تجارة الوهم... الدجالون الجدد ينبشون القبور بحثاً عن أعمال السحر

"السوشيال ميديا" منصتهم للدعاية... وهذه العلامات تكشف زيف بضاعتهم

حملة نبش القبور وتطهيرها من الأسحار بمختلف قرى المحافظات كشفت ألاعيب الدجالين وفضحت نواياهم (مواقع التواصل الاجتماعي)

الدجلُ والشعوذةُ عالمٌ غامضٌ، ظلَّت حيله وألاعيبه مثار تساؤلات كثيرة، ومجالاً خصباً لوضع علامات تعجب بلا نهاية عن قدرة الدجالين واحترافيتهم، وسيطرتهم على شريحة كبيرة من المجتمع، يساندهم في ذلك الجهل وارتفاع نسبة الأمية بالأوساط الشعبية والبسطاء بالقرى والنجوع المصريَّة.

لكنْ، المثير أن هذا العالم الغامض تطوَّر، وارتبط باستخدام التكنولوجيا والإنترنت في ترويج بضاعته، واستقطاب المتعلمين من رواد السوشيال ميديا، خصوصاً موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، الأوسع انتشاراً في الأوساط المصريَّة، واستخدام حيل جديدة للخداع والترويج لأنفسهم وقدرتهم على فك الأعمال (يقصد شعبياً بكلمة الأعمال السحر والشعوذة) بشكل غير مباشر.

الدَّجالون الجدد أثاروا على (فيسبوك) حملة نبش القبور وتطهيرها من الأعمال والأسحار بمختلف قرى المحافظات، ليجدوا في ذلك فرصة لاستغلال تلك الحملة في عرض قدرتهم على استخراج الأعمال وفك السحر.

الدجل يتطور إلكترونياً

في خطوات حثيثة تخطو (م. ك)، العشرينية، مرتبكة هي ووالدتها الأميَّة البسيطة بقرية الباجور التابعة إلى محافظة المنوفية (تقع شمالي القاهرة)، عقب صلاة المغرب صوب منزل متواضع من الطوب اللَبن، يعلوه سقفٌ من الخوص والأخشاب، وبقرة عجوز يكاد عظمها يخترق الجلد المترهل تنعق في صوتٍ، يرتعد له جسد الشابة الصغيرة، وهي في ساحة منزل المشعوذ (أ. ع)، يطلقون عليه (الحاج)، ليس لأنه حجَّ إلى بيت الله الحرام، بل لكراماته التي يحكي عنها أهل القرية، وقدرته على فك أخطر الأعمال السفليَّة والأسحار.

تقول الفتاة العشرينية، "تبعتُ والدتي في تلك الزيارة لأنال رضاها فقط، لكني لم أقتنع أن هذا الرجل لديه قدرة حقيقية على فك السحر، كما يقولون، فلو كان يقدر على نفع إنسان أو ضره كان أولى به أن ينفع نفسه وأهل بيته برزق أوسع وحياة أفضل من الحياة المتواضعة التي يعيشونها، حيث الهدايا والعطايا التي يمنحهم إياها أهل القرية، لتهبط عليهم كراماته كما يدَّعون".

في غرفةٍ ضيقةٍ لا تتعدى بضعة أمتار، تدخل الفتاة وتنزوي إلى جانب منها في انتظار صاحب الكرامة. يعلنُ صرير الباب قدومَه، ويخرج عِدَّة الشغل، ويبدأ في قراءة كلمات غير مفهومة على رأسها، ويزمجِّر بأصواتٍ مسرحيَّة، ثم يخطُّ بحبر أحمر خطوطاً وكلمات ورموزاً على ورقة بيضاء، ويلفها في قماشة بيضاء على هيئة مثلث ليصبح حجاباً لها تستعين به على إبطال العمل.

بعد أيامٍ عدة وفي جلسة ثانية يُطلَب من الفتاة التوجُّه إلى مكان القبور بالقرية في ظلام الليل، بصحبة الدجال ووالدتها التي لم تعترض على أي شيء، بل تحثَّها بشدة على سماع نصائحه، بحجة أنه عالمٌ بما لا يعلمون.

ترتعد الفتاةُ في خوفٍ، وتسير متشبثة بملابس والدتها المسنّة البسيطة كطفلٍ صغيرٍ، ونباح الكلاب لا ينقطع في مشهدٍ لا يُنسى وترقب منها لأي حركة غريبة حولها، ودموع خوف احتبست تصاحبها في الرحلة إلى قلب القبور.

يتوقف صاحب الكرامات عند أحد القبور الذي لم يعلن لماذا اختاره تحديداً، ويبدأ بمساعدة كشَّافه القديم في نبش القبر إلى أن يستخرج منه لفافةً من القماش بداخلها عروسةٌ من القطن كُتِبَ عليها اسم الفتاة، وتمنّي الموت والمرض ووقف الحال (أي عدم الزواج) وغيرها من الطلاسم والرموز، لتفاجأ الأم بكراماته في معرفة مكان العمل السفلي الخاص بابنتها واستخراجه وقراءة كلمات غير مفهومة وهمهمات، ثم حرقه أمامهما، وشعور الأم بالانتصار والسعادة الغامرة، وتقبيل ابنتها من شدة فرحتها، لتسارع في الحال بخلع إحدى مصوغاتها الذهبية نتاج "تحويشة العمر"، وأهدتها إليه في سعادة، وأصرَّت عليه قبولها.

الفتاة أصابها ذهولٌ وارتباكٌ، ولم تستوعب ما يحدث، لكن عقب خروجها من تلك الأجواء تذكَّرت أن السحر الذي استخرجه الدجال من القبر، كما يدَّعي، توجد عليه علامات تشير إلى أنه من صنعه هو، فالقماش ما زال جديداً، والحبر الأحمر حديث، في وقت يقول الدجال إن العمل دُفِنَ منذ سنوات طويلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تلك الرواية وأسلوب الدجال في إيهام ضحاياه بوجود سحر في القبور يخص أناساً بعينهم، وقدرته على فكها لا تختلف كثيراً عما يحاول مؤخراً الدجالون والمشعوذون استغلال السوشيال ميديا للترويج عن أنفسهم بالطريقة ذاتها، من خلال صناعة أشكال مختلفة من الأعمال، ودسّها بالقبور، ثم استخراجها فيما بعد أمام الكاميرات بدعوى أنهم الأقدر على فك تلك الأسحار وإبطالها، فيزيد إعجاب متابعيهم، ويبهرهم بريق الوهم وخداع الدجالين.

سقطات الدجالين الإلكترونيين

سيكولوجياً من الصعب على الأشخاص المعروفين بالخداع والكذب أن يتمكَّنوا من الحبكة الكاملة للقصة أو الرواية الخادعة، لذا لا بدَّ من وجود سقطات تكشفهم، وتكون واضحة جليَّة لا لبس فيها، ولا غموض، مثل أن تكون جميع الأعمال المستخرجَة من المقابر بالخط نفسه والكتابات ذاتها على الصور المختلفة والكلمات. وكذلك الأحجيّة التي تستخرج من الصعب أن تظهر معظمها بيضاء، ومن المفترض أنها دُفِنَت منذ سنوات طويلة، وأصبحت شبه بالية، وغيرها من الأمور كحداثة جميع الصور التي اُستخرجت، وعدم وجود أي إشارات تدل على تلف بعض منها أو زوال ألوانها نسبياً، أو ظهور أثر العوامل البيئية عليها، لأنها أيضاً من المفترض أن معظمها أو جزءاً كبيراً منها قديمٌ، والبعض الآخر على الأقل دُفِنَ في القبور مدةً طويلة، فلا بد أن تضع العوامل البيئية بصمتها عليها.

كل تلك الأعمال التي يدَّعي الدجالون الإلكترونيون استخراجها واستعراض قوتهم وقدرتهم في إبطالها تشترك في سمات بإحكام العقل واستبعاد العواطف والتدقيق يمكن أن تمنع الكثيرين من السقوط في هوة الخداع والدجل والشعوذة.

