باريس وغيرها من مدن فرنسية تعيش مجدداً على وقع  احتجاجات السترات الصفراء

المحتجون  يتفقون على شعار موحّد لكشف العنف ’المفرط‘ الذي يقولون انهم عرضة له من قِبل رجال الأمن

تظاهرات "السترات الصفر" في أحد شوراع باريس للأسبوع الـ12 على التوالي، 02-02-2019. (أ.ف.ب)

عاشت باريس وغيرها من مدن فرنسية مجدداً أمس على وقع احتجاجات السترات الصفراء للأسبوع الـ12 على التوالي. وتجمّع المحتجون كالعادة ومنذ الصباح في مناطق محدّدة لتحركهم الذي اختاروه هذه المرة أن يكون تكريمًا للجرحى الذين أصيبوا خلال مواجهات مع القوى الأمنية في التحركات السابقة.

والجديد في هذا اليوم هو أنها المرة الاولى التي يتجمع فيها المحتجون على شعار موحّد المقصود به الكشف عن العنف المفرط الذي يقولون إنهم عرضة له من قِبل رجال الأمن، وتسبّب بإصابات خطرة في صفوفهم.

هذه الاحتجاجات باتت أشبه بعنصر ملازم لحياة الفرنسيين، إذ إنهم يترقبونها ويحتسبون لها لتنظيم تنقلاتهم وإجازاتهم في نهاية الأسبوع نظرًا لما يواكبها من إجراءات أمنية وإغلاق لأحياء بأكملها. وعلى رغم الاضطراب الذي تتسبّب به هذه الاحتجاجات في وتيرة الحياة العادية والخسائر التجارية الناجمة عنها الى جانب الأضرار الماضية التي خلفتها المواجهات وتقدّر بمليارات اليورو، فإنها لا تزال تحظى بتأييد غالبية من الفرنسيين.

 

"رئيس الأثرياء"

والمؤكّد ان هؤلاء المؤيدين على قناعة بأن الشارع هو المجال الوحيد المتوافر لإصلاح الخلل على صعيد أداء الرئيس الفرنسي ايمانوييل ماكرون الذي يوصف بأنه "رئيس الأثرياء." نمط هذه الاحتجاجات وفحواها المبعثر وغير المتمحورحول مطالب واضحة فاجأ المسؤولين وعلى رأسهم ماكرون الذي راهن على مرور الوقت الكفيل بتقييدهم واستنزافهم.

أفشل المحتجون هذا الرهان الذي استمر في الاتساع على طريقة كرة الثلج تحديدًا بفضل وسائل التواصل التي اعتُمدت أداة للتحرك والتعبئة. وراهن ماكرون لاحقاً على المضايقات والأضرار المادية والعنف البالغ الذي ساد بعض التحركات لعزل السترات الصفراء وتهميشها.

هذا الرهان فشل بدوره، إذ إن السترات الصفراء أنزلت الى الشارع مواطنين من كافة الأوساط والأعمار والإنتماءات يعتبرون أنفسهم منسيين وأعطتهم صوتاً وحضوراً وجعلتهم محط إصغاء من قِبل مسؤوليهم. وهكذا تحول هذا التحرك العفوي الذي يفتقر إلى أي هيكلية أو تنظيم الى أخطر تحدٍ يُواجهه ماكرون بعد مضي أقل من عامين على توليه الرئاسة.

وفيما ارتفعت أصوات عدة في الطبقة السياسية، طالبت بالمزيد من القمع بحق المحتجين وبفرض حالة الطوارئ لتطويق تحركاتهم، قرر ماكرون بحكمة وتعقل مد يده للمحتجين وأقحم نفسه شخصيًا في اطار الحوار الوطني الذي بدأ منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي عبر لقاءات مع مواطنين ورؤساء بلديات في المناطق المختلفة.

من السابق لأوانه التكهن بما سيؤول إليه الحوار الوطني الذي يستمر حتى شهر أبريل (نيسان) المقبل من نتائج، لكن الواضح إن تحرك السترات الصفراء الذي استهدف النيل من ماكرون وحمله على الاستقالة. لكن هذا الحوار الذي يشجبه عديدون في صفوف السترات الصفراء تحول الى فرصة متاحة له لاصلاح صورته لدى الفرنسيين واصلاح توجهاته وربما إعادة إنقاذ شعبيته التي انخفضت الى مستوى يقارب 25 في المئة من المؤيدين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحركات اخرى

ليست تحركات السترات الصفراء الأولى من نوعها في فرنسا، بل سبقتها تحركات أخرى نشأت بسبب مطلب معين وما لبثت أن تحولت إلى محور يستقطب العديد من المطالب الاجتماعية والمعيشية. 

أبرز هذه التحركات عُرف بأسم القبعات الحمراء التي بدأت في منطقة بريتاني عام 2013 احتجاجًا على ضريبة بيئية لمكافحة التلوث الناجم عن شاحنات نقل المواد الغذائية في عهد الرئيس فرانسوا هولاند (اشتراكي). هذه الاحتجاجات استمرت زهاء عام على شكل تظاهرات وقطع حركة السير على الجسور انتهت الى العدول عن الضريبة البيئية لكن تفاعلاتها بقيت محصورة في المناطق.

كذلك الأمر بالنسبة لاحتجاجات الـ"زاديست"  الذين احتلوا مساحات من الغابات في منطقة نوتردام ديلاند للحؤول دون بناء مطار جديد فيها واستقطبت، على مدى الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2018، مجموعات متعددة من أنصار البيئة والفوضويين واليساريين المتطرفين وانتهت بالعدول عن مشروع المطار مع وصول ماكرون الى الحكم.

الاختلاف بين هذه التحركات والسترات الصفراء بالغ من حيث العمق والانتشار وخصوصاً التوقيت. فالسترات الصفراء انبثقت من ظروف مطابقة ومرادفة لظروف وصول ماكرون الى الرئاسة. والمعروف ان التأييد الشعبي الذي أوصل ماكرون الى الحكم تغذى من الخيبة حيال الاحزاب التقليدية التي تناوبت على الحكم على امتداد العقود الماضية وحملت غالبية من الفرنسيين على وضع ثقتهم برئيس شاب وافد على الحياة السياسية يعرض عليهم التجديد و التغيير.

هذا التأييد تغذى أيضاً من النقمة على القوى التقليدية التي أثبتت عدم جدواها في النهوض بالبلاد ومعالجة مشكلاتها وانخراطها في قضايا فساد ومحسوبية واسعة النطاق. وترتب على ذلك مشهد سياسي غير مألوف في فرنسا مع وصول فريق جديد وغير مجرب إلى سدة الحكم ومعارضة مسحوقة ومقسمة يمينًا ويسارًا.

وعلى امتداد الأشهر التي مضت على ولاية ماكرون الرئاسية، أخفقت المعارضة بمختلف توجهاتها في لملمة أوضاعها وفي لعب دور المعارضة المجدية في وجه الحكم. واعتمد ماكرون سياسة تركزت على تخفيف الأعباء على المؤسسات الإنتاجية وتحفيز الاستثمارات وسوق العمل ولدت الانطباع بأنه مجحف ومتحامل على الفئات الأكثر هشاشة.

لكن النقمة التي نجمت عن هذا الشعور لم تجد من يخاطبها ويعمل على تأطيرها نظراً لانعدام الثقة المستمر بين الفرنسيين و"الأحزاب القديمة". وعلى غرار حركة "الجمهورية الى الأمام" التي يتزعمها ماكرون ونشأت نتيجة هزال الأطراف التقليديين، جاءت نشأة السترات الصفراء من نفس هذا الهزال لتشكل الوجه الجديد للمعارضة في فرنسا.

هذا النوع من المعارضة غير المسبوق في ظل الجمهورية الخامسة متعدد ومتناقض الطرح والتصورات والحلول يجمع بينهم غضبهم حيال الضائقة المعيشية والسياسيين، خصوصًا  ماكرون الذي شكّل شعار استقالته مطلباً يوحدهم. أصحاب السترات الصفراء هم أشخاص فقدوا الأمل بصندوق الاقتراع باعتباره سبيل إلى تحسن وتغيير في أوضاعهم ويرفضون أي تصنيف لهم بأنهم يساريون أو يمينيون.

العنف

لكن هذا لا يمنع صفوفهم من أن تضم أعضاء من مختلف الاتجاهات بما فيها أقصى اليمين وأقصى اليسار وحتى التروتسكيين والفوضويين. ومن بين السترات الصفراء أشخاص مسالمين يشجبون العنف الذي شاب بعض التظاهرات وخصوصاً منها تلك التي شهدتها باريس.

لكن بعضهم يعتبر أن هذا العنف هو الذي حمل ماكرون وفريقه على تغيير أسلوبهم وإبداء قدر من الإصغاء لما يقوله الشارع عبر الإجراءات التي اعتُمدت لتحسين القدرة الشرائية.

هذا التباين يجر نفسه على القضايا المختلفة بما فيها أساليب التحرك والتفاوض وغياب أي هيكلية أو أدنى تنظيم كفيل بالتالي ببث الفوضى في شوارع باريس وغيرها من مدن، لكنه لا يمثل نهجًا معارضًا على المدى الطويل.

والتحدي الذي يواجهه أعضاء السترات الصفراء يكمن في قدرتهم على الخروج من حالة العفوية والارتجال. وبدأ بعضهم يدرك أهمية توضيح المواقف وإضفاء قدر من التجانس عليها والانخراط في نشاط سياسي واقعي. ومن بين هؤلاء، إنغريد لوفافاسور إحدى رموز السترات الصفراء والتي قررت تشكيل لائحة لخوض الانتخابات الأوروبية في شهر مايو (أيار) المقبل.
 

المزيد من الأخبار