تونس تنتخب

تحليل أسباب انخفاض نسبة الاقتراع في الدور الأول

الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس أثناء إعلانها نتائج الدور الأول (رويترز)

جرت الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية التونسية الاثنين الماضي، وكانت نسبة الإقبال – بحسب الهيئة العليا المشرفة على الانتخابات- حوالى 45 في المئة، وهي في الحقيقة نسبة صادمة، فتونس مهد "الربيع العربي" ومنطلق الثورات العربية التي اندلعت بإحراق محمد البوعزيزي نفسه في عام 2010. ويتطلع مراقبون إلى التجربة التونسية بنوع من الغبطة- ولا أقول الحسد- والقلق والخوف على هذه التجربة المميزة، وعلى استقرار هذا الشعب العزيز وازدهاره.

أقول إن نسبة المشاركة بالانتخابات صادمة لأنه لم تُجرَ سوى انتخابات رئاسية واحدة قبل ذلك، منذ هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي في عام 2011، وكانت نسبة المشاركة بالانتخابات السابقة عام 2014 بلغت 64 في المئة تقريباً، وهي نسب لا تعكس توقاً شديداً وتحرقاً قلبياً على الديمقراطية وصناديق الاقتراع الحرة.

 أفهم لماذا لا تتجاوز نسبة المشاركة بالانتخابات الرئاسية الأميركية النصف، لأن الأميركيين ملوا تكرار ذات الحزبين طيلة القرنين الماضيين تقريباً – الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، فهم لا يرون فرقاً بينهما ولا يرون تغيراً كبيراً بانتخاب مرشح هذا الحزب أو ذاك.

ومفهوم أن تتدنى نسبة المشاركة في الديمقراطيات الغربية العريقة على اعتبار أن المواطن لم يعد قلقاً على رسوخ مؤسسات الدولة وثباتها وبالتالي فهو يرى أن مَن سيتم انتخابه لن يتعدى على صلاحيات هذه المؤسسات وقدسيتها. لكن أن تتدنى نسبة المشاركة إلى هذا الحد بانتخابات بلد جميل بشعب توّاق إلى الحرية، ومنهك بالفساد وترهل البيروقراطية والبطالة بين الشباب التي بلغت نسبة 15 في المئة، فهذه مسألة تتطلب التوقف عندها، وظاهرة تستحق الفهم والدراسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

يصعب القول إن الناخب التونسي الكريم ضجر من الأحزاب واجترارها لخطب مكررة عبر مسيرة طويلة من الانتخابات الرئاسية. كما يصعب القول إنه ملّ المرشحين وكفر بصدقيتهم، فلماذا أحجم أكثر من نصف الناخبين التونسيين عن المشاركة بالانتخابات الرئاسية؟
وهنا لا أطرح أسباباً تتعلق بفهم طبيعة هذا الشعب الكريم، ولكني أحاول جاهداً فهم عقلية الناخب ضمن فهم عام للعقلية العربية تجاه الانتخابات.
تراكم لدى العقلية العربية عدم اكتراث بالانتخابات لأن عقلها الباطن يقول إن النتائج معدَة سلفاً، وهذا لا ينطبق على الحالة الانتخابية التونسية، لكنه ينطبق على العقل العربي بشكل عام.

 كثرة المرشحين للرئاسة خلقت حالة من البلبلة والذهول لدى الناخب التونسي، إذ بلغ عدد المرشحين 26 مرشحاً، ولعل الناخب ذُهل من العدد الكبير ولسان حاله يردد ما جاء على لسان دريد لحام في مسرحية "غربة" "الضيعة كلها زعما، من وين بدي أجيب لك شعب". أو كما يقول المثل الإنجليزي

TOO MANY CHIEFS, NOT ENOUGH INDIANS

ولعل وصول مرشح مغمور مثل القانوني قيس سعيد إلى الدور الثاني النهائي، متغلباً على مرشحي أحزاب تقليدية كمرشح حركة النهضة "الإخوان- فرع تونس"، عبد الفتاح مورو، أو رئيس سابق كالمنصف المرزوقي الذي حل عاشراً في الدور الأول، ما يعكس صدى لدى الناخب التونسي عن الأحزاب والشخصيات السياسية التقليدية، ويشير إلى البحث عن جديد لدى ناخب جديد، وهنا جاء اختيار السيد سعيّد في المرحلة الأولى على الرغم من أنه لم يدر حملة انتخابية، ولم يكن يملك حساباً على الإعلام الاجتماعي. كثيرون رأوا في السيد سعيد نموذجاً لسياسي جديد "نظيف"، لكنهم انتخبوا بالترتيب الثاني الإعلامي الثري السيد نبيل قروي الموقوف بتهم فساد وغسيل أموال!

نتائج الانتخابات التونسية تشكّل مؤشراً إلى البحث عن جيل جديد من الساسة، فسقوط النخب السياسية التقليدية مثل "النهضة" و"نداء تونس" وغيرهما، توحي بأن الناخب التونسي يتطلع إلى الجديد، وبأن الطبقة السياسية التقليدية استُهلكت وانتهى دورها، وما ينطبق على الحالة التونسية ينطبق على الحالة العربية العامة، وكنت قلت الكلام ذاته عن الحالة الكويتية، في لقاء تلفزيوني محلي في عام 2013، ومفاده أن الطبقة السياسية الحالية في الكويت في طريقها إلى التلاشي بقواها ورموزها، وبأن الجيل الرقمي ملّ الإيديولوجيات والأحزاب المبرمجة المتخشبة، وبأن قوى سياسية جديدة تبحث عن حلول عملية وسريعة، وإلا فإنها ستحجم عن العمل السياسي التقليدي، وهو ما يفسر – ربما- إحجام غالبية الناخبين في تونس عن المشاركة. لا ندري كم ستكون نسبة المشاركة في الدورة النهائية، لكنني أظنها لن تبتعد كثيراً عن نسبة المشاركة في الدورة الأولى. الكتابة عن الانتخابات التونسية منطلقها الحرص على هذا البلد العزيز، ودافعه التعلم من هذه التجربة الوليدة، واستخلاص الدروس والعبر من حركة الشعب التونسي الكريم.

المزيد من آراء