عمل مكروه

يقول الشيخ محمد كامل، دارس الفقه والشريعة بجامعة الأزهر وشاهد عيان على تلك الممارسات، "أختلف مع تلك الظاهرة سواء صلحت نياتهم أو كانت خبيثة، إذ إنه لا يوجد حديثٌ صحيحٌ يدعو إلى نبش القبور لتلك الغاية".

وأضاف، "عملٌ مكروهٌ، لا يجب فعله في كل الأحوال، الرسول (عليه الصلاة والسلام) علَّمنا كيف يحصَّن المسلم نفسه، وكيف يقي ذاته من شرور المسَّ والسحر وغيرها". محذراً "لا داعي للبدع، وما لم يأمرنا به الدين".

وأشار إلى أن "هناك فئة ليست بالقليلة من الدجالين والمشعوذين استغلوا حملة تطهير القبور بنبشها وانتهاك حرمتها والتسويق لأعمالهم"، مبدياً "استياءه الشديد ممن ينتهكون حرمة الموت لتحقيق غايتهم".

سالم أحمد طالب بالفرقة الرابعة بكلية التجارة جامعة القاهرة، وأحد متابعي تلك الصفحات على (فيسبوك)، يقول "الظاهرة أثارت انتباهه وقرر متابعة القائمين عليها، فتبين له أنهم لا يقومون فقط بتلك الممارسات، بل يسرقون محتوى صفحة الحملة الرئيسية، وينشرونه على صفحاتهم الشخصيَّة ترويجاً لأنفسهم كي يستقطبوا عدداً من المشاهدين والمتابعين".

حملة تنظيف القبور

من مصر إلى الوطن العربي تمتد الظاهرة، فإحدى الصفحات الإلكترونية تحت عنوان "حملة تنظيف القبور ومحاربة السحر والشعوذة"، تنشر صوراً لبعض الأشخاص، وعليها كتابات بتمنّي المرض والجنون والتفريق والشتات، يتفاعل معها كثيرٌ من المتابعين، فمنهم من ينهال بالدعوات لأصحاب الحساب الإلكتروني، ومنهم من يصاب بالخوف، ويدعو الله بأن يقيه وذويه شر تلك الأعمال، لكن القليل من العارفين بمجال السحر والشعوذة يعلق أن هذا خداعٌ، وليس فيه أي شيء من الصحة.

بعض المعلقين من رواد الصفحة يستنكر الاستخفاف بعقول الناس، ويعلق بأن "الكتابة على صورتين مختلفتين لحالتين تم استخراج السحر الخاص بهما من القبور بأن الكتابة نفسها، الخط والقلم والطريقة، ما يدل على أن شخصاً واحداً هو من قام بالكتابة على كل تلك الأعمال، التي يزعم استخراجها من المقابر".

حكم الفقه

دار الإفتاء المصرية من جانبها أكدت في فتواها حرمة نبش القبور، مشيرة إلى أن "ذلك لا يتم إلا في ضرورة ونطاق محدود حدده الشرع، ولم يدرج فيه نبش القبور بحجة استخراج الأعمال والسحر".

واستندت الفتوى إلى نص فقهاء الحنفيَّة بأنه "لا يجوز مطلقاً نبش القبور وإخراج الميت من قبره بعد دفنه إلا لموجب شرعي، مثل أن تكون الأرض التي دفن فيها مغصوبة أو أخذت بعد دفنه بشفعة، كما أجازوا نقله إذا تطرقت إلى القبر رطوبة أو مياه، ولا يجوز كسر عظامه، ولا تحويلها، ولو كان ذمياً، ولا ينبش وإن طال الزمن".

وأكدت دار الإفتاء في فتواها أيضاً ومن خلال الاستناد إلى إجماع الأئمة أنه "لا يجوز نقل الميت بعد دفنه طالت مدة دفنه أو قصرت للنهي عن نبشه، وأن النبش حرام".