مماثلة إضافة إلى العمل المنزلي.

وتوضح قصقص أن الطب كان يعتبر تاريخياً مجالاً بحثياً إضافة إلى جانبه التطبيقي، وكان يُحصر قديماً بالأطباء والفلاسفة والمفكرين الذين يمارسون هذه المهنة، ومع مرور الأجيال تم تناقل وتبني الأفكار التي تبعد المرأة من مجالات معينة، لكنها تمكنت من اختراق مجال الطب وأثبتت إمكاناتها وبراعتها فيه، لكن لا تزال هناك فروق تميز بين الجنسين في مجال الطب ولو أثبتت نفسها في هذا المجال.

وتقول، "لا يزال هناك تمييز ونظرة تضع المرأة جانباً في اختصاصات طبية معينة مثل الجراحة وعلم الأعصاب والدماغ والقلب، فبقي أي مجال يحمل نوعاً من التعقيدات في التنفيذ حكراً على الرجل بسبب هذه النظرة التي تناقلتها الأجيال، وفي المقابل بقيت المرأة محصورة في اختصاصات معينة مثل طب الأطفال والأمراض الجلدية والتمريض وكأنها وضعت في قالب معين، وفي الأبحاث والدراسات ليس هناك دليل علمي متين يدل على أن ثمة عوامل بيولوجية أو فيزيولوجية تجعل الرجل مؤهلاً أكثر من المرأة لممارسة اختصاصات معينة، خصوصاً في مجال الطب، فالدراسات تؤكد أن القدرات الذهنية والخاصة بسرعة اتخاذ القرارات تحت الضغوط والتوتر متساوية بين الجنسين، ويحصل التمييز على أساس النوع  الاجتماعي والجنس، لا على أساس حقيقة علمية". 

تضيف قصقص أن التمييز بين الجنسين في هذه الاختصاصات الطبية التي جعلت حضور الرجل مسيطراً في مجالات معينة مرتبط بعوامل اجتماعية، فيبدو واضحاً أن المجتمع وحده مسؤول عن تعزيز هذه الفروق بصورة تجعل الفتاة تبتعد تلقائياً في اختياراتها من الاختصاصات التي بقيت حكراً على الرجال جيلاً بعد جيل، وقد يرتبط ذلك بكون هذه المجالات أيضاً فيها كثير من الحالات الطارئة التي تتطلب تدخلاً سريعاً من قبل المرأة، فيما من المفترض بها أن تكون مسؤولة عن عائلة ومنزل وأطفال، وفق الصورة التي رسمت لها في المجتمع.

وتضيف المتحدثة ذاتها أن "المرأة لا تبتعد من هذه الاختصاصات بسبب الضغط المجتمعي وحسب، وإنما أيضاً بسبب احتضان المؤسسات والمستشفيات ودعمها للرجل، فعلى الأرجح قد تتعاقد المستشفيات أولاً مع الجراح الرجل لا المرأة ، وهو مما يدخل في إطار الإقصاء المجتمعي، أما المرأة التي تخترق اختصاصات طبية يهيمن عليها الرجل فهي المرأة التي تكون متحررة ومتمردة وتميل إلى كسر القوالب النمطية ولها ثقة بقدراتها، وأُرجح أيضاً أن تكوّن من حولها حلقة دعم متينة تضم أشخاصاً يوفرون لها كل الاحتضان لتقوم باختيارات مماثلة، كما أنها تتمتع بإرادة قوية لكسر الحواجز المجتمعية التي وضعت لها، وفي كثير من الأحيان قد يبدو أن المرأة تتميز في المجالات التي تدخلها وتكون حكراً على الرجال فتثبت فعلاً قدرات فائقة، إنما في الواقع قد لا تكون المرأة تميزت بالفعل بل هي قادرة فعلاً على تحقيق الكثير وتوضع غالباً توقعات قليلة في شأنها، وعندما تحقق المزيد فسيبدو وكأنها تميزت، وهي في الواقع تكون أدت دورها الناجح في هذا المجال".

موجة معاكسة

في المقابل تبدو النظرة المجتمعية في تغير واضح خلال الأعوام الأخيرة لتصبح المهن أكثر شمولية للجنسين، كما زادت نسبة الوعي حول حق المرأة في العمل والتعليم عامة واختيار مهنتها بحرية، وبات واضحاً أنها اخترقت مهناً كثيرة كانت حكراً على الرجل والدلائل كثيرة على  ذلك، ويبدو واضحاً أن اختيارات المرأة للمهن في تغير لتصبح أكثر شمولية بوجود الدعم المجتمعي والحملات المناصرة وحملات التوعية التي أسهمت في تمكينها وساعدتها في الاندماج في الاختصاصات، فأصبحت أكثر جرأة في اختراق اختصاصات كان وجود الرجل مسيطراً فيها.

وبصورة عامة يلعب المجتمع دوراً كبيراً في تحديد التوجهات التي يقوم بها الرجل والمرأة في اختيار وممارسة المهن، وهي لا تستند إلى أسس علمية وفروق جوهرية تميز بين الرجل والمرأة، فكلا الجنسين قادر على العمل في أي مجال شرط وجود الإرادة والعزم، ويبقى الأهم السعي إلى كسر القوالب النمطية لتخرج المرأة من الشرنقة التي وضعت فيها، وفق قصقص، لتتفوق في المجالات التي تثير اهتمامها وتشعر بالقدرة على النجاح فيها، ومن المتوقع أن يحصل مزيد من التغيير مستقبلاً في النظرة والهيكلية المجتمعية وتوزيع الجنسين في المهن لتكون أكثر شمولية بعد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير