Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الإسكوا" تعالج عطشاً عربيّاً للأرقام بمِنَصّة رقميّة ربما قيّدتها الرسميّات

أنجزت منظمة "الإسكوا" أول بوابة إلكترونيّة للبيانات الإحصائيّة عربيّاً. هل تكون المصادر الرسميّة وأرقامها "كعب إخيل" ذلك الإنجاز النوعي؟

الأرقام متاحة والبيانات متوافرة لكن، هل من يستشيرها فعليّاً؟

الأرجح أن المطالعة الأوليّة لـ "بوابة البيانات" Data Portal التي صنعتها منظمة "الإسكوا" لتكون مِنَصّة رقميّة أولى في نوعها للأرقام الإحصائيّة العربيّة، تثير إحساساً قويّاً بالغبطة والارتياح. وفي المقابل، تحرّك الأرقام ومصادرها في البوابة الرقميّة ذاتها أسئلة من نوع مدى الفائدة المتأتيّة من الإصرار على التمسّك بالأرقام الرسميّة، في منطقة تنوء بمعاناتها مع الحقائق والأرقام والمعلومات وما إليها. هل تشفي "بوابة البيانات" الظمأ العربي للأرقام الموثقة أم تعيق "رسميّتها" سعيها إلى إرواء ذلك العطش؟ هل تفيد الأرقام فعليّاً في صنع السياسات والإستراتيجيات عربيّاً؟

قبل الاستمرار في النقاش النقدي، تفرض الأمانة والحقيقة واجب تهنئة "لجنة الأمم المتحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغرب آسيا" (وهو الاسم الرسمي الطويل لـ"الإسكوا") على "بوابة البيانات" التي أطلقتها من مقرها الرئيس في بيروت، ومن المستطاع الوصول إليها على العنوان الشبكي التالي: https://data.unescwa.org. وجاءت انطلاقتها في اليوم الذي أنهى فيه لبنان أطول أزمة تشكيل حكومة في تاريخ تلك الجمهورية، فساهمت في زيادة أجواء التفاؤل بحدوث انفراجة في الأزمات الكبيرة المتنوّعة التي تعانيها "بلاد الأرز" حاضراً. أبعد من ذلك يمكن التفاؤل بأن الأرقام الواردة في "بوابة البيانات" عن لبنان، ربما تساعد على وضع النقاشات العامة في البلاد على سكة الوقائع، بدل الغرق في جدالات أيديولوجيّة ومذهبية وطائفيّة ضيقة ومتشنّجة، لا تضيف إلى الناس سوى مزيد من التأزم والاحتقان الاجتماعي والتباعد الوطني وما إلى ذلك.

التفاعليّة السهلة

بعد هذا الاستطراد اللبناني الذي فرضه واقع الحال، يجدر العودة إلى استعراض مجموعة من المواصفات الأساسية في "بوابة البيانات"، مع التنبه إلى أن الكلمات لا تفيها حقها، بل تسعى إلى الحث على زيارة ذلك الموقع الإلكتروني المُشاد بعناية تقنية فائقة.  

لعل أول ما يستوقف العين، هو سمة التفاعليّة السهلة في التصميم العام والأقسام المتنوّعة في تلك المِنَصّة الإلكترونيّة التي طوّرتها "وحدة الاتّصال ونشر الإحصاءات" التابعة لشعبة الإحصاء في "الإسكوا". وتحرص صفحة الاستقبال في "البوابة" على أن تكون بديهيّة في استخدامها. إذ تحتوي 5 أقسام فرعيّة هي: ملامح الإسكوا، والاقتصاد، والبيئة والطاقة، والسكان، ويلي ذلك مستطيل فيه رابط، هو الملامح الوطنيّة الذي يوصل إلى صفحة فيها قائمة بالبلدان العربيّة الـ 18التي تقدّم البوابة معلومات وأرقاماً عنها. وبمجرد الضغط على اسم البلد، تظهر فيه الملامح الرئيسة التي اختارتها "الإسكوا" لتكون ملامح كل بلد في بوابتها الرقميّة. وتشمل تلك الملامح الأرقام المتصلة بالسكان والمهاجرين واللاجئين والإنتاج ودخل الدولة والفرد، والتجارة الخارجيّة والصناعة ومستويات الاستهلاك وغيرها. ويعقب ذلك قسم "البيانات وفق الموضوع"، الذي يقدّم فيضاً من المعلومات عن كل دولة، وتأتي البيانات مرتّبة وفق المنحى الذي يسعى المستخدم إلى التعرف إليه، بما فيها البنية التحتيّة التقليدية (شبكات الماء والكهرباء وإحصاءات الطاقة وغيرها)، والبنية الإلكترونيّة وضمنها درجة الوصول إلى شبكات الخليوي والإنترنت والهواتف التقليدية، وأنواع المنتجات الرئيسة كالنفط والغاز وغيرهما. وتتميّز تلك الملامح الوطنيّة بالغزارة في الأرقام المرتبّة بطريقة تفيد الباحثين والأفراد العاديّين، إذ تتوزع "البيانات وفق الموضوع" بالنسبة إلى كل بلد على موضوعات الإعاقة والاقتصاد والصناعة والطاقة والبيئة والمعطيات الماليّة والنوع الاجتماعي، وتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، والتجارة الخارجيّة، والحسابات القوميّة، وتعداد السكان (بما فيها اللاجئون والمهاجرون)، والاجتماع بمعنى معطيات العمران كالمساكن ودرجة الأميّة الألفبائيّة والمدارس وغيرها.

ويصعب عدم ملاحظة غزارة تلك الأرقام، إذ تقدم البوابة 4035 إحصاء عن بلد كالبحرين، ومصر 7509، والمغرب 1766، وعُمان 3160، والأردن 12958 وغيرها.

وتبرز التفاعليّة السَلِسَة بخاصة في الخرائط التفاعليّة التي تظهر في أقسام "بوابة البيانات" كلها. إذ تعطي معلومات مقارنة عن الدول الـ18التي تشملها البوابة. ومع تكبير الخرائط، تظهر تفاصيل عن كل بلد بمجرد وضع مؤشّر الـ "ماوس" عليه، كما يؤدي الضغط على خريطة بلد ما إلى الدخول على البيانات المتصلة بقسم ما في ذلك البلد.

 

هل يكفي؟ هل يشفي؟

في سياق إطلاقها "بوابة البيانات"، أوضحت "الإسكوا" أن تلك المِنَصّة تتحدّث باللغتين العربيّة والإنكليزية في واجهتها ومحتوياتها، مشيرة إلى أنها تؤمن "بأهمية تسخير الاستخدام الفعّال للإحصاءات في وضع السياسات المرتكزة إلى الأدلة" Evidence Based Policy. ومع توضيحها أن "البوابة" مجانية ومستودعات بياناتها مفتوحة بالنفاذ الحر Free Access للجميع، ينفتح أفق الرجاء بأن تحدث الأرقام تغييراً إيجابيّاً في منطقة تفتقدها. وفي المقابل، يبرز السؤال التالي: هل أن ما ينقص معظم الساسة في المنطقة هو الافتقاد للأرقام والبيانات، أو طريقة ومنهجية قراءة تلك البيانات واتّخاذ القرارات في شأنها؟ هناك مثل واضح على ذلك في مجريات السياسة عربياً. عندما اندلعت الحرب بين إيران والعراق في مستهل الثمانينات من القرن العشرين، كتب الصحافي اللبناني البارز آنذاك، ميشال أبو جودة، افتتاحيّة عنوانها "مُستشارون... مستَشيرون". وأشار الراحل أبو جودة إلى أن المعضلة في تلك الحرب ليست أن يكون لدى الزعيم على جانبي الحرب، مستشارون بعقول راجحة ومعطيات واقعيّة، بل المشكلة أن المستشير الذي هو صاحب القرار يسأل كي يسمع الجواب الذي يريده. وتالياً، تكون مهمة المستشار هي إسماع الزعيم الإجابة التي يريدها، بغض النظر عما يتوافر من معطيات وأرقام ووقائع. ويزيد تعقيد السؤال عند مطالعة الأرقام الرسميّة التي يأتي غالبها ممن بيده القرار أصلاً!

وتشمل "بوابة البيانات" ثمانية عشرة بلداً عربيّاً، وهو أقل من عددها الذي تضمه "الجامعة العربيّة". (ثمة سؤال إلى تلك الجامعة عن عدم مبادرتها إلى صنعها منصة مماثلة). وفي الخرائط، تظهر تلك البلدان التي لا تتوافر معطياتها في "البوابة" بمساحة رماديّة فتكون أقرب إلى الأشباح. وتضم قائمة تلك الدول الشبحيّة الجزائر التي يتصاعد الاهتمام بانتخابات الرئاسة فيها، مع وضع اليد على القلب وجلاً من ذكريات "العشريّة السوداء" وهي سنوات الحرب الأهلية الدامية التي اندلعت في تسعينات القرن العشرين، إثر انتخابات لم ترُق أرقامها للنظام ولا لمعارضيه، ما أدخل البلاد في أفق مسدود سرعان ما تفجر مذابح وسيول دماء.

إذاً، لنعقد أصابع الرجاء على الأمل في أن يفيد تدفق المعلومات والأرقام، في كشط ذهنيّات تدأب على إدارة الظهر للحقائق والوقائع، وتصوغ السياسات ليس بالاستناد إلى الأدلة بل استناداً إلى...؟ الأرجح أن القارئ العربي أعلم بالبقيّة.

 

المزيد من اتصالات