Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زعيم ترويج مخدرات يتحول امرأة ويصفع جمهور "كان"

فيلم "إميليا بيريز" للفرنسي جاك أوديار يعتمد "الميوزيكال" ليروي حكاية ميلودرامية قاسية

من فيلم "إميليا بيريز" عن كارتيلات المخدرات في "كان" (ملف الفيلم)

ملخص

يروي فيلم "إميليا بيريز" للمخرج الفرنسي جاك أوديار قصة تحول زعيم ترويج المخدرات في المكسيك إلى امرأة، معتمداً "الميوزيكال" لمداواة التراجيديا والتخفيف من قسوة الفيلم وجعله مثيراً على المستوى الفني

نال "إميليا بيريز"، عاشر أفلام المخرج الفرنسي الكبير جاك أوديار الذي سبق أن حاز "السعفة" عن "ديبان" في عام 2015، أطول تصفيق أثناء عرضه الرسمي في الدورة الحالية من مهرجان "كان" السينمائي في الـ14 من مايو (أيار). حتى الحضور في العرض الصحافي عبر عن حماسة شديدة، لم أرَ مثيلاً لها مع أي من أفلام المسابقة المعروضة حتى الآن، والتي بلغ عددها حتى أمس 10 ولا يزال هناك 12 فيلماً تتسابق على "السعفة" سنعاينها في الأيام القليلة المقبلة. هذا يعني أنه لا مكان للحسم، على رغم أن زميلة همست في أذني فور صعود جنريك النهاية، أن الفيلم سينال جائزة ما، لكونه يتناول كل ما يعجب أعضاء لجان التحكيم في زمننا هذا الذي تسيطر عليه الصوابية السياسية وسياسات الهوية وثقافة الصحوة.

يقول أحد المواقع الإلكترونية الفرنسية إن الصحافيين الذين كانوا على موعد مع أوديار لإجراء مقابلات، انتظروا ربع ساعة إضافية على الموعد المتفق عليه. فالرجل ما عاد قادراً على مواصلة حياة طبيعية لكثرة ما أصبح "مطلوباً" من كل حدب وصوب، بعد الكشف عن تفاصيل فيلمه في "كان". صحف أخرى وصفت الفيلم بـ"الصفعة". يجب الاعتراف بأننا أمام عمل يخرج عن المألوف. لقد استخدم أوديار "الميوزيكال" ليروي حكاية تنطوي على عناصر ميلودرامية، ولكنها في الأصل ليست ميلودرامية، ذلك أنه خطر في باله أن يصور قصة مروج مخدرات زعيم كارتيلات في المكسيك يحلم أن يتحول إلى امرأة منذ طفولته ويباشر في تحقيق مشروعه هذا مع بداية الفيلم، وتساعده فيه محامية بارعة سئمت من الدفاع عن المجرمين، على رغم معرفتها المسبقة بارتكابهم الجرائم. المحامية هي التي ستتولى تفاصيل التحويل، من إيجاد الطبيب الذي يجري الجراحة إلى تهريب عائلة الرجل الذي سيصبح اسمه إميليا بيريز إلى سويسرا، إذ في انتظار الجميع حياة جديدة. اللافت أن الممثلة التي تلعب دور إميليا عابرة جنسياً (منذ عام 2018)، وتدعى كارلا صوفيا غاسكون، ولا شك أنها ترسم خطوط كاريكاتيرها مستلهمة من تجربتها الشخصية. حتى هذه النقطة هي لمصلحة الفيلم كي ينال جائزة. 

هذا فيلم أحد أسياد الإخراج في السينما الفرنسية الحالية، وسبق أن قدم أفلاماً بديعة مثل "نبي" و"على شفتي" و"عن الصدأ والعظم"، وله في الأقل ميزة واحدة، اختياره في هذا الفيلم موضوع شائك جعله يتحرك على أرض ليست أرضه (المكسيك) وباللغة (الإسبانية) ليست لغته. يستحق أوديار التحية على حسه المغامر وهو في الـ72، بل على عدم اكتفائه بالتربع على عرش السينما الفرنسية، علماً أنه طالما نوع في الأصناف السينمائية التي تطرق إليها. ومن أجل تجسيد رؤيته على أدق وجه، لم يوفر لا في الإمكانات المادية ولا في الموارد البشرية، فاستعان بنجوم من الصف الأول من مثل زووي سالدانا ("أفاتار" لجيمس كاميرون) والممثلة والمغنية سيلينا غوميز. إذاً، نحن أمام مشروع سينمائي طموح، بنمر موسيقية راقصة وتصوير متقن، وهذا لا يلغي أن جزءاً من الفيلم غارق في الحميمية التي تغيب عادة عن هذا النوع من الأفلام، لعل أوديار تميز في هذا.

يبلغ طول الفيلم ساعتين وثلث الساعة. الإجراءات والاستعدادات لجراحة التحويل تبدأ باكراً وتنتهي باكراً. لن يتطلب تحول مانيتاس دل مونتيه إلى إميليا بيريز كثيراً من الوقت. بقية الفيلم ما هي سوى أحداث كثيرة مترابطة، من المستحيل حتى الإتيان بفكرة بسيطة عنها، ولكن يمكن اختصارها من خلال القول إنها ستكون قصة توبة وتحقيق ذات واستعادة للحرية، خارج الجسد الذي كان حبس فيه البطل. الفيلم يتعامل مع قضايا جدية هي العبور الجنسي والمخدرات بأسلوب غير تقليدي، رافضاً أن يتحول إلى ملف عن واحدة من هذه القضايا. 

عوضاً عن المعالجة التقليدية، سيرقص الجمهور ويغني على قبور المأساة، من دون أي اعتبار لحقيقة أن الفيلم يتحدث عن الجريمة المنظمة التي تتسبب كل عام في مقتل آلاف الناس، وتجعل أمهات يبكين أولادهن ويبحثن عن جثثهم، جراء تصفية حسابات بين المجرمين. يقبل الجمهور نمط الفيلم أو يرفضه، أميل إلى الشريحة الثانية، الذين شدوا على يد أوديار أعجبتهم أن مداواة التراجيديا بالموسيقى تخفف من حدة الفيلم، بالتالي تجعله مثيراً على المستوى الفني، ومن رأى عكس ذلك، هو الذي لم ينجح في الدخول في الفيلم، خصوصاً أن من الصعب أن نتعلق بالشخصيات، وهذا واحد من أكبر العوائق بين المشاهد ومطلق أي فيلم. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يحملنا الفيلم من مكان إلى آخر لدرجة فقدان البوصلة وفك الارتباط باستمرار مع أي بقعة، وهذا بوتيرة لا تهدأ وأحداث تتعاقب وشخصيات تتحدث كثيراً وتتفاعل في ما بينها، بروحية لاتينية. تبقى براعة أوديار في رصد مناخات وإشاعة أجواء تهيمن عليها خيارات جمالية بألوان دافئة. أوديار سيد صورة وإيقاع بلا شك، مايسترو يلعب الكاميرا على أصابعه، ودائماً ثمة ما يبهر في زاوية من الكادر. فما بالك إذا كان مدعوماً بموسيقى وأغان تتبلور بموازاة الأحداث في نوع من حوار بين الشخصيات وما يحل بها، مع تنويه خاص بأغنية جورج براسنس "العابرات" التي تحضر في الفيلم بنسخة إسبانية. 

لكن، وعلى رغم هذا كله وللأسف الشديد، نبقى على مسافة من هذا الاستعراض الذي يحرص على إلغاء أي حكم قيمة، ليغوص في أعماق البشر مستخرجاً ما ليس لديهم القدرة على إخراجه بمفردهم، إلا بعد تعرضهم لصدمة أو تجربة قاسية، تجلهم ينتقلون من ضفة إلى ضفة معاكسة. ينسحب هذا على إميليا بيريز التي تحاول أن تعوض عن كل ما تسببت به من مآس.

مجدداً، هذا فيلم يعجب كل الذين يؤمنون بدور المرأة، ولو كان رجلاً في حياة سابقة، في تطوير المجتمع والاضطلاع بدور أساس في تغييره، خصوصاً في بلد تحصد فيه أفعال الرجال الأرواح باستمرار. فمن سيقف في وجه فكرة مماثلة؟ خصوصاً إذا نقلت إلى الشاشة بحساسية عالية ومع تفاد لكل صور المطبات التي يحفل بها هذا النوع من الأفلام، ولكن للأسف بلا روح.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